‏إظهار الرسائل ذات التسميات متن اللغة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات متن اللغة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 يونيو 2020

تأصيل لفظَي (اللبن) و(الحليب) في الاستعمال الحديث

في التأصيل
نُشر في تويتر وفسبك في 21/ 10/ 1441هـ.
(اللبن) في اللغة اسمٌ يشمل كلّ ما يخرج من الضرع سواء الطريُّ منه والرائبُ. 
والناس اليوم يسمُّون الطريّ الذي لم يُمخَض (حليبًا). وهو جائز، إذ أصله (اللبنُ الحليبُ) أي المحلوب، (فعيل) بمعنى (مفعول)، سمّي (محلوبًا) لأنه حديث الحلب وإن كان كلّ لبن محلوبًا. ونظيره قولهم: (ثوب جديد) أي مجدود، والمجدود المقطوع، كأن الحائك جدَّها حديثًا. وهو استعمال فصيح، ومنه قول الشاعر: 
وقعْب وجِيئةٍ بُلّتْ بماءٍ ** يكون إدامَها لبنٌ حليبُ 
فحذفوا الموصوف استغناءًا عنه. وذلك كثير جدًّا في كلام العرب كقولهم: (الطبيعة) و(الخليقة) و(الحاجب) لحاجب العين، والباب، و(المارّة) و(الكَريهة) للحرب، و(الدنيا) و(الآخرة). 
وقد سُمِع عن العرب استعمالهم (الحليب) مستغنيًا عن موصوفه كقول الشاعر: 
رويدَك حتى ينبُت البقلُ والغضَى ** فيكثرَ إقْطٌ عندهم وحليبُ 
ويسمّون الرائب المَخيض (لبنًا) مع أن لفظ (اللبن) في أصل اللغة يشمل الطريّ أيضًا. وذلك جائزٌ أيضًا، إذ ليس فيه أكثر من تغليب استعمال اللفظ على بعض أفراده. وله نظائر كثيرة، منها قولهم: (مصيبة) لما يصيب من النوائب المؤذية مع أن مقتضى لفظها أن يُطلق على كل ما أصاب، وتغليبُهم (الزكاة) على الفرض دون النافلة، و(الحجّ) على قصد مكة والمشاعر بصفة مخصوصة، و(الجِهاد) على قتال الكفّار، و(اللقيط) على الصبيّ الملقوط دون سائر ما يُلقَط، و(الذَّفَر) على الرائحة المنتنة مع أنه في الأصل يشمل الرائحة الطيّبة، و(العَرف) على الرائحة الطيّبة دون المنتنة مع أنه يشملهما أيضًا، و(الطرَب) على خفّة الفرح دون خفّة الجزع، على أنه في الأصل يشملها. ومثله تغليب العامة اليوم (الهلاك) على موت المستراح منه مع أنه في الأصل دالّ على كل موت.

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

نقد دعوى الفوائت الظنية

هاتان مقالتان نقدت فيهما دعوى الفوائت الظنّية التي يسعى عليها الدكتور عبد الرزاق الصاعدي وبيّنت زيفها وبطلانها بالبراهين الكثيرة.
* المقالة الأولى:
نُشرت في تويتر وفسبك في 28/ 6/ 1440هـ.
نُشرت في تويتر وفسبك في 4/ 1/ 1441هـ.

عقبه أم عقيبه؟ وكيف تُضبط؟

نُشر في تويتر وفسبك في 9/ 3/ 1440هـ.
س: ما الصواب (ذكرته عقبه) أم (عقيبه)؟ وكيف تُضبط؟
ج: الأفصح أن تقول: (ذكرته عُقْبَه) بضم العين وسكون القاف كما تقول العامة و(عُقُبَه) بضمتين و(بعقبه وفي عقبه وعلى عقبه). ومعناها (بَعدَه). وأجاز اللحياني (عَقِبه) بفتح فكسر كما تقول الخاصة و(عَقْبه) بفتح فسكون.
ويجوز (عُقيبَه) بالتصغير للتقريب كما تقول: (بُعيدَه).
وأما (عَقِيبه) بفتح العين فلم نجد العرب تستعملها ظرفًا. وقد نصّ على نحو من ذلك الرازيُّ، وإنما هي (فَعيل) بمعنى (مُفاعِل) أي معاقب، مثل (جليس) و(شريك). وهي كثيرة في كلام العلماء قديمًا. وهي جائزة على أن تكون حالًا أو تكون ظرف زمان على تقدير (ذكرته وقتًا عقيبًا له)، ذكر ذلك الفيوميّ ومثّل له بقولهم: (يفعل ذلك عَقيب الصلاة) أي وقتًا عقيبًا لوقت الصلاة، فحُذف (الوقت) ونابت عنه صفته. وله نظائر معروفة.

الخميس، 25 يوليو 2019

مسائل متفرقة في البديل الفصيح من ألفاظ اللغة

نُشر مفرَّقًا في تويتر وفسبك وآسك في أوقات مختلفة.
- يقال: (رجلٌ سَطحيّ) أي: ظاهري غير عميق، نسبةً إلى (السطح). وهو مولَّد. وقد وجدتّ ابن المقفع يستعمل في موضعه (الجافي).
- يقول الناس اليوم: (سأفعل هذا لاحقًا أو مستقبلًا أو في المستقبل). وهي مولّدات صحيحة. والعرب تقول في موضعها: (سأفعله من ذي قَبَلٍ، ومن ذي قِبَلٍ) و(في ما بعدُ). وهذه الأخيرة لا تزال مستعملة. ويقولون أيضًا: (فعلته مؤخَّرًا). وهي صحيحة. والعرب تقول: (فعلته أخُرًا وبأخَرةٍ وأخيرًا).
- تُسمى الفرجة التي تحت طرف الأنف بينَ الشاربين (نَثْرة) و(لَعْقَطة).
- الجُند الذين يتقدّمون موكب الأمير يفسحون له الطريقَ يُسمّون (المُطرِّقة). وقد ورد ذكرُ هذا في "الأغاني". 

- لنا أن نسمّي المصاب بجنون العظمة (أبْلَخ)، قال أبو عَمر الشيباني: (الأبلخ: الفخور في نفسه كأنه مجنون من عظمته وكبريائه). 
- (الرسالة الجماعية) أو (الرسالة العامّة) يصحّ أن نسميها (العَميمة) كما قالت الخنساء:
أبلغْ خُفافًا وعمرًا غير مقصرةٍ ** (عَميمةً): سوف يبدو كلُّ أسرارِ
أي أبلغهم برسالة عميمة أي عامة أو جماعية. واستغنت بالصفة عن الموصوف.
- يقول العرب في (السنوي): (الحوليّ). ومنه قول الحطيئة: (خير الشعر الحوليّ المحكّك) وحوليات زهير. و(العامِيّ) نسبةً إلى العام. وله شواهد. وأما (الشهري) و(اليومي) فلم يمرا بي. ولا أدري أستعملوهما أم لا، غير أنهما يجوزان قياسًا. ويجوز أيضًا أن يقال: (سنويّ).
- الخَزيز: العوسج الذي يُجعل على رءوس الحيطان ليمنع التسلّق [لسان العرب].
قلت: يصح تسمية الأسلاك الشائكة بهذا الاسم. 

- القشرة التي تعلو الجُرح عند البُرء اسمها في لغة العرب (جُلْبة). 

- أقترح تسمية (الشهادة الوهميّة) باسم (الشهادة المُبهرَجة)، قال اللبلي: (الدرهم المُبهرَج: هو المضروب في غير دار الأمير. ولا يباع به).
- في سعة العربية مضطرَب عن أن تسمي التغريدات المسلسَلة باللفظ الأعجمي (ثريد). سمّها إن شئت (سَرْدًا) أو (سِلسلة) أو (نظَمًا) [بفتح الظاء، اسم لما يُنظم] أو (منظومة) أو (عِقدًا) أو (نسَقًا) أو (سِمطًا) [وهو الخيط الذي يكون فيه النظم] أو (نضَدًا) [وأصله ما نُضِد بعضه فوق بعض أي وُضِع] أو نحو ذلك.
- يمكن تسمية التخطيط الإستراتيجي بـ(التخطيط المستشرِف) أو (المُجلِّي)، من (جلّى الصقر ببصره) إذا نظر إلى صيده من بعيد لحدّة نظره. 
- قول الناس اليوم: (بالكاد فعل كذا) يقاربه من كلام العرب لفظ (بالتكاليف)، قال الحماسي:
وبالتكاليفِ تأتي بيتَ جارتها ** تمشي الهوينى وما تبدو لها قدمُ
- تُسمّى الهدية التي يهديها الرجلُ إذا قدمَ من سفرٍ (العُرَاضة). 
- اللفظ الفصيح المرادف لكلمة (التوتُّر) هو (الزَّمَع). وفي "اللسان": (الزَّمَع رعدة تعتري الإنسان إذا همّ بأمر). واستعمله الجاحظ في "الحيوان". 
- يُسمى كَيّ الثياب قديمًا (الصِّقال). وفي "الأغاني": (فإذا بشر بن مروان عليه غلالة رقيقة صفراء وملاءة تقوم قيامًا من شدة الصّقال).
- المكعبات التي تُشعَل بها النار ليس لها عند الناس اسم صالح، وإنما يسمونها (البِيض). وهو اسم عام. وأرى تسميتها (ذُكى)، جمع (ذُكوة) و(ذُكية). والذُّكوة والذُّكية في كلام العرب ما ألقيتَه في النار من حطَب أو بعَر ليزداد تلهّبها واشتعالها. 
- الوسادة الصغيرة تسمى في لغة العرب (حُسْبانة). 

- يقال: وُثِئت يدُه، وأصابه وَثْءٌ، وهو أن يصيب العظمَ وصمٌ لا يبلغُ الكسرَ. قلتُ: وهو ما نسمِّيه في عاميتنا (شَعَر). 
- العُقدة التي يسهل حَلّها تُسمّى في كلام العرب (أنشوطة). والتي يصعب حَلّها تسمّى (أُربة). و(العُقدة) تشمَل ذلك كلَّه. 
[أنشوطة]
[أُرْبة]
- الذي يأكل كثيرًا ولا يسمَن تسمّيه العرب (المَهْلوس). 
- من طريف الأساليب قول سيبويه: (وليس في الدنيا اسم صفته كذا) وفي معناه قول الجاحظ كثيرًا: (وليس في الأرض) مكانَ قولنا: (لا يوجد اسم صفته كذا). 
- ‏تُسمّى هذه في كلام العرب (مِقبَضًا) و(مَقبِضًا) و(مِقبَضة) و(مَقبِضة) و(عُروة) و(أُذُنًا).

- لم تدَعِ العرب أن تضع اسمًا لبيض النّمل، وهو أدقّ الأشياء وأحقرها، فسمّته (المازِن)! 

بل إنهم لم يُغفلوا ما هو أغمض من ذلك وأقلّ. وذلك تسميتهم الشوك الذي في ساقي الجرادة (التأشير)!

الثلاثاء، 23 يوليو 2019

مسائل متفرقة في الفروق اللغوية

نُشر مفرَّقًا في ملتقى أهل اللغة وتويتر في أوقات مختلفة.
- يقال: أرّخَه يؤرّخه تأريخًا وتاريخًا [على قياسِ مذهبِ التخفيف]، وورَّخَه يورّخُه توريخًا.
قلتُ: أراه أعجميًّا لأمرينِ: 
الأول: أنه ليس له من الاشتقاقِ ما يشهدُ له. 
الثاني: أنهم ذكروا أن التاريخ قد أخذه العربُ من العجمِ، والعادةُ أنَّ أدواتِ الحضارةِ يتلقّفها الآخذُ باسمِها من أهلِها.
ولمّا كانَ أعجميًّا فقد استعملته العربُ بالواو والهمز لأن العرب تتصرفُ في الكلمِ الأعجميّ ما لا تتصرفُ في غيرِه، من ذلك أنّ في (جبريلَ) ثلاثَ عشرةَ لغةً. ولكونِه أعجميًّا لم يكن مصيبًا من قالَ: إنَّ أحدَهما مبدَلٌ من الآخرِ. ثم إنّ كليهما متصرّفٌ، فكيفَ نعلمُ أن أحدَهما هو الأصلُ؟
أما الترجيحُ بينَهما فإنْ أردتَّ العِلْمَ فالأشهرُ تركُ الهمز (التاريخ) لأنه غلبَ عليه، ربما لأنّ التاريخَ ذاعَ عن قريشٍ وكانوا لا يهمزونَ فتلقاه الناسُ عنهم بلسانِهم كما ذاع لفظُ (النبي) مخفّفًا غيرَ مهموزٍ لهذه العلةِ في ما أرى، إذ الأرجح فيه أن يكون مشتقًّا من (ن ب أ) فيكون (فعيلاً) بمعنى (مُفعِل) أو (مُفعَل). 
وإذا أردتَّ بهِ المصدرَ فالأشهر الهمزُ (التأريخ). 
وإنما سمّوا العلمَ بالمصدر من بابِ المجاز المرسَلِ الذي عَلاقتُه السببيةُ لأن العلمَ هذا لا يكونُ إلا بالمصدرِ.
- (المدح) الثناء على الصفات الخِلقية كالجمال، والاختيارية كالكرم. و(الحمد) على الاختيارية فقط، و(الشكر) على صفة الإحسان من الاختيارية فقط. 
- الصوابُ أنه لا فرقَ بين (الإتيان) و(المجيء). وما ادعاه أبو هلال العسكريُّ في " فروقِه " باطلٌ إذ لا دليلَ على ما زعمَ من حيث الأصلُ، بل الأمر يثبت خلافَه، قالَ الحماسيّ: 
فجاءت به سبطَ العظام كأنما ** عِمامتُه بينَ الرجالِ لواءُ
وقالَ أبو كبيرٍ الهذليّ في "الحماسةِ": 
فأتت به حُوش الفؤاد مبطَّنًا ** سُهُدًا إذا ما نامَ ليلُ الهوجلِ 
فكيفَ عرفَ أن هذا هو الأصل وأن الآخرَ محمولٌ عليه؟ 
ثم لو كانَ ذلك لم يكن له أثرٌ في الكلامِ لأن معناهما في الاستعمالِ واحدٌ، قالَ تعالى : ((قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا )) وقالَ : ((أم جاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ)).
أما لِمَ استعملَ القرآن هذا مكان هذا فذلك - والله أعلمُ - من بابِ التنويعِ لما له من الترويح عن النفوسِ والاستمالةٍ للقلوبِ. ومن الخطأ أن يُظنَّ أن لكل شيء من ذلك علةً غيرَ علةِ التنويعِ. وحسبُك بعلة التنويع علةً حكيمة مرعيّة. 
- الكلامُ على إمكانِ الترادفِ في الكلِمِ يطولُ. والصحيحُ الذي أرضاه وأرى العللَ تُسنِدُه وتُظاهره أنه يقعُ في كلامِ العربِ وفي كلامِ الله تعالى. ومن الخطأ أن نقصُرَ البلاغةَ في مسالكَ معدودةٍ، إذ من البلاغةِ التنويعُ. ووجهُ عَلاقتِه بالبلاغةِ مراعاتُه حالَ المخاطبِ بطردِ المللِ واجتلابِ الجِدّةِ في الحديثِ وتجنّبِ التَّكرارِ لما له من ثِقَلٍ على النَّفوسِ. وللمعارضِ لهذا أن يلتمسَ التأويلاتِ، ولكنَّ التزامَه ذلكَ سيفضي بهِ إلى ما هو أشدُّ مما هربَ منه من مَّا لا يَرضاه أحدٌ لكلامِ الله. والذي يدلُّك على ثبوتِ الترادفِ أنَّ الكلمةَ الواحدةَ في السياقِ الواحدِ والغرضِ الواحدِ تُقرأ عدَّةَ قراءاتٍ نحو (نزَّلَ وأنزل)، فلو فرقتَ بينها في المعنى لأسلَمَكَ هذا إلى التناقضِ. وإذا كانت العربيةُ لغةً كسائر اللغاتِ يعتوِرها ما يعتوِرُها، وإذا كانت ليست كلّها منطِقًا خالصًا، وإنما مرجعُها العقلُ البشريُّ بما فيهِ من منطقٍ وتجوّزٍ وتوهُّمٍ وتشبيهٍ فلا بِدْعَ أن يكونَ في العربيةِ الألفاظُ المترادِفةِ، بل لو منعنا مثلَ هذا لأسأنا إلى اللغةِ من حيث أردنا الإحسانَ، وذلك بالاكتفاءِ بلفظٍ واحدٍ للمعنى الواحدِ، فإن هذا ليس بمحمودٍ. وكلامُ الله منزّلٌ على ما يُوافق نِظامَ العربِ في كلامِهم، وإنَّما يمنعُ بعضُهم الترادفَ فيهِ لتوهّمهم أنَّه أمرٌ مذمومٌ. وهذا لا يصِح لمخالفتِه العقلَ والفطرةَ البشريةَ ولأنَّ الترادفَ لهُ علّةٌ وجيهةٌ بيّنّا ذكرَها. ووجدتُّ ابنَ عاشورٍ يقولُ عندَ قوله : ((قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا)): (والإتيان والمجيء مترادفان، فذكرُ المجيء بعد الإتيان ليس لاختلاف المعنى، ولكنه للتفنُّنِ وكراهيةِ إعادة اللفظ) [التحرير والتنوير 4 / 61].
ومن نظائر ذلك أيضًا قوله تعالَى: ((وإن خِفتُم أن لا تُقسِطوا في اليتامَى فانكِحوا ما طابَ لكم من النِّساء مثنَى وثلاثَ ورُباعَ فإن خِفتم أن لا تعدِلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانُكم))، فغايَر بين اللفظينِ (تُقسِطوا) و(تعدِلوا) والمعنَى واحدٌ. 
وقالَ: ((فإن تولَّوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتّموهم)) ثمَّ قال بعدَها بآية: ((فإن لم يعتزلوكم ويلقُوا إليكم السَّلَم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقِفتموهم)) و(وجدَه) و(ثقِفَه) بمعنًى واحدٍ. 
وقالَ: ((اليومَ أكملت لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نِعمتي)) و(الكمال) و(الإتمام) بمعنًى واحدٍ علَى الصحيح. 

الاثنين، 22 يوليو 2019

(اللغة) اشتقاقها ودلالتها

نُشر في ملتقى أهل اللغة في 9/ 12/ 1431هـ.
اختلفت كلمةُ الناس في لفظ (اللغة) من جهة اشتقاقها ودلالتها اختلافًا طويلاً. وقد دعاني هذا إلى أن أنتحيَها وأضطلِعَ ببحثِها ومعالجتِها. ورأيتُ أن يكونَ التأتِّي إليها من خلال تحقيقِ مادَّتها على مَنهجٍ لي كنتُ اختططتُه من قبلُ، ثمَّ بيانِ صلتِها بالمادَّة وكيفَ تفرَّعت منها. 
1- تحقيق المادَّة: 
للَّام والغين والواو أصول ثلاثة: 
الأصلُ الأوَّل: (معنويٌّ) 
وهو: سقوطُ القيمةِ. 
= تصاريفُه: 
(اللغْو) اسمُ عينٍ جامِدٌ. وهو في الأصلِ مصدرٌ لم يشتَقَّ منه فِعلٌ، ثمَّ تنوسِيَ أصلُه فاشتَقُّوا منه بعدَ أن صارَ اسمَ عينٍ فقالُوا: لغَا يلغُو، ولغَا يلغَى (لأنَّ ثانيَ الأصولِ فيها الغينُ، وهي من حروفِ الحلْقِ) ولغِيَ يلغَى (من بابِ نصَرَ وفتَحَ وفرِحَ): إذا أتَى باللغوِ. وهو على غيرِ الغالبِ من معاني (فعَل) لأن الغالبَ أن يكونَ المعنَى (عرضَ له اللغوُ، وهو سقوطُ القيمة). وهذا ليس بمرادٍ هنا، وإنما المرادُ أنَّه (أتَى بما سقطت قيمتُه) لا أنَّه (سقطت قيمتُه هو)، ألا ترَى أنك تقولُ في نظائرِه مثَلاً: (فسَد الشيءُ): إذا عرضَ له التغيُّر إلى الأسوأ. ولا تريدُ أنه أتَى بما عرضَ له التغيُّر إلى الأسوأ. 
والمصدرُ (اللَّغْو)، وهو لـ(لغَا). و(اللَّغَا)، وهو لـ(لغِيَ)، و(الملغاة). والثلاثة قياسٌ. و(اللَّغوَى) على غيرِ قياس. 
وقالُوا: (لاغٍ)، قالَ تعالَى: ((لا تسمعُ فيها لاغيةً)) [الغاشية: 11]. و(لاغية) بمعنَى (آتيةٍ باللَّغْو) لأنَّها اسمُ فاعلٍ من (لغَا) : إذا أتَى باللغْو. والتاء فيها للمبالغةِ. وتكونُ المبالغةُ راجعةً إلى النفي كما في قولِه تعالَى: ((وما ربُّك بظلامٍ للعبيدِ)) [فصلت: 46] وقوله: ((ليس لها من دون الله كاشِفةٌ)) [النجم: 58]. ويُحتمَلُ فيها أيضًا ثلاثةُ وجوهٍ أخَرُ، أحدُها أن تكونَ التاءُ للتأنيثِ على تقدير الموصوف مؤنَّثًا، كأنَّه قالَ: (شَفةً لاغيةً) أو (نفْسًا لاغيةً). وهو وجهٌ مَقبولٌ وإن كان دونَ الأوَّلِ. والثاني أن تكون (لاغية) مصدرًا كـ(العافية) و(العاقبة). وهذا لم يثبت أصلاً لأنَّ كلَّ ما ادَّعَوا فيه المصدريَّة من هذا البِناءِ محتمِلٌ البقاءَ على الأصلِ، فلا يُحمَل عليه. والثالث أن يكونَ بناءُ (فاعلٍ) هنا للنسبِ، وليس جاريًا على الفعلِ. وذلكَ أنَّه لما طالَ عليهم استِعمالُ (اللَّغْو) اسمَ عينٍ اشتقُّوا منه فقالُوا: (لاغٍ)، أي: ذو لغوٍ. كما قالُوا: (دارعٌ) نسبةً إلى (الدرع) و(تامر) نسبةً إلى التمر و(لابِنٌ) نِسبةً إلى (اللَّبَن). وهذه النِّسبةُ لم نجدها تصِحُّ في غير اسمِ العين. ويشهَد لهذا الوجهِ الحديثُ: (والحَمولة المائرة لهم لاغيةٌ)، أي: مُلغَاة. فإن (لاغية) في هذا الموضعِ لا تحتمِل غيرَ النسبِ. وإذا صحَّ ثبوتُها بهذا المعنَى في هذا الموضع جازَ أن تكونَ واردةً في غيرِه. 
وقالوا: ألغاه يُلغِيه إلغاءًا، إذا أسقطَ قيمتَه. 
واستلغَاه: طلبَ منه أن يلغُو (على القياس). 
والملاغاة: المهازَلةُ. وذلكَ أنَّ الهَزْل ضربٌ من اللَّغْو. وقد يأتي بِناءُ (فاعلَ) في المعنَى الذي يكثُر فيه المقابلةُ وإن لم تقعْ كما قالَوا: (شاتَمَه) للبادئ بالشتم وإن لم يقابله المشتومُ بالمثلِ. وكذلكَ (الملاغاة)، ألا تَرى أنَّ الرجلَ قد يهازِلُ صاحبَه ثمَّ لا يقعُ منه ذلكَ موقِعَه ولا يصيبُ لديه موضِعَه. فهذا بيانٌ لهذه المسألة أردنا لكَ أن تحيطَ بصورتِها وتأنَسَ إليها. 
= وجوه استعماله:
وقد سمَّوا بـ(اللَّغْو) ساقطَ القيمةِ على سبيلِ المجاز المرسَلِ ذي العَلاقةِ التلازميَّة لأنَّ (اللَّغْو) في الحقيقةِ معنًى، وهم وسمُوا بهِ ما قامَ به هذا المعنَى كمثلِ تسميتِكَ الشيءَ الفاسِدَ فسادًا. ويجُوز أن يكونَ من بابِ الاستِعارةِ حيثُ لم يَرضَوا أن يجعلُوا هذه الأشياءَ متلبِّسَةً بـ(اللَّغو) حتى جعلُوها هي اللغوَ نفسَه إيغالاً في المبالغةِ والتوكيدِ كما قالُوا: (هو عَدْلٌ ورِضًا). ثمَّ تُنُوسِيَ الاستِعمالُ الحقيقيُّ للكلمةِ وحلَّ الاستِعمالُ المجازيُّ مكانَه وأصبحَ حقيقةً عرفيَّةً. 
= ومن وجوهِ استعمالِه على هذا النحوِ إطلاقُه على: 
1- ما لا خيرَ فيه ولا نفعَ من الكلامِ. ومنه قولُه تعالَى: ((والذين هم عن اللغوِ معرِضون)) [المؤمنون: 3] وقولُه: ((لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلامًا)) [مريم: 62]. 
2- ما لم ينعقِد عليه القلبُ من الأيمانِ. ومنه قول الله تعالَى: ((لا يؤاخذكم الله باللغوِ في أيمانِكم)) [البقرة: 225]. 
3- أولاد البهائم ما عدا أولادَ الإبِلِ. وذلكَ أنَّها إذا بِيعت أمَّهاتهنَّ تبِعنَهنَّ بلا ثَمَنٍ. 
4- ما لا يُعدُّ من أولادِ الإبِل في الدِّيَة، قالَ ذو الرمةِ: 
ويهلِك بينَها المرَئيُّ لغوًا ** كما ألغيتَ في الدِّية الحُوارا 
= وقد استعملُوه على سبيلِ المجازِ: 
1- فسمَّوا به أصواتَ البهائمِ، وخاصَّةً الطيورَ لأنَّهم لا يَفهمونَ عنها ولا يفقَهونَ معانيَ أصواتِها، فشبَّهوها بما لا قيمةَ له ولا نفعَ على جهةِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ وإن كانت في نفسِها ذاتَ نفعٍ لمن يَفهَم منطِقَها من أبناء أمَّتِها. قالَ ثعلبةُ بنُ صُعيرٍ المازنيُّ: 
باكرتُهم بسِباءٍ جَونٍ ذارعٍ ** قبلَ الصَّباح وقبلَ لَغْوِ الطائرِ 
2- وقالوا: (اللَّغْو) و(اللغَا) و(اللغْوَى). وهي مصادر. ثمَّ أطلقُوها على لازِمِها كإطلاقها على ما لا خيرَ فيه من الكلامِ. وهو مجازٌ مرسَل عَلاقتُه التلازميَّة. وهو مذهبٌ شائعٌ في كلامِهم. ومنه قولُ العجَّاج: 
* عن اللَّغَا، ورفَثِ التكلُّمِ *
الأصلُ الثاني: (مَعْنويٌّ) 
وهو: لزُومُ الشيءِ واللهَج به. 
= تصاريفه: 
يقالَ: لغِيَ ولغَا يلغَى (على مِثال فرِحَ وفتَحَ) لغًا. 
= وجوه استعماله: 
من وجوه استِعماله، وكلُّها حقيقةٌ، قولُهم: 
1- لغِيَ بالماء. 
2- لغِيَ بالشَّراب. 
3- لغِيَ بالكلامِ. 
= التفريعاتُ الاشتقاقيَّة لهذا الأصل: 
خصَّصتِ العربُ بعضَ أفرادِ (اللَّغَا)، وهي لزومُ الكلامِ خاصَّةً، بمصدرٍ لا يشرَكها فيه غيرُها، وهو (اللُّغَة). وذلكَ ما نسمِّيه (التخصيصَ بالوضع)، أي: تخصيصَ بعضِ ما يجُوز دخولُه تحتَ لفظٍ من الألفاظِ بلفظٍ خاصٍّ به مقصورٍ عليه ينفصِل به عن غيرِه. وهو طريقٌ مستَتِبٌّ مُعمَلٌ. وفيه ما يؤذِنك ببَراعةِ العربيَّة ولُطفِ اشتقاقِها وانفساحِ مطارحِها. ونظيرُ هذا قولُهم: (أثامٌ) و(إثامٌ) لعقوبةِ الإثمِ، فأفردوها بمصدرٍ معَ أنَّ عقوبةَ الإثمِ من مَّا يشتمِلُ عليه (الإثْمُ) من طريقِ المجازِ. ثمَّ إنهم تصرَّفوا بـ(اللغة) متصرَّفًا آخرَ فركِبوا بها سبيلَ المجازِ حيثُ خرجُوا بها من دلالتِها على الحدَث إلى أن سمَّوا بها الألفاظَ المتكلَّمَ بها من طريقِ المَجاز المرسَل ذي العَلاقةِ التلازمية. وذلك أنَّهم ذكرُوا (اللغة) وهي في الأصل دالة على الحدثِ، وأرادوا بها لازِمَها، وهو الكلامُ. وليس هذا بمستنكَرٍ في مذهبِهم، ألا ترى أنَّ معنَى (اللفظ) إخراجُ الشيءِ من الفمِ، وقد سمَّوا به الملفوظَ على هذا النحوِ. ومثلُه (القولُ) أيضًا. فأمسَى معنَى (اللغة) ما يلزَمه الإنسانُ من أصواتٍ وألفاظٍ ودلالةٍ يقعُ بها التفاهمُ بينَه وبينَ قومِه. وقد تراهم بنَوا اشتِقاقَها بالنظر إلى أبْيَنِ صفاتِها، وهو اللزومُ، من حيثُ كانت (اللغة) من الأشياء التي تَجري مجرَى العاداتِ التي تختصُّ امرأ دونَ امرئٍوقومًا دونَ قومٍ ولا تنفكُّ عن صاحبِها أو تزايلُه.
= تصاريفه: 
قالوا: (لُغَة). وأصلُها (لُغْوَة)، ثمَّ حُذِفت الواو منها كما حُذِفت في (قُلَة) و(بُرَة) و(ثُبَة) وغيرِها، وفُتِحت الغينُ لمناسبة التاء. وتُجمَع على (لغات) و(لُغًا) و(لُغِينَ). والثلاثةُ قياس. 
الأصل الثالث: (معنَوِيٌّ) 
وهو: الميلُ.
= وجوه استعماله: 
1- لغَا فلان عن الطريق. (حقيقة) 
2- لغَا فلان عن الصواب. (مجاز) 
= تصاريفه: 
يقالُ: لغَا عنه يلغو (من باب نصر). وقياس المصدر (اللغو). ولم يُسمَع. 
وهذا الأصل تفرَّد به ابن الأعرابيِّ (ت 231 هـ). وفي «اللسان»: (التهذيب: لغَا فلان عن الطريق، وعن الصواب: إذا مالَ عنه. قالَه ابن الأعرابيِّ)([1]). بيدَ أنَّا إذا رجعنا إلى «التهذيب»، وجدنا هذا المعنَى غُفْلاً من النِّسبة إلى راوٍ. وذلكَ يوحِي بسقطٍ في المطبوع. وتصديقُ ذلكَ أن أبا منصورٍ الجواليقيَّ (ت 539 هـ) حكَى أيضًا في «شرح أدب الكاتب»([2]) ذلكَ الكلامَ عينَه عن ابن الأعرابيِّ. وابنُ الأعرابيِّ ثِقةٌ عَدْلٌ لا يضرُّه تفرُّدُه إذا عرِيَتْ رِوايتُه من المغامزِ والرِّيَب. 
وقد أثبتَ ابن فارسٍ (ت395هـ) من هذه الأصول الأوَّلَ والثانيَ، ولم يُثبت الثالثَ([1]). ولا مريةَ من ثبوتِه كما هو ظاهرٌ. 
2- تعليقات على المادَّة:
1- ذكرَ صاحبُ «العين»([1]) أن (لغَا) في قوله صلى الله عليه وسلَّم: (من قالَ في الجمعة والإمام يخطب: صه. فقد لغاَ) بمعنَى (تكلَّمَ). وهذا قولٌ مردودٌ، فإنَّ (لغَا) لا تكونُ بهذا المعنَى. وقد سُقنا من البيانِ ما يقطَع أنَّ (اللغو) لا يجيء بمعنَى (الكلامِ) عامَّةً، وإنما يأتي بمعنَى (الكلام الساقط المطَّرَح) إذْ كانَ الكلامُ داخلاً في عمومِ (الشيءِ الساقط المطَّرَح)، فهو يصدُقُ عليه كما يصدُق علَى أولادِ البهائم ما عدَا الإبِلَ وغيرِها. فانبغَى إذن أن يقيَّدَ هذا التفسيرُ بلفظِ (تكلَّمَ بالباطلِ) أو نحوِه. 
2- زعمَ النضر بن شُمَيلٍ (ت204هـ) في «غريب الحديث» (وهو مفقودٌ) كما نقلَ عنه أبو منصور الأزهريُّ (ت370هـ) في «التهذيب»([1]) في قوله : (من تكلّم يوم الجمعة والإمام يَخطبُ فقد لغَا) أن تفسير (لغا): خابَ. قالَ: وألغيتُه: خيَّبتُه. 
قلتُ: 
وهذا لا يسوغُ إلا علَى أن يُحملَ على تفسير اللفظِ بمسبَّبه لأنَّ من تكلَّمَ بالباطلِ خابَ. 
3- ذكرَ أبو عَمْر الشيبانيُّ (ت213هـ) في «الجيم»([3]) أن (اللَّغَا): الصوتُ بلغةِ أهل الحجاز. وهذا قولُ منكَرٍ. وذلكَ من جهةِ مخالفتِه الاشتِقاقَ لأنَّ اللغوَ يشمَل المطَّرحَ الساقطَ أو ما شُبِّه به وليس كلُّ صوتٍ يكونُ كذلك. وإنما الثابتُ الذي تنصرُه الشواهدُ إطلاقُه على أصواتِ الحيَوان والطَّير. وعلَى أنَّ هذا القولَ من مَّا تفرَّدَ به أبو عَمْرٍ، لم يواطئْه عليه غيرُه من الرُّواة. 
4- قالَ أبو منصور الأزهريُّ في «تهذيبه»([1]): (وقالَ أبو سعيد: إذا أردتَّ أن تنتفعَ بالأعراب فاستلغِهم). 
قلتُ: 
أبو سعيدٍ هذا هو الضرير البغداديُّ (ت بعد250هـ). وليس عبدَ الملكِ بنَ قُريبٍ الأصمعيَّ (ت216هـ). وذلكَ أنَّ من دأب أبي منصور في كتابه أن يسمِّيَه (الأصمعيَّ) ويسمِّيَ (الضريرَ) (أبا سعيدٍ). وقولُه: (استلغِهم) بمعنَى (اطلب لغتَهم). وعلَى أنَّ هذا علَى شرعةٍ من القياسِ تغني عن تطلُّب السَّماع فإنَّه من كلامِ أبي سعيدٍ ولم يُحكَ عن فصحاء العربِ الذين يُحتَجُّ بهم. فلذلك لم نذكره في أصلِ الكلامِ، إذْ كان غرضنا قصْرًا على جمع المسموع وتشقيقه والاحتجاج له. 
5- وردَ في بعض المعاجم ألفاظٌ أُخَرُ غيرُ هذه كـ(اللَّغَاة) بمعنَى (الصوت)، و(لغا ثريدتَه) إذا روَّاها بالدَّسَم، و(يلغُو) بمعنَى (ينطِق بعامَّةٍ). بيدَ أنَّها لم تُنْمَ إلى راوٍ أُمَنَة موثوق، وبعضُها لم يُنصَّ على سَماعِه عن العرب. فلذلك أسقطنا ذِكْرَها. 
3- ذِكْرُ رواةِ الأصل الثاني: 
قد علِمتَ أنَّ (اللغة) مشتقَّةٌ من قولِهم: (لغِيَ بالشيءِ) إذا أولِع به. وسنذكرُ لكَ من عرَفْنا من العلماءِ المتقدِّمين الذين روَوا هذا المعنَى ونعزو ذلك إلى كتبهم أو كتب من نقلَ عنهم استيثاقًا في الحجَّة وإتمامًا للمنفعة. واقتصرنا على هذا الأصل إذْ كانَ هو الأصلَ الذي اشتُقَّت منه (اللغة). 
فقد روَى هذا الفعلَ عن العرب أبو الحسن الكسائيُّ (ت189هـ) كما حكَى عنه أبو عبيدٍ (ت 224 هـ) في «الغريب المصنف»([4])، ورواه تلميذه أبو زكرياءَ الفراءُ (ت207هـ) كما حكَى عنه الوزير المغربي (ت418هـ) في «أدب الخواص»([5]) وأبو عَمْرٍ الشيبانيُّ في «الجيم»([6]) وأبو الحسنِ الأخفشُ (ت215هـ) في «معانيه»([7]) وأبو مِسحل الأعرابيُّ (ت بعد المئتين) في «نوادره»([8]) وابنُ الأعرابيِّ كما حكَى عنه الوزير في «أدب الخواص»([5]) وابنُ السكيت (ت243هـ) في «إصلاح المنطق»([9]) وأبو سعيدٍ الضريرُ كما حكَى عنه أبو منصورٍ في «التهذيب»([10]). 
4- زعمٌ داحضٌ: 
زعمَ بعض المحدثين كحسن ظاظا (ت 1420 هـ) وغيرِه أنَّ (اللغة) كلمةٌ يونانيةُ المنبِت، أصلُها logos ([11]). وهذا باطلٌ، فإنَّ لهذه الكلمةِ وجهًا من الاشتِقاقِ في العربيَّة يَجوزُ أن تُرَدَّ إليه. ولا يوجب تقارب اللفظينِ في المعنَى أن يكون أحدهما أصلاً للآخر، ألا ترَى أن (سَبِطًا) ليس أصلاً لـ(سِبَطْر) و(دَمِثًا) ليس أصلاً لـ(دِمَثْر) وإن كانَ بمعناه([12]). فإذا كان هذا بين ألفاظِ اللغة الواحدة فكيفَ إذا كانَ ذلك بين ألفاظ اللغةِ واللغاتِ الأخرَى. 
وقد كنتُ ذهبتُ هذا المذهبَ زمنًا لخفاء وجه اشتِقاقِها وقلَّة تعاورِها بينَهم، ثمَّ فُتِحتْ لي مسارِبُ من النظر ردَّتني إلى الصواب إن شاء الله. 
وقد حكَى هذه الكلمةَ عن العربِ فريقٌ من العلماءِ هم أكثرُ من أن نحيطَ بهم ونستقصيَ ذِكْرَهم، من أولهم صاحبُ «العين»([1]). 
فإن قِيلَ: 
فما لنا لم نجدها في كلام من يُحتَجُّ به من العرب؟ 
قلتُ: 
بلَى. قد وُجِدت في شواهدَ من الشِّعرِ والنثرِ. فمن الشِّعر قولُ ذي الرمةِ: 
من الطنابير يَزهَى صوتَه ثمِلٌ ** في لحنِه عن لغات العُربِ تعجيمُ 
ومن النثرِ قولُهم: (سمعتُ لُغاتَهم)، روَى ذلك الكسائيُّ كما حكَى عنه الوزير المغربي في «أدب الخواص»([13]) والفراءُ في «معانيه»([14]) عن أبي الجرَّاح. 
5- من النظائر المستعملة: 
ليس خافيًا أنَّ (اللغة) وإنْ كانت مستعمَلةً في كلامِ العربِ الأوَّلِ فإنَّ ذلكَ على قلَّةٍ. وكانُوا يستعمِلونَ مكانَها كلمتينِ أخريينِ، هما (اللِّسان). ومنه قولُه تعالَى: ((بلِسانٍ عربيٍّ مبينٍ)) [الشعراء: 195]، و(اللَّحْن). وقد رواها الأصمعيُّ وأبو زيدٍ كما حكَى عنهما أبو بكرٍ الأنباريُّ في «الزاهر»([15])، وعنه نقلَ تلميذه أبو علي القالي في «أماليه»([16])، ورواها أيضًا ابن قتيبة في «غريب الحديث»([17]). ومنه قولُ الراجز: 
* تراطنَ الزنجِ بلحنِ الأزنجِ *([18]) 
ومِن اللُّغويِّين مَن يحتجُّ لذلكَ بمثلِ قولِ الشاعرِ: 
باتا على غُصْن بانٍ في ذُرا فنَنٍ ** يردِّدان لحونًا ذاتَ ألوانِ 
ويزعمُ أن (اللحون) في هذا البيت بمعنَى (اللغات). وليس هذا بيقينٍ، فقد يجوزُ أن يكونَ معناها (الأنغام). وهو معنًى صحيحٌ ثابِتٌ ومحتمَلٌ في هذا الموضع. 
___________________ 
([1]) مادة لغو. 
([2]) ص 32. 
([3]) 3/ 194. 
([4]) 1/ 254. 
([5]) ص 117. 
([6]) 3 / 194 . 
([7]) 1/ 174. 
([8]) ص 254. 
([9]) ص 205. 
([10]) مادة لعو (بالعين المهملة). 
([11]) اللسان والإنسان له ص 121. 
([12]) راجع كتابي (رسالة في مسألة كل عام وأنتم بخير) ص20. 
([13]) ص 125. 
([14]) 2/ 93. 
([15]) 1/ 417. 
([16]) 1/ 5. 
([17]) 2/ 61. 
([18]) قولُه: (بلحن) صُحِّف في جميع ما وقفت عليه من كتبٍ كالمحكم (وهو أصل التصحيف) واللسان والتاج إلى (بزجل) و(برحل). وقد أقامَه على الصواب أبو عمر الزاهد (ت345هـ) في كتابه (العشرات في غريب اللغة) ص132 روايةً عن المفضل الضبي (ت178هـ) من طريق ثعلب (ت291هـ) عن ابن الأعرابي. وذلك في معرِض حديثه عن (اللحن).

الأحد، 21 يوليو 2019

مسائل متفرقة في رواية اللغة وكتبها

نُشر مفرَّقًا في تويتر وآسك في أوقات مختلفة.
- علمت بالتجارب أن في "المحيط" لابن عباد و"الأساس" للزمخشري و"المصباح المنير" للفيومي جملة من ألفاظ اللغة لا توجد في "اللسان" ولا في "التاج". 
- عجبت كيف لمتخصص أن يعزو لـ"لسان العرب" وهو منقول بالحروف من كتبٍ كلُّها مطبوع!

لا أذكر أني عزوت له في بحث أو مقال قط.
- أقدم كتاب مطبوع في المذكر والمؤنث كتاب الفراء (ت207هـ). وأوسع كتاب في ذلك كتاب أبي بكر الأنباري (ت328هـ).
- كلهم يعيبون معجم "العين" ويضعون منه وهم عيال عليه.
- لا يجوز الإنكار على من يجزم بنسبة العين إلى الخليل فيقول: (قال الخليل في العين)، فهذا دأب كثير من المتقدمين كابن دريد والأنباري وابن درستويه والقالي وابن فارس وغيرهم. 
- كتاب "معجم الدخيل في اللغة العربية الحديثة ولهجاتها" للعلامة ف عبد الرحيم من أنفس ما ألِّف من كتب العربية وأمتعها في العصر الحاضر. أنصح به. 
- مؤلفات اللغوي المحقق ف عبد الرحيم نفيسة جدًّا. وفيها دقّة ومتعة وتحقيق.
- س: هل في اللغة كتب تتحدث عن الدعاء للمرء أو الدعاء عليه في كلام العرب؟
ج: أفرد بعض العلماء هذا الباب بالتصنيف. ومن ذلك كتاب أبي العباس ثعلب (ت291) "الأيمان والدواهي". وقد نقل منه أبو علي القالي في "أماليه ٣/ ٥٥"، أو نقله برمّته. كما أنشأ ابن السكيت (ت243) في كتابه "الألفاظ" فصلين أحدهما في الدعاء للإنسان، والآخر في الدعاء عليه. 
- س: هل في اللغة كتب تذكر كُنَى العرب عن الأشياء؟
ج: للثعالبي (ت٤٢٩) كتاب اسمه "ثمار القلوب" جمع فيه نيّفًا على ألفٍ من الكنايات والمركبات المشتهرة. وزاد عليه المحبي (ت١١١١) سبعة آلاف في كتابه "ما يعوّل عليه في المضاف والمضاف إليه". وللثعالبي أيضًا كتاب آخر اسمه "الكناية والتعريض".

الخميس، 31 مايو 2018

مرادف لفظ (الزعل) في العربية

في البديل الفصيح
نُشر أوله في المجلة الثقافية في 23/ 4/ 1431هـ وسائره في ملتقى أهل اللغة في 19/ 5/ 1431هـ.
سأل سائل عن المرادف الفصيحِ للفظ (الزعل) في كلامِ العامَّة.
والجوابُ عن ذلك أنَّ لها أكثر من مرادف، فمنها (السّخط). ومنه قولُه تعالَى: ((ومنهم من يلمزك في الصدقاتِ فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون)) وقولُ هُدبة بن الخشرم: 
أنا المرءُ لا يخشاكم إن غضبتمُ ** ولا يتوقَّى سُخطَكم إن تغضَّبا 
فـ(السخط) في هذين الموضعين دالٌّ على ما يَدلُّ عليه (الزعل). 
ولها مرادف آخر، وهو (الموجدة)، يقال: (وجد في نفسه على فلان) إذا عثر له على ما يكرهه فأسرّه في نفسه وتغيّر عليه بسببه.
ولها مرادِفٌ ثالث، وهو (الغضب) إذ (الغضب) في العربية يشمل الحدثَ العارضَ المعروفَ الذي ينتابُ الإنسانَ، ويشمل أيضًا ما ينشأ عنهُ من ما يقع في النفس من النفورِ والهِجران للمغضوب عليه. وهو ما نسمّيه نحن (الزعَل). وإطلاقُه على الأول إطلاق حقيقيّ. وأما إطلاقُه على الآخَر فمجاز مرسَل عَلاقته السببية لأن الغضب هو المسبّب له والمفضي إليه، ثمَّ صارَ يسمَّى بهذا الاسم وإن لم يتقدّمه المعنَى الأول. 
فأما النوع الأول من الغضب فهو الشائع. ومنه قولُ جرير: 
أبني حنيفة، أحكِموا سفهاءَكم ** إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا 
وقولُ الحماسيّ: 
وأيّ ثنايا المجد لم نطلع لها ** وأنتم غِضاب تحرُقون علينا 
وأمَّا النوع الثاني فمن شواهدِه قولُ النبي عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: (إني لأعلم إذا كنتِ عني راضيةً وإذا كنتِ عليَّ غضبى. فقالت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنتِ عني راضية فإنك تقولين: لا وربِّ محمد. وإذا كنتِ غضبى قلتِ: لا وربِّ إبراهيم. قالت: أجل. والله يا رسول الله، ما أهجرُ إلا اسمَك) [متفقٌ عليه]. 
فالمرادُ بغضبها هنا هو ما نسمّيه (الزعل) الذي يعقبُ الغضبَ عادةً. ولو كان المرادُ بذلكَ الغضبَ الذي تحمرّ منه العين، وتنتفخ منه الأوداج لكان ذلك أمرًا بيِّنًا ولم يحتَجْ إلى أن يلتمسَ عِرفانَه بقسمِها بربِّ إبراهيمَ. ولذلكَ جعلَ (الغضب) مقابلَ (الرضا) كما أنَّ (الزعلَ) في كلامِ العامة يقابلُه (الرضا) أيضًا. 
ومنه قولُ جميل: 
فإن تغضبوا من قسمةِ الله حظَّكم ** فلله إذْ لم يعطكم كانَ أبصرا 
والمعنَى المرادُ هنا ليس المعنَى الأولَ للغضب، وإنما هو المعنَى الثاني الذي نسمِّيه نحن (الزعل). 
ومنه قول الآخَر: 
وما أنا للشيءِ الذي ليس نافعي ** ويغضب منه صاحبي بقئولِ 
وحاصلُ هذا كلِّه أنَّ (السخط)، وكذلكَ (الغضب) في أحدِ معنييه يُقابلانِ لفظَ (الزعل) في كلامِ العامَّة. وأمَّا (الزعَل) فله في العربية معانٍ لا تدلُّ على معنى (السخط) أو (الغضب) إلا أن بعضَها أدنَى إلى المعنَى الذي تعرِفه العامَّة وأخلقُ أن يكونَ هو الأصلَ، ثم دخلَه التحريفُ. 
و(الزعَل) في العربيَّةِ يرجِعُ إلى أصلٍ واحدٍ هو (النشاط والخِفَّة التي تعتري الشيءَ حتى لا يستقِرُّ). 
وقد قالوا: (زعِلَ يزعَل زعَلاً، فهو زعِلٌ وزعلانُ) بمعنَى (قلِقَ وضجِرَ وأظهرَ الضِّيقَ والتلوِّي من مرضٍ أو همٍّ أو جوعٍ أو نحو ذلك). 
غيرَ أنَّه بهذا المعنَى وقعَ فيه تبادلٌ حرَكيٌّ (قلبٌ مكانيٌّ) من (العلَز). ومعناه معناه. وإذا كان كذلك لم يثبُت به أصلٌ ثانٍ للجذرِ. 
وفي بعض المعاجمِ (والزعِل: المتضوّر من الجوع). وهو بهذا التقييد غيرُ صحيحٍ من جهةِ أنَّ (الزعَل) في الحقيقةِ يشمَلُ التضوُّرَ من الجوعِ أو المرض أو الهمِّ كما ذكرنا. والذي يشهَد لذلكَ ثلاثةُ أمورٍ: 
1- ما رواه أبو منصورٍ الأزهريُّ في «تهذيبه» عن أبي زيدٍ من أنّ (الزعِل) هو (المتضوِّر) من غيرِ تقييدٍ. و(التضوُّر) في اللغةِ لا يختصُّ به الجوعُ كما هو ثابتٌ في المعاجمِ وغيرِها. 
2- ما ذكرَه أبو عمْرٍ الشيبانيُّ في (الجيم) من أنَّه هو المتضوِّر من الوجعِ لا يصبِر عليه. فإن لم تكن (الوجع) مصحَّفةً كانَ من المحتمَل أن تكونَ قد تصحَّفت في سائر المعاجمِ إلى (الجوع) أو يكون هذا تفسيرًا من بعض أصحاب المعاجم لكلام أبي زيدٍ السابقِ ذكرُه. 
3- ما تواردَ عن عددٍ من علماء اللغةِ من أنَّه لا يختصُّ به الجوع كصاحبِ العين وابن السكيت معَ غيرِهم من مَّن فسَّر (الزعل) بـ(العلَز). 
وقالوا أيضًا: (زَعْلة)، وهي (النعامة). وهي مبدَلة عن (الصَّعلة) كما حكى يعقوب في «إبداله»، فلا يثبت بها أصلٌ آخَرُ. 
وقد يكونُ استِعمالُ العامَّةِ للزعَلِ بمعنى (السخط) و(الغضب) تطوّرًا دلاليًّا للمعنَى الثاني المتقدِّمِ ذكرُه، وذلكَ أنَّهما (أي: الضجَر والقلقَ والتلوِّي، والسخط والغضب) يفيدانِ جميعًا الانفعالَ وعدمَ الطُّمَأنينةِ والاستقرارِ النفسيِّ.

السبت، 19 مايو 2018

أسماء أصوات الآلات الحديثة

في البديل الفصيح 
نُشر في ملتقى أهل اللغة في 20/ 12/ 1431هـ وفي المجلة الثقافية في 3/ 1/ 1432هـ العدد 324.
ماذا نسمّي أصوات الآلات الحديثة كالسيارة والطائرة والدبابة والدراجة والثلاجة ونحوها؟
هذا سُؤالٌ مُهِمٌّ، والحاجة اليومَ إلى جوابه مُلحِفةٌ. وسأذكرُ لك ما حضرَني من مذاهبِ العربِ في ذلك ثمَّ أدلُّك على القياسِ المستمرِّ الذي يشُكُّ لكَ الشاهدَ والغائِبَ ويحتازُ إليكَ القريبَ والبعيدَ.
اعلمْ أنَّ للعربِ في تسميةِ أصواتِ الأشياءِ مذاهبَ: 
الأوَّل: أن يجعلُوها على حدِّ الثنائيِّ المكرَّر. وهذا كثيرٌ عندَهم، وهم به أعْلَقُ وإليه أركَنُ، وذلك نحوُ قولهم: (حمحَم) و(صرصرَ) و(جرجرَ) و(قهقه) و(غقغقَ) لصوت الفرَس والطير والبعير والضحك والغراب. وأمثلتُه تُضعِفُ على الحَصْرِ. 
الثاني: أن يجعلُوها على حدِّ ما عينُه ولامُه من جنسٍ واحدٍ. وهو دونَ الأوَّلِ. ومنه قولُهم: (فحَّ) و(أزَّ) و(صرَّ) و(أنَّ) لصوتِ الأفعَى والمِرجل والطَّيرِ والمريض. والغالبُ أن يجعلُوا المصدر منها علَى (فَعِيْل). 
الثالث: أن يجعلُوها على غيرِ ذلك. والكثيرُ أن يبنُوا المصدرَ منها على (فَعيلٍ) أو (فُعَالٍ) نحو (صَهِيْل) و(نُبَاح) لصوتِ الفرسِ والكلبِ. 
فهذه مذاهبُهم التي يؤمُّونها إذا أرادوا تسميةَ صوتٍ من الأصواتِ. وقد رأيتَهم في الضربِ الأوَّلِ كيفَ آدَمُوا بينَ اللفظِ والمعنَى ووصلُوا بينَهما بآصرةٍ حصيفةٍ وجعَلُوا اللفظَ شافًّا عنِ المعنَى نامًّا عليه، ألا ترَى أنَّه لو قرعَ سَمعَ امرئٍ لم يكن سمِعَه لتهدَّى به إلى استبانة دلالتِه ولآنَسَ من تناسُقِ حروفِه على ذلكَ النَّحوِ ما احتجَبَ من معناه. وقد جرَّأهم على هذه الخُطَّة ونهَجَ لهم هذا السبيلَ ما وجدوه من التآخِي بينَ الاسمِ والمسمَّى لأنَّ الاسمَ صوتٌ كما أنَّ المسمَّى صوتٌ. فلما استوسقَ لهم أمرُ التوفيقِ بينَهما واستمكنُوا من زِمامِه استمسكوا به ولم يُفيتُوه لأنَّ غايةَ البيانِ أن يكونَ في اللفظِ دليلٌ على المعنَى وإشارةٌ إليه. وذلكَ أمرٌ لا ينقادُ لهم في سائرِ المسمَّياتِ، ألا ترَى أنَّ كلمةَ (رجُلٍ) ليس في حروفِها إخبارٌ عن مسمَّاها ولا دَليلٌ عليه، فلو جعلتَها اسمًا لمسمًّى آخَرَ لساغَ ذلك ولم يكن مستنكَرًا. 
وكانَ سبيلهم في ذلك أن جعلُوا الاسم علَى حرفينِ مضاهًى بهما الصوتُ نفسُه ثمَّ كرَّروهما على ترتيبِهما مَنْبهةً على أنَّ من شأنِ الصوتِ أن يتكرَّرَ. ومثالُ ذلكَ كلمةُ (القهقهة)، فإنَّهم وجدُوا الضاحكَ يصدُر منه لفظُ (قَهْ) مكرَّرًا فسمَّوه بمثلِ لفظِه وكرَّروه كما كانَ مكرَّرًا في الواقع فقالوا: (قَهْقَهَ). 
وأمَّا الضربُ الثاني فإنَّه قريبٌ من الأوَّل، وذلكَ أنهم حاكَوا به الصوتَ واجتزءُوا بتَكرارِ الحرفِ الثاني عنِ الأوَّلِ. وذلكَ نحوُ (الأزيز)، فإنَّه اسمٌ للصوتِ (أَزْ). وتَكرارُ الزايِ دلالةٌ على تَكرارِ الصوتِ حينَ يقعُ. وفي الياء امتدادٌ واستطالةٌ تناسِبُ الصوتَ أيضًا. 
وأمَّا الضرب الثالث فإنَّهم أخلُّوا فيه بمحاكاةِ الصوتِ واكتفَوا ببِنائه على (فَعِيْل) و(فُعَال) وجعلُوا الياءَ والألفَ في هاتين البِنيتين دليلاً على خصِيصةٍ من خصائصِ الأصواتِ، وهي الامتدادُ والاستطالةُ. 
فهذا بيانٌ لمذاهب العربِ ألحقنا به تفسيرًا له وإيضاحًا. 
فأمَّا ما يجوزُ للمحدَثِ قياسُه منها فالضربُ الأوَّل، وذلكَ أن يستمِع إلى الصوتِ وينظُرَ أيُّ الحروفِ هو إليها أقربُ ويجعلَه على حرفينِ ويكرِّرَهما. فإذا استمعَ إلى صوتِ السيَّارةِ ووجدَه قريبًا من حرفِ العينِ تتبعُه النونُ فإنَّه يكرِّرُهما ويجعلُهما على مثال (فَعْلَل) فيقول: (عنعنتِ السيَّارة عنعنةً). وهذا قياسٌ لا ينكسِرُ. 
وإذا أمكنَه أن يُلحِقَ بعضَ الأصواتِ الحديثةِ ببعضِ الأصواتِ المسمَّاةِ قديمًا ويسمِّيَها بمثلِ ما سُمِّيت به فهو جائِزٌ. وذلكَ مثلُ أن يُلحِق صوتَ الطائِرة أو الدبَّابةِ بأزيزِ المِرجلِ فيسمِّيَه (أزيزًا) أو يُلحِقَ صوتَ المِكنَسة أو الثلاجةِ بفحيحِ الأفعَى أو صفيرِ الطائرِ لتقاربِهما فيسميَه (فحيحًا) أو (صفيرًا). وهذه استِعارة لفظيَّة أو غيرُ مفيدةٍ كما سمَّاها عبد القاهرِ في «أسرارِ البلاغة». وهي في الأصلِ قَصْرٌ على السَّماعِ، ولكنْ جازَ قياسُها في هذه المسألة لموضعِ الحاجةِ.

الأربعاء، 21 فبراير 2018

مسائل متفرقة في ضبط بعض الألفاظ ومعانيها ولغاتها

نُشر مفرّقًا في ملتقى أهل اللغة وتويتر وآسك وفسبك في أوقات مختلفة.
- المسموع عن العرب في (إكراء الدار) من لفظ (أجر) ثلاث لغات:
١- أجَره يأجُره الدار أجرًا، فهو آجر وذاك مأجور. وكذا الدار.
٢- آجره يؤجِره إيجارًا، فهو مؤْجِر وذاك مؤجَر. وكذا الدار.
٣- آجره يؤاجره مؤاجرة، فهو مؤاجِر وذاك مؤاجَر. وكذا الدار.
فأما (أجّره يؤجّره تأجيرًا) كما هو شائع فلم تُسمع، واختُلف في جوازها.
- استعمال (الانتحار) بمعناه المعروف عربي قديم. ومنه قول العجاج:
* وزاده فضلًا، فمن شاء انتحرْ *
- س: ما الأوجه الجائزة في ضبط دال (الدّلالة)؟ وما أفصحها؟ 
ج: إن أردت الحرفةَ والمهنةَ إمّا الهدايةَ في الطُرُق كقولك: (فلان دليل حاذق بالدلالة) أو السمسرةَ كقولك: (فلان دلّال حسن الدّلالة) فالأفصح الكسر لأن ذلك هو القياس في الحِرَف والصناعات. والفتحُ جائز. وإن أردت مطلَقَ الهداية والإرشادِ من غير أن يكون ذلك صناعةً كقولك: (هذا الأمر يدلّ دلالة واضحة على كذا) فالأفصح الفتح. والكسر جائز. وبعض اللّغويين يجعلُ الفتح مطلقًا أفصح من الكسر ولا يفرِّق.
وتفرد الفيروزبادي (ت٨١٧هـ) في "القاموس"، و"الدرر المبثثة" فأثبت ضمّ الدال أيضًا. وهذا غريب، إذ لم أقف عليه في معاجم المتقدمين ولا في ما بين يدي من كتب المثلثات.
- اختلف العلماء في ضبط ميم (الحِمّص) على قولين:
الأول: أنه بكسر الميم (الحِمِّص). وهو قول سيبويه والمبرد.
الثاني: أنه بفتحها (الحِمَّص). وهو قول ابن الأعرابي وثعلب.
فأما قول العامة: (الحُمُّص) فخطأ.
- (القَبول) بفتح القاف كما قال: ((فتقبلها ربها بقَبول حسن)). على أن ضمها كما يشيع عند العامة ليس بخطأ، فقد حكاه الأصمعي في ما نقل عنه أبو عبيد "الغريب المصنف" إن لم يكن مزيدًا، وابنُ الأعرابي وابن درستويه، وأجازه الفراء والزجاج. وقول الزبيدي: (لم يحكها إلا ابن الأعرابي) فيه نظر.
- يُطلق (الزعم) على القول الذي يروِيه ناقلُه كما بلغَه غيرَ متحمِّلٍ تبعتَه. وهو قولٌ قد يكونُ حقًّا وقد يكونُ باطلاً. ومن ما يدل على ذلك قولُ المسيَّب بن علس الشاعر الجاهلي يمدحُ القعقاع بنَ معبدٍ: 
ولذلكم زعمت تميمٌ أنه ** أهل السماحة والندى والباعِ 
ولو كانَ الزَّعمُ لا يكونُ إلا باطلاً لاستحالَ مديحُه هذا هِجاءًا لأنه جعلَ ما يذكرُه الناسُ من خلاله الصالحات باطلاً. 
وقولُ الجُميح الأسديّ يهجو بني عامرٍ: 
أنتم بنو المرأة التي زعم النـ ** ـناسُ عليها في الغيِّ ما زعموا 
ولو كان الزعمُ لا يكون إلا باطلاً لكانَ هجاؤُه هذا مدحًا إذ جعلَ قذفَ الناس لأمهم باطلاً. 
هذا هو الأصلُ في كلام العربِ ثمَّ غلب من بعدُ على الباطل معَ جَواز أن يستعمَل في الحقّ.
وعِلَّة هذا التطوُّر الدّلالي أنَّه لما كانَ معنَى الزّعم في الأصلِ هو حكايةَ القولِ مع البراءة من تحمُّلِ تبعتِه أو الحُكْمِ عليه بشيء من الرأيِ كانَ هذا من ما يُشعر في بعض الأحوالِ بالكنايةِ الخفيَّةِ عن فسادِ هذا القولِ في اعتقادِ المتكلِّم وإن لم يَدُلَّ عليه بلفظه إذْ لو كانَ يعتقِدُ صحَّتَه لأتَى مكانَه بلفظٍ لا يُفهِم هذا المعنَى كـ(ذكرَ) أو (قالَ). 
وإذن فمَن يستعمِل الزَّعمَ وهو لا يريدُ بهِ إلا الباطلَ ولا يَفهم منه إلا ذلكَ فإنما يستعمله على جهةِ الكناية. وإن لا فالحقيقةُ أنه محتمِلٌ الدلالة على الأمرينِ الحقِّ والباطل. 
- يقع في كلام الجاحظ كثيرًا لفظُ (الخَطَاء) بمعنى (الخطأ). وقد فطنَ لهذا عبد السلام هارون رحمه الله بلُطف نظرِه وفقهِه فأثبتَه في كلّ موضع ورد فيه على هذا الوجهِ ولم يجعله تصحيفًا فيردَّه إلى الشائع المشهور، وهو (الخطأ). ونبَّه على ذلك أيضًا فقال: (الخطاء بالمدّ: لغة في الخطأ. وللجاحظ وَلوع باستعماله) [البرصان والعرجان ص32]. 
قلت: والذي يَظهر أن (الخطاء) بالمدّ كان فاشيًا في لغة الخاصّة من أهل البصرةِ، يدلُّك على هذا قراءة الحسن البصريِّ (ت110هـ): ((إن قتلَهم كان خَطاءًا كبيرًا))، وقولُ خلفٍ الأحمر (ت180هـ) شيخ الجاحظِ (ت255هـ)، وكلاهما بصريٌّ: 
لنا صاحبٌ مولَعٌ بالخِلافِ ** كثيرُ الخطاءِ قليلُ الصَّوابِ 
أشدُّ لَجاجًا من الخنفساءِ ** وأزهى إذا ما مشى من غُرابِ
- (السَّفِلة) بهذا الضبط بمعنى غوغاء الناس هو في ما أرى صفة مشبهة كـ(فَرِحٍ)، من الفعل (سفِلَ). وأصله نعت لجمع تقديره (القوم السَّفِلة) كـ(الرافضة) و(العامّة). ولهذا لا يجوز إطلاقه على الواحد. ويصحّ تخفيفه إلى (سِفْلة) سماعًا وقياسًا على باب (كَبِد) وتخفيفُه إلى (سَفْلة) قياسًا. 
- يقولون: (أمن وأمان). وهما مصدران مترادفان لا اختلاف بينهما في المعنى. وذلك جائز على جهة التوكيد. 
- س: ما معنى (مَلاك)؟ 
ج: لها معنيان محتمَلان: 
1- أن تكون بمعنى قِوام الأمر ومرجِعه وأصلِه الذي يَنتظمه كقولك: (الصبرُ مَلاك الخير كلّه). وفيه لغة أخرى، وهي كسر الميم. 

2- أن يكون أصلها (ملْأك)، وهو الملَك، كما قال الشاعر: 

فلستَ لإنسيٍّ، ولكن لملْأكٍ ** تنزَّل من جوِّ السماء يصُوب 
وتخفيفه القياسيّ هو (مَلَك) بحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها كتخفيف (مسألة) إلى (مسَلَة)، ولكن بعضَ العرب يخفّفها مثلها بإبدالها ألفًا فيقال في (ملأك) على هذا الوجه: (ملَاك). ومثلُه تخفيف (الكمأة) و(المرأة) إلى (الكمَاْة) و(المرَاْة). وهذا شاذٌّ عند سيبويه، فلا يجوّز قياس (ملأك) عليه، ولكن أجازَه الكوفيون. 
- قولهم: (أقرَّ الله عينك) يحتمل أن يكون من القُرّ أي البرد لأن دمع السرور بارد، أو من القرار، وهو السكون، وذلك بأن تنال أمانيك فلا تطمح إلى غيرها. 
- قال ابن حبيب: (كل (عَديّ) في العرب فهو بفتح العين إلا (عُدَيّ) بن ثعلبة الطائي، فإنه بالضم).
قلت: أما المعاصرون فيميلون إلى الضم. 
- الراجح ضبط (النمْر بن تولب) بسكون الميم كما نصّ على هذا أبو حاتم. فأما قوله:
أبقى الحوادث والأيام من نمِرٍ ** أسبادَ سيف قديم أثره بادِ
فأراه اضطُرّ فأجراه على لغة الحجازيين، يدلّ على ذلك مع حكاية أبي حاتم أن لغة قومه تميم إسكان عين (فعِل) كـ(نمر) و(فخذ)، فكيف إذا كان علمًا؟ إذ الأعلام موضع تخفيف. والشعراء من ما يُغيّرون الأعلام إذا دعتهم الضرورة إلى ذلك. وشواهد هذا كثيرة معروفة.
- س: هل الجارية تأتي بمعنى الشابة؟
ج: المشهور أن الجارية تكون بمعنى الشابّة، ولكن ذكر الزمخشري في "شرح الفصيح" أن الجارية هي التي لم تتزوج وإن بقيت في بيتها ستين سنة.
- (الطيِّب) من الألفاظ التي يستعملها الجاحظ وغيرُ يريدون به المزّاح الخفيف الروح. وجمعُه (طِيَاب)، وليس (طُيَّاب)، كـ(جيِّد) و(جِياد). 
- س: هل لتسمية العالم شيخًا وجه في اللغة؟
ج: نعم، من باب الاستعارة تشبيهًا للعالم وإن كان شابًّا بالكبير في السنّ بجامع وجوب التوقير والاحترام في كلٍّ. 
- س: ما وجه مجيء (يسوغ) بمعنى (يجوز)؟
ج: السَّوغ في حقيقة اللغة يطلق على سهولة دخول الطعام والشراب في الحلق ومرّهما به مرًّا رفيقًا لا يعتاقهما شيء من غصَص أو شرَق أو جأز. ومنه قوله تعالى: ((سائغًا للشاربين)) وقوله: ((يتجرّعه ولا يكاد يسيغه)) ثم قول الشاعر: 
فساغ ليَ الشرابُ، وكنتُ قبلًا ** أكاد أغَصّ بالماء الحميمِ 
وقوله: 
إن الذين يسوغُ في أحلاقهم ** زادٌ يُمَنّ عليهمُ للئامُ 
وإطلاقه على الجواز المعنوي كقولهم: (هذا لا يسوغ لك) من باب الاستعارة. وقد أثبته الزمخشري (ت٥٣٨) في "أساس البلاغة". وذلك على تشبيه الشيء المقبول الصحيح الذي يُسرعُ الدخول إلى العقل ويسهل التصديق به لا يعترضه دون ذلك شيء من نقض أو نقد أو ريبة، بالشراب السائغ في الحلق. 
ومثلُ ذلك (الجواز)، فإنهم يقولون: (جاز فلان الوادي) إذا قطعه. ومنه قول امرئ القيس: 
فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ** بنا بطن خبتٍ ذي قفافٍ عقنقلِ 
وهذا معناه الحقيقي. 
ثم جعلوه بالمعنى المجازي المعروف بنحو ما ذكرنا من التأويل في السَّوغ. 
- كان الرجل قديمًا ربما سمّى أباه (شيخي)، قال امرؤ القيس:
* واللِه لا يذهبُ شيخي باطلاً * 
ويسمي الرجل أيضًا أمَّه (عجوزي) كما قال أرطاة بن سُهيّة:
إذا أنا لم أمنع عجوزيَ منكمُ ** فكانت كأخرى في النساء عقيمِ 
- إذا قلتَ: (جاء القوم عامّتُهم) فسيبويه يرى أنها بمعنى (كلّهم)، والمبرّد يرى أنها بمعنى (أكثرهم). 
- كلمة (أحد) لها معنيان: الأول بمعنى (واحد). ومنه قوله تعالى: ((قل هو الله أحد)). الثاني أن يراد به العموم. ولا يكون إلا في نفي أو شبهه، نحو (ما جاءني أحد). 
- في اسم حرف (ز) ست لغات: زاء وزاي وزِيّ وزَيّ وزا بالقصر وزًا بالتنوين.
- (اللّوى) هو ما بين الرمل والجدد، فمنهم من يجعله آخر ما يلقاك من الرمل حيث يتصل بالجدد، ومنهم من يجعله أول الجدد. وسقطه منتهاه.
وقيل: هو بمعنى اللوى، وأضافه إليه لاختلاف اللفظ. وهم يستحبون أن ينزلوا فيه لاطمئنانه. ومن كلامهم: (ألويتم فانزلوا). وهذه صورة صورتُها أحسبها مقاربة له:
- كثير من الناس لا يميزون بين النمر والبَبْر والفهد. وهذه الصورة توضح الفرق بينها:

الأحد، 4 فبراير 2018

مسائل متفرقة في المولد والمعرب والدخيل

نُشر مفرّقًا في تويتر وفسبك وآسك وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة. 
- يدعو بعض الناس اليوم إلى ترجمة بعض أسماء البرامج كـ(تويتر) و(الفسبك) و(السناب). وهذا غلط، إذ هي أسماء أعلام، وليست أسماء أجناس، وأسماءُ الأعلام حقّ لواضعها. وما هو من هدي العرب ترجمتها، وإنما تُعرّب بالقدر الذي ينقيها من أوضار العُجمة كالتخلص من البدء بساكن، ومن التقاء ساكنين.
- إذا وجدتَّ أحد العلماء المتقدمين يصف كلمة ما بأنها (رومية) فهي يونانية غالبًا، وليست لاتينية كما قد يُظنّ. وإذا وصفها بأنها (نبطية) أو (سوادية) فهي سريانية. وإذا وصفها بأنها (شامية) فهي إما يونانية أو سريانية.
- تعجبني شجاعة العامّة في الاختزال من الألفاظ الأعجمية كقولهم في (إنستقرام): (إستقرام) وفي (وتساب): (الوتس) وفي (سناب شات): (السناب) وفي (الفيسبك): (الفيس). ومثله قديمًا تسميتهم (أرسطوطاليس): (أرسطو) و(النردشير): (النرد).
- (الحياد) في اللغة مصدر (حايده) إذا جانبه ومال عنه. واستعماله بمعناه المعروف عند المعاصرين استعمال محدَث. وهو صحيح سائغ لأن الانحياز إلى الشيء يُعدّ ميلًا إليه كما قال تعالى: ((فلا تميلوا كل الميل))، فكذلك يُعدّ عدم الانحياز إليه ميلًا عنه. وهو (الحياد) و(المحايدة).أما (الحيادية) فلا أراها تصحّ إذ لا وجه لها.
- لا تعرف العرب (المِنطَقة) بمعنى القطعة من الأرض، وإنما المِنطقة عندهم النّطاق، وهو الحزام الذي يُشدّ به الوسط، فجعله المعاصرون اسمًا للإقليم مجازًا مرسلًا بعد استعارة إذ شبهوا الحدود بالمنطقة ثم أطلقوها على ما تشتمل عليه من الأرض. وهي بكسر الميم وفتح الطاء، اسم آلة. ومنه قول علي رضي الله عنه في النطاق، وهو بمعنى المنطقة: (اتسع نطاق الإسلام). وقد صحّح مجمع اللغة بالقاهرة ضبطها بفتح الميم وكسر الطاء (المَنطِقة) على أن يكون اسم مكان، بتخريج فيه بعض التكلف لأن فيه مع ارتكاب الاستعارة والمجاز ارتجالًا كثيرًا من جهة القياس، وهو إحداث فعل ثلاثي مجرد، وهو (نطق)، وجعل مضارعه على مماثل (يضرب) وصوغ اسم المكان منه وإلحاقه التاء. والقياس الفرد ظن وتخمين، فكيف إذا كان مركّبًا!
- في المعاجم (تغفّله) و(استغفله) إذا تحيّن غفلته. وليس فيها -ما خلا حكايةً محتملة في "العين"- (اغتفله) إلا أنها وقعت في رواية خبرٍ في "الأغاني". وليس في المعاجم أيضًا (غافله) كما يشيع عند المعاصرين، وأجازها مجمع القاهرة.
- س: ما حركة ميم (المناخ) الضم أو الفتح؟
ج: حركتها الضم (المُناخ) لأنها اسم مكان من (أناخ) الرباعي بمعنى (أبرك بعيرَه). وقد يُراد به عموم الإقامة والنزول على الاتساع. ومنه الأبيات: (ومُناخ غير تئية عرّسته) (كذب العواذل، لو رأين مُناخَنا) (ومُناخ نازلةٍ كفيتُ وفارسٍ) وغيرها.
ولا يُعرف (ناخ) الثلاثي، بيد أنه سُمع عنهم (النَّوخة) بمعنى الإقامة، وظاهره أنه اسم مرة من الثلاثي (ناخ)، فقد يجوز أن يكون استُعمل وأميت، وقد يجوز أن لا يكونوا استعملوه قط كمفرد (المحاسن)، وقد يجوز أن يكون من (أناخ) على غير قياس كـ(العِمّة) و(الخِمرة) إذ هما من (اعتمّ) و(اختمر). ولهذا لا ينبغي أن يُقدم على إجازة (ناخ) إلا ببرهان ظاهر.
وإطلاقُ (المُناخ) على حالة الجوّ مولّد حادث على سبيل التشبيه. وذلك أنهم يلتمسون في أماكن إقامتهم أن تكون مطمئنة سهلة غير غليظة. ولهذا قال الشاعر:

وبما أبركها في مُناخٍ ** جعجع ينقَب فيه الأظلُّ
- قد يُشبه اللفظ الأعجمي الألفاظَ العربية في الحروف والوزن فيظنه الناس عربيًّا. ومن ذلك لفظا (الرصيد) و(الرجيم)، فالأول فارسي والثاني فرنسي.
- أقدم من وجدته استعمل قولهم: (بيّض الله وجهك) هو البراء بن ربعي. ولعله جاهلي، قال:
وكان سُليم بيّض الله وجهه ** يمدّ لنا بنيان مجد ويرفعُ
أنشده ابن الأعرابي في "مقطعات مراثٍ".
- إذا عُرّب الاسم الأعجمي المبدوء بساكن فإن للعرب فيه طريقتين: أن يحرّكوه نحو (خِوان) أو يجتلبوا له همزة قطع نحو (إقليم) و(أسطوانة).
- استعمال كلمة (أيضًا) في حشو الكلام عربي فصيح، وليس مولدًا، قال الفراء: أنشدني بعضهم [من قيس]:
* أخوك في الله، وأيضًا في الرِّحِمْ *
ومنه قول الشاعر:
ليبغضني وأبغضه وأيضًا ** يراني دونه وأراه دوني
- (تويتر) علم أعجمي على هذا الموقع المعروف، فإذا أُريد استعماله في العربية وجب حمله على أبنية العرب وعلى المُنقاد من قوانينهم، فيُردّ إلى (تُوَيْتِر) ليكون على زنة (دُرَيهِم). ووزنه (فُويعِل).
أما (آسْك) فلا يصح اللفظ به على هذا الوجه لما فيه من اجتماع ساكنين. ويُغيّر إلى وجهين صحيحين:
١- (آسَك) بفتح السين، فيكون على زنة (فاعَل). وهو موافق لاسم موضع قديم ذكره الخارجي حين قال:
أألفا مسلم في ما زعمتم ** ويقتلهم بآسَكَ أربعونا؟
٢- (آسِك) بكسر السين، فيكون على زنة (فاعِل).
ونظير هذا كلمة (دانق)، فإنها فارسيّة الأصل. وهم ينطقونها بإسكان النون وفتحها. فلما استعملها العرب استعملوها بفتح النون وزادوا فيها الكسر. وهو عندهم أفصح، وذلك لقلة ما جاء على (فاعَل) وكثرة باب (فاعِل).
ومثلها أيضًا كلمة (طابق)، فإنها كلمة فارسية. وهي في الفارسية مفتوحة الباء. فلما عرّبوها أبقوا الباء على سكِنتها وألحقوا بها وجهًا آخر، وهو الكسر.
و(آسك) في الوجهين ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
- (التلاشي) كلِمة منحوتة من (لاشيء)، تصريفُها: (لاشاه فتلاشَى)، كأنَّهم يريدونَ أنه أصبح (لاشيء). والتاء ليست من لفظِ (لا شيء)، وإنما هي زائِدةٌ للمطاوَعة كالتاء في قولِك: (تباعَد). وهي كلِمةٌ مولَّدةٌ قديمًا. وهي من ألفاظِ المتكلِّمين. وهم الذين استحدَثُوها إرادةَ الاتِّساع في المعانِي. وقد ذكرَ ذلك أبو عثمان الجاحظ، قالَ: (قالوا: وقبيحٌ بالخطيب أن يقومَ بخُطبة العيد أو يومَ السِّماطين أو على منبر جماعةٍ أو في سُدّة دار الخلافة أو في يوم جمعٍ وحَفْلٍ أو في إصلاحٍ بينَ العشائرٍ واحتمالِ دماءِ القبائل واستلالِ تلك الضَّغائنِ والسَّخائمِ فيقولَ كما قال بعضُ من خطبَ على مِنبر ضخمِ الشأنِ رفيعِ المكان: «ثم إن الله بعد أن أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّن لهم لاشاهم فتلاشوا». ولولا أن المتكلمَ افتقرَ إلى أن يلفظَ بالتلاشي لكان ينبغي أن يؤخَذ فوقَ يدِه)، ثم قالَ: (وإنما جازت هذه الألفاظُ في صناعة الكلام حين عجَزت الأسماءُ عن اتساع المعاني)، وقالَ: (ولأن كبارَ المتكلمين ورؤساءَ النظّارين كانوا فوقَ أكثر الخطباء وأبلغَ من كثير من البلغاء. وهم تخيَّروا تلك الألفاظَ لتلك المعاني، وهم اشتقُّوا لها من كلام العرب تلك الأسماءَ، وهم اصطلحوا على تسميةِ ما لم يكن له في لغةِ العربِ اسمٌ فصاروا في ذلك سلفًا لكلِّ خلفٍ وقدوةً لكلِّ تابعٍ. ولذلك قالوا: العرض والجوهر وأيس وليس، وفرَّقوا بين البطلانِ والتلاشي).
وليس بصحيحٍ قولُ من زعمَ أن أصلَها (لشَا) بمعنى خسَّ بعد رفعةٍ، لأنَّ هذه الكلِمة معروفةُ الميلادِ. كما أن معناها ليس هو معنَى (لشا) لأنَّ (التلاشِي) معناه (الاضمحلالُ)، وهو مباينٌ تمامًا لـ(الخِسَّة). وذلك أنَّ الشيء قد يضمحِلُّ من غيرِ أن يتَّضِع، وقد يتَّضِع ولا يضمحِلُّ.
- (الخُلف) بمعنى (الخلاف) يكثر في كلام المتأخرين، قال أبو إسحاق الشاطبي: (عادة المتأخرين استعمال لفظ (الخُلف) مرادفًا لمصدر (خالفه في كذا مخالفة وخلافًا). ولست منه على تحقيق أنه استعمالٌ لغوي).
- (الفُوطة) غير عربية. وذُكرت في "العين" وغيره. وذكر ابن بطوطة أن الداخل لحمامات بغداد يعطى ثلاث فوط. وفي مقامات "البديع" أنها تلبس على الرأس.
- (اللِّتر) كلمة يونانيّة الأصل. ومن الطريف أنها عُرِّبت قديمًا بصورة (رطل). وهو مقلوب (لِطْر). راجع (معجم الدخيل) لف عبد الرحيم.
- (النّصْب) لا يدلّ في كلام العرب على معنى الاحتيال، وإنما أخذه الناس من (نصْب الفخّ أو الحِبالة). وعلى هذا فهو توليد صحيح.
- (السَّلَطة) كلمة مأخوذة من التركية. ومعناها المملَّحة. وأصلها لاتيني (sal) بمعنى (المِلح). ولك أن تقول فيها أيضًا: (صلطة) و(زلطة) بلا نُكر.
- (الطَّماطِم) كلِمةٌ مكسيكيّة النِّجار أصلُها (tomatll). وقد دخلت في كثير من اللغاتِ. وقبسَها العربُ حديثًا من الصيغة اللاتينية (tomatum) إذْ لم يكن هذا النباتُ معروفًا لديهم قديمًا.
وهذا اللفظُ له صورتان في كلام الناس اليومَ:
1- (طَماطِم). وهي الصورة الرسميّة. وهي تُستعمل اسمَ جنس جمعيًّا مفردُها (طَماطِمة). وقد وافقت صيغةَ منتهى الجموع، فتُمنع من الصرف فتكون نظير (سراويل) فتقول: (أكلتُ طماطِمَ) ولا تنوّنُها.
ويجوز لك أيضًا أن تجمعها بالألف والتاء فتقول: (طَماطِمات).
2- (طَماط) أو (طُماط) بفتح الطاء أو ضمّها مع حذف الميم. وهي أعربُ وأخفُّ. وهي مصروفةٌ. ومفرَدها (طَماطة) أو (طُماطة).
ولك أيضًا أن تجمعها بالألف والتاء فتقول: (طَماطات) و(طُماطات).
- ينبغي ردّ الألفاظ الدخيلة إلى أوزان العربية عند إرادة إدخالها في الكلام الفصيح فيقال: (أيْفُون) على مثال (ديجور)، و(تُوَيْتِر) على نحو (دُرَيهم)، و(قَوْقَل) على وزن (جعفَر).
- (ساذج) كلمة فارسية. ولفظها فيها (سادَك). وقد عُرّبت قديمًا بلفظ (ساذَج). وبعضهم يكسر الذال فيقول: (ساذِج) ليُدخلها في باب (فاعِل). وهو أرحبُ وأوسع.
ثم دخلت إلى العربية حديثًا من طريق التركية التي أخذتها من الفارسية، وذلك بلفظ (سادَه).
وتُطلق على الشيء الباقي على أصل طبيعته لم يُخالطه غيرُه. ويُراجع في هذا حواشي المعرب للجواليقي للدكتور ف عبد الرحيم.

الأربعاء، 7 يونيو 2017

مسائل متفرقة في لزوم بعض الألفاظ وتعديها

نُشر مفرَّقًا في تويتر وفسبك وآسك وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- س: خطّأ بعضهم استعمال (عن) في نحو (قال عنه البخاري: منكر الحديث). والصواب عنده أن يقال: (قال فيه البخاري: منكر الحديث)، فما رأيك في هذا؟
ج: كلاهما صحيح لأن مبنى معاني حروف الجر في رأيي على القياس، فإذا قلت: (قال في هذا الرجل كذا) فعلى أن المراد (قال في شأن هذا الرجل) فحُذف (شأن) لدلالة السياق عليه. ومثله قوله تعالى: ((يحاجون في الله)) و((يجادل في الله)) و((هاجروا في الله)). ويكون الشأن ظرفًا لوقوع القول.
وإذا قلت: (قال عن الرجل كذا) فـ(عن) هنا نظير (عن) في (تحدث عنه) ومثله: (ألفت كتابًا عنه). وكل ما يمكن وضع كلمة (موضوع) فيه مكان (عن) فـ(عن) فيه صحيحة، ألا ترى أنك تقول في (تحدثت عنه): (تحدثت، موضوع حديثي هو). وكذلك (قال عنه). ومعنى (عن) فيه للمجاوزة لأن من يتحدث مثلًا في رجل ما عند غيره فإنه يكون منصرفًا عنه لإقباله على المحدَّث. وبهذا يتحقق معنى المجاوزة.
-
س: أيجوز أن يقال: (اتصلت عليك) فيُعدّى بـ(على)؟
ج: لا يجوز أن يتعدَّى (اتّصل) بـ(علَى) على جهةِ الحقيقةِ، لأنَّ معنَى (الاتصال) (الالتقاء والارتباط)، وهو معنًى لا تلائمه (علَى) الدالَّة على الاستِعلاء، وذلك أن الاتصالَ لا يقعُ على المتعدَّى إليه بالحرف لا حقيقةً ولا مَجازًا. فلمَّا كانَ (الاتصال) لا يقبلُ هذا وكانَ تحقُّقُه قائِمًا على طرفٍ آخرَ يلتقي به ويلتصِقُ كانَ تعدِّيه بالباء الدالَّة على معنَى (الإلصاق).
وإذن لا يجوز إلا (اتصلتُ به).
- س: أيقال: (تعرّفتُ على الشيء) أم (تعرّفته) أم (تعرّفت إليه)؟
ج: يقال في هذا المعنى (عرفَه) و(تعرَّفه) و(تعرّف إليه). وبينهنّ فروقٌ.
أما (عرفَه) فمعناه أوقع المعرفة عليه فصار عنده معروفًا بعد إذْ كان مجهولًا.
وأمّا (تعرّفه) فمتعدّ إلى واحدٍ كـ(عرفَه)، بيدَ أنه مطاوع (عرّفه كذا) المتعدي إلى اثنين، ومنه قوله تعالى: ((عرّف بعضَه وأعرضَ عن بعضٍ)) وحذف المفعول الأول، فإذا قلتَ (تعرّفت الرجلَ) فكأن شيئًا ألقَى في رُوعِك طلبَ معرِفته فتطلّبتَها شيئًا فشيئًا حتى أدركتَها. وهي بهذا تفارق معنى (عرفه) لدلالة بناء (تفعَّلَ) على قَبول التكثيرِ. وعلى هذا جاء قول طَريف العنبري:

فتعرّفوني إنني أنا ذاكمُ ** شاكٍ سلاحيَ في الحوادثِ مُعلمُ

وتقول: (عرَفتُ المسألة) إذا فقِهتَها بسهولةٍ، و(تعرَّفتُ المسألة) إذا تكلّفتَ ذلك وحاولتَه حتى عرفتَها وأسمحَتْ لك.

أما (تعرَّف إليه) فهو مطاوع (عرَّفتُ الشيءَ) إذا جعلتَه معروفًا كقولك (عرّفتُ فلانًا فتعرَّف)، فإذا قلتَ: (تعرّفتُ) فمعناه (صرتُ معروفًا) فإذا وصلتَه بـ(إلى) فقلتَ: (تعرّفتُ إلى فلان) فمعناه صِرت معروفًا عنده. ومن المعلوم أن (إلى) تدُلّ في أصلِ وضعها على الغايةِ. وهي في هذا المثالِ لا تفيد هذا المعنى لأن الغائيّة إنما تصِحّ في الحدث الذي يقع على مكانٍ ممتدٍّ من الأرضِ يبدأ فيه من موضعٍ وينتهي عند موضعٍ آخر منه كـ(مشَى)، فإن المشي لا يتحقّق معناه حتّى يجري في رُقعة من الأرضِ. ولا يمكن أن يمشي الإنسان وهو ثابتٌ في مكانِه إلا في عصرنا هذا العجيبِ.
فمن هنا جاز أن تقول: (مشيتُ إلى المسجدِ) مثلًا.
والتعرُّف أي كونُ المرء معروفًا لا يصدُق عليه ما يصدُق على المشي ونحوِه، وإنما يُراد بـ(إلى) فيه الاتّجاهُ. وذلك من قِبَل أن الغايةَ تستلزِم هذا المعنَى لأن كلّ من قصدَ إلى شيءٍ وجعلَه غايتَه فلا بدّ أن يكون وجهُه إليه. وإذن فقولك: (سأتعرَّف إلى فلان) معناه سأكون معروفًا عند فلانٍ لا غيرِه، فأفادت (إلى) النسبة إليه. وهي في هذا نظير قولهم: (وقف إلى فلان، وجلس إليه)، فإن الوقوف والجلوس يقعان في مكان واحدٍ خلافًا للمشي، فـ(إلى) فيهما خارجةٌ عن معنى الغائية إلى الدلالة على القصد والاتجاه والنظر لأن هذه المعاني من لوازم الغائية كما بيّنتُ. وفي الحديث (تعرّف إلى اللهِ في الرّخاء يَعرِفك في الشدّة) أي اطلبْ أن تكون معروفًا عنده في الرخاء باتّباع أوامره واجتناب نواهيه ليعرفَك في الشدّة. وليس المعنى اعرِفِ الله في الرّخاء.
وإذن فقولك: (تعرّفت فلانًا) معناه عرَفته بعد التماس، فالتعريف واقع عليه. و(تعرّفت إلى فلانٍ) بمعنى صرتُ معروفًا بالنسبة إليه أو التمستُ أن أكون كذلك بتقديم نفسي إليه.
وقولهم: (تعرّفت عليه) كما يشيع عند المعاصرين خطأ لا يُسنده سماعٌ ولا قياسٌ.
- س: لم يتعدّى الشكّ والريب بـ(مِن) في كتاب الله تعالى؟
ج: لعلةٍ ما وجدنا الشك والريب والمرية تُعدّى بـ(مِن) في كتاب الله تعالى كقوله: ((وإننا لفي شك من ما تدعونا إليه مريب)) ((بل هم في شك منها)) ((بل هم في شك من ذكري)) ((وإن كنتم في ريب من ما نزلنا على عبدنا)) ((إن كنتم في ريب من البعث)) ((ولا يزال الذين كفروا في مرية منه)). وهذا غالبه في الحديث عن الكفّار. وذلك أن تعدية هذه الألفاظ بـ(في) وإن كان حسنًا صالحًا فليس يعدل تعديته بـ(من) لأن أصل معنى (من) الابتداء أي أن الحدث يبتدئ من مجرورها، فكأن الشكّ من الأمر والمرية منه يقضي بأن الشاكّ كأنما خرج من الأمر محلِّ الشكّ وفصل عنه فِعلَ المحاذر المتوجّس الذي يمنعه الارتياب والتردّد وسوء الظن أن يلج في الشيء ويفحص عن حقيقته، فهو لا يزال يرقبه عن عُرُض مزوارًّا عنه غير مخالط له ولا متعمّق فيه.
وكذلك فعلُ الكفّار، فإن شكّهم ومريتهم ليس من جنس الشكّ الذي يدعو إليه طلب الحقّ والرغبة في إصابته، بل هو في الحقّ شكّ نَفرة وصدود وإعراض.
- س: أيهما أفصح (إهداء لفلان) أم (إهداء إلى فلان)؟
ج: الأصل في الفعل (أهدى) أن يتعدّى بـ(إلى) فتقول: (أهديتُ إلى فلان هديّةً) كما قال الحماسيّ:
رسولَ امرئ يُهدي إليك رسالةً ** فإن معشرٌ جادوا بعرضك فابخلِ
وذلك أن معنَى الإهداء يقتضي أن يكون له غايةٌ مكانيّة ينتهي إليها، وهي المُهدَى إليه، لا يتحقّق هذا المعنى إلا بذلك لأن الهديّة تبدأ من المهدِي وتُجاوزُه حتّى تتّصِل بالمهدى إليه.
ولكن يجوز لك أن تقول: (أهديتُ له) باللامِ على تأويلينِ:
1- أن تريد باللام المِلْك لأنّ هذه الهديّة قد صارتْ بتناولِه لها مِلكًا له.
2- أن تكون دالّةً على الغايةِ كـ(إلى)، فتخرج بذلك عن أصلِ وضعِها لعلّةٍ مليحةٍ. وذلك أن اللامَ تجيء في أصلِ وضعها بمعنى التعليلِ، وغايةُ الشيءِ المكانيّة تستلزِم أن تكونَ أيضًا عِلّةً له، ألا ترى أنك إذا قلتَ: (سافرتُ إلى مكةَ) فـ(إلى) هنا غائيةٌ لأن معنى السفَر ينقطعُ إليها من جهةِ المكانِ، وهي أيضًا باللزومِ عِلّة للسفَر لأنّك لم تسافر ووجهُك إليها إلا من أجلِ أن تصلَ إليها، فكما أنها غايةٌ فهي أيضًا عِلّة وسببٌ، فلو قلتَ: (سافرت من أجل مكّة) لصحّ الكلام لأن قصدَها هو الذي بعثَك على إنشاء السفّر.
فلما كانَت الغائية تستلزِمُ التعليلَ جاز أن تَخرج اللامُ عن أصلِ وضعها وتطّرِدَ إفادتُها للغائيّة كما تفيدُها (إلى) فيتعاورَا في الدلالة على هذا المعنى فتقول: (سرت إليه وله، ومشيت إليه وله وذهبت إليه وله، وهَديته إلى الطريق وله). وقسْ على هذا.
وبينهما أيضًا وجوهٌ أخَرُ من التشابه لا يتّسع هذا الموضع لبسطها.
وهذه سبيلُ كلّ حرفٍ استُعمِل في غير معناه الأوَّل، فإنك لا بدّ أن تجِد له مخرجًا حسنًا سائغًا إن لمَستَه. ومعاذ اللهِ أن تكونَ الحروف قد تتناوَبُ اعتباطًا لغيرِ سرٍّ ولا مَغزًى كما يزعم الكوفيّون.
ومن شواهد ذلك قول الحماسي:
لَإن كان يُهدى بردُ أنيابها العُلا ** لأفقرَ مني إنني لفقيرُ
وإذن تقول: (إهداء إلى فلان) و(إهداء لفلان).
- (اختصَّ) لازم متعدّ، تقول: (اختصصتُه بالأمر فاختصّ هو). وعلى الوجهين حُمل قوله تعالى: ((والله يختص برحمته من يشاء)) بجعل (مَن) فاعلًا أو مفعولاً به.
- س: هل يجوز أن يقال: (هذا من ما يؤسَف له)؟
ج: الوجه أن يقال: (من ما يؤسف عليه) كما قال تعالى: ((قال يا أسفَى على يوسف))، ولكن القياس يجيز (أسف له) كما يقال: (حزنت عليه وله)، و(بكيت عليه وله). وبينهما فرق دقيق ليس هذا موضع بسطه. واللام هنا تفيد معنى السببية. وهو راجع إلى معنى الاختصاص. والتعدية إلى أكثر من حرف جر مقيسة على الصحيح وليست قصرًا على السماع.
- س: هل يجوز تعدية الاعتذار بـ(عن) في نحو (اعتذر إليه عن هذا الذنب) مع أن المسموع تعديته بـ(مِن)؟
ج: تعدية الاعتذار بـ(من) و(عن) صحيحة قياسًا كما تقول: خرج منه وعنه وبعُد منه وعنه وانفصل منه وعنه ورحل منه وعنه وهرب منه وعنه وانصرف منه وعنه وهاجر منه وعنه وانفضَّ منه وعنه... إلخ. وذلكَ أنَّ كلَّ فعلٍ لازمٍ دالٍّ على معنَى الخروجِ أو الانفصالِ يجوزُ أن تعدِّيَه بـ(مِن) و(عن)، قالَ تعالى: ((ألئكَ عنها مبعَدون) ثم قال الشاعرُ:
* بعيدٌ من الآفاتِ طلاعُ أنجُدِ *
فإن عدَّيتَه بـ(مِن) فذلكَ أنك أردتَّ ذكرَ مبتدأ وقوعِ الحدثِ، وإن عديتَه بـ(عن) فذلك أنك أردتَّ ذكرَ أن ذهابَه وخروجَه كان إلى غيرِ الجهةِ التي فيها ما بعدَ (عن).
وقولك: (اعتذرَ) على هذا الحذوِ، ألا ترى أن الاعتذارَ طلبٌ للخروجِ عن اللومِ أو العقاب، فإذا قلتَ: (اعتذر عن ذنبه) فقد أردتَّ أنه التمس الخلاصَ والخروجَ من ذنبِهِ بتقديمِ العُذرِ. وإذا قلتَ: (اعتذر من ذنبه) فقد أردتَّ أن ابتداء عذرهِ كان من ذنبِه. ولا أجِدُ بينَهما فرقًا في الاستعمالِ وإن كانا يختلِفانِ في التأويلِ.
- (الاحتمال) متعدّ إلى واحد، و(التحميل) متعدّ إلى اثنين، تقول: (احتملت الشيء) كما قال تعالى: ((فاحتمل السيل زبدًا رابيًا))، و(حمّلتُه غيري) كما قالت الخنساء:
يحمّله القومُ ما عالهم ** وإن كان أصغرَهم مولدا
وعلى هذا تقول: (احتملت الملفّ) أو (حَمَلْته) إذا أردت الإخبار عن إنزاله في جهازك. ويجوز أيضًا أن تقول: (حمّلتُ الملفّ) بتضعيف الميم، على حذف المفعول الثاني، أي حمّلته جهازي بمعنى جعلتُ جهازي يحمله. والأول أجود لاستغنائه عن تقدير محذوف.
- (نظر) بمعنى (رأى) يتعدى بنفسه كما يتعدى بـ(إلى)، تقول: (نظره) كما تقول: (نظر إليه)، حكى ذلك بعضُ أصحاب المعاجم. وأصبت له شواهد من الشّعر. غير أن سيبويه منعَ تعديَه بنفسه إذْ لم يبلغه ذلك فقال: (وأنت لا تقول: نظرت زيدًا).