‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإملاء وعلامات الترقيم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإملاء وعلامات الترقيم. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 5 يونيو 2020

القول المحكم في رسم (ضوءُه) و(الهيئة) و(التوءم)

في الهمزة المتوسطة
نُشر في فسبك وتويتر في 13/ 10/ 1441هـ.
س: أي الرسمين هو الصحيح (توءَم) أم (توأَم)؟ وكذلك (ضَوءُه) أم (ضَوؤُه)؟ 
ج: هاتان مسألتان مختلفتان، فأما (توءم) فقد وقعت همزتها مفتوحةً بعد واو ساكنة غيرِ مدّيّة [أي ليست مسبوقة بضمة، خلافًا لنحو: مرُوْءَة]. وحكمها عند المتقدّمين حكمُ المسبوق بياء ساكنة غيرِ مدّيّة نحو (هيئة) [أي ليست مسبوقة بكسرة، خلافًا لنحو: بِيْئة]. ولهم في ذلك قولان: 
الأول: رسمها مفردةً على السطر (هيئة) [بنبْرة عند المعاصرين] (توءَم). وحجتهم في ذلك مراعاة صورتها في مذهب التخفيف إذ يحذفها أكثر العرب فيقولون: (هيَة) و(توَم). وهذا القول هو مذهب الجمهور. 
الثاني: رسمها على ألف (هيأة) (توأم) إذ كان من العرب من يخفّفها بإبدالها ألفًا فيقول: (هيَاْة) و(توَاْم) كما تُخفَّف (مرْأَة) و(يسْأَل) إلى (مرَاْة) و(يسَاْل). وقد حكى ابنُ السراج (ت316هـ) جواز هذا القول عن البغداديين. وهو مذهب ابن جني (ت392هـ) والسيوطي (ت911هـ). وظاهر إطلاقهما أنه يشمل عندهم ما ياؤه أصلية كـ(هَيأة) وما ياؤه زائدة كـ(الحُطيأة)، غير أنه يُشكل على هذا أن (الحُطيْئة) ونحوها لا تُخفَّف هذا التخفيف، بل تخفيفها (الحُطيَّة) فقط. 
أما المعاصرون فقد اختلفوا على هذين القولين أيضًا، فرجّحَ مجمع اللغة العربية بدمشق في نشرته الأولى لـ"قواعد الإملاء" عام 2004م القول الأول مطلَقًا، ورجَّحَ مجمع اللغة العربية بالقاهرة في قراره الأول عام 1960م القولَ الثاني مطلقًا، ثم فرَّق مجمع القاهرة في قراره الثاني الأخيرِ عام 1980م بين النوعين فاختار في المسبوق بياء القولَ الثانيَ (هيأة) وفي المسبوق بواو القولَ الأولَ (توْءم). وفرّقَ مجمع دمشق في نشرته الثانية عام 2010م بين النوعين أيضًا، ولكنه أخذ بعكس قول مجمع القاهرة، فاختار في المسبوق بياء القولَ الأول (هيئة) وفي المسبوقِ بواو القول الثاني (توأم). ولا وجه لهذا التفريق. 
وأما ما عليه عملُ الناس اليوم فإن معظمهم على التفريق الذي هو رأي مجمع دمشق الثاني، وذلك أنهم يرسمون الهمزة في نحو (هيئة) مفردة على السطر، وفي نحو (توأم) على ألف. 
ومنهم من لا يفرّق بينهما فيرسمهما جميعًا على السطر (هيئة) و(توءَم). وله شيوع في سورية. ومنهم من يرسمهما جميعًا على الألف (هيأة) و(توأم). وهو الشائع في العراق.
وكلا القولين سائغ، ولكنّ التفريق بين النوعين لغير علّة صحيحة ليس بمرضيّ. وأنا أستحبّ رسمهما جميعًا على السطر (هيئة) و(توءَم). 
وأما (ضَوْءُه) ونظائرها كـ(وضُوْءُه) و(نَوْءُها) - وحدُّها أن تكون الهمزة مضمومة بعد واو ساكنة - فإنها تُرسم مفردة على السطر. وليس أحد من المتقدّمين والمعاصرين يرسمها على واو. ولم يشِذّ عن هذا في ما أعلم إلا الغلاييني (ت1364هـ). وتبِعه مجمع اللغة العربية بدمشق، فإنهم يرسمونها على واو (ضَوْؤُه) و(وضُوْؤُه) و(نَوْؤُها). ولا وجه لذلك، لأن رسم الهمزة مبنيّ على مذهب التخفيف، وتخفيف هذه المسألة بالإبدال والإدغام أو الحذف، فيقال: (ضَوُه) و(وضوُّه) و(نَوُها)، فلا وجه لزيادة واو ثانية في الرسم.

الجمعة، 21 يوليو 2017

أمثلة على ضرر مخالفة بعض المذاهب الإملائية للقياس

نُشر أصله في تويتر في 1/ 1/ 1436هـ.
من الأمثلة على ضرر تنكّب بعض المذاهب الإملائية لسنن القياس ما أنا ذاكره. وفيه ردّ على من يزعم أن الإملاء اصطلاح وحسبُ وأنه ليس من العلوم التي تخضع للقياس والنظر:
- كتابتهم (عمرو) بالواو هكذا أوهمت بعض الناس أن الواو تنطق، فتراهم يقرءونها (عمرُو). والرأي كتابتها (عَمْر) كما ذهب إلى ذلك المبرد والنحاس وابن الدهان وغيرهم. وقد فصلت ذلك في حديث مستقلّ.
- كتابتهم (مائة) بالألف هكذا جعلت بعض من نحِس حظّه من المعرفة يقرؤها (ماءَة). والصواب كتابتها (مئة). واختاره أبو حيان.
- كتابتهم (الحارث) هكذا (الحرث) جعلت بعضهم يقرؤه (الحَرْث). وهو كالمتروك الآن.
- حذفهم الألف المبدلة من تنوين النصب في الاسم الممدود نحو (سمعت نداءً) أدّى إلى الخلط بين المصروف والممنوع من الصرف كما بينت ذلك في حديث آخر.

مقدمة تعريفية بعلم الإملاء

نُشر في ملتقى أهل اللغة في 30/ 7/ 1429هـ مقدمةً لدروس الإملاء.
- تعريفُه :
هو علمٌ تُعرفُ بهِ أصولُ رسمِ الحروفِ العربيةِ من حيثُ تصويرُها للمنطوقِ.
- أسماؤه:
يسمَّى قديمًا (الكِتَابَ) و(الكِتابةَ) و(الخطَّ) و(الهِجاءَ) و(الرَّسمَ) و(تقويمَ اليدِ). واصطلحَ المتأخِّرونَ على تسميتِهِ بـ(الإملاءِ) لأنَّ الإملاءَ من قِبَلِ المعلِّمِ من مَّا يُمتحَنُ بهِ المرءُ في أماكنِ التعليمِ ليُعرفَ مبلغُ إتقانِهِ لهذا العلمِ.
- واضعُه:
لا يُعرفُ على وجهِ القَطْعِ واضعُ الحروفِ العربيةِ. وكانتِ الحروفُ العربيةُ قبلَ الإسلامِ خاليةً من النَّقْطِ معَ تشابهِ صُوَرِها، وذلكَ لقلةِ الكتابةِ يومَئذٍ وقلَّةِ أهلِها. وكانوا يستعينونَ على التفريقِ بينَها بزيادةِ بعضِ الأحرفِ ككتابتِهم (مئة) هكذا (مائه) وكتابتِهم (ألئك) هكذا (أولئك).
فلما جاءَ الإسلامُ وانتشرتِ الكتابةُ وخِيفَ اللَّبسُ ابتدعَ أبو الأسودِ الدؤليُّ (69 هـ) صورَ الشَّكْلِ الفتحةَ والضمةَ والكسرةَ وصورةَ التنوينِ غيرَ أنها كانت جميعًا على هيئةِ نُقَطٍ معيَّنةٍ (.).
فلمَّا جاءَ نصرُ بنُ عاصمٍ الليثيُّ (90 هـ) ويحيا بنُ يعمَرَ العَدوانيُّ (129 هـ) ابتدعَا بأمرٍ من الحجَّاجِ بنِ يُوسفَ نَقْطَ الحروفِ، فبدَلَ أن كانتِ الباء والتاء والثاء لها صورةٌ واحدةٌ أضحَى لها ثلاثُ صُوَرٍ. وهكذا سائرُ الحروفِ. وبذلكَ أصبحتِ الحروفُ نوعينِ: حروفًا منقوطةً. وتسمَّى مُعْجَمةً. وحروفًا غيرَ منقوطةٍ. وتسمَّى مُهمَلةً.
ثمَّ خلفَهم الخليلُ بنُ أحمدَ (170 هـ) فابتدعَ الهمزةَ (ء) والشدَّةَ ( ّ) وغيَّرَ صُوَرَ الحركاتِ والتنوين إلى الصورِ المعروفةِ الآنَ ( َ ُ ِ) و ( ً ٍ ٌ) حتى لا تلتبسَ بالنُّقَطِ. وكان المصحفُ الشريفُ مرسومًا بغيرِ شَكلٍ ولا نَقطٍ. فلما تمَّت صورةُ الرسمِ بنُقطهِ وشَكلِهِ أُجريَ هذا على المصاحفِ من بعدُ وانتشرَ في الكتابةِ عامّةً.
- أهمّ كتبه :
لعلَّ أقدمها "أدبُ الكاتب" لابنِ قتيبةَ، فقد أفردَ للإملاءِ فصلاً سمَّاه "تقويمَ اليدِ". ومنها "الخط" لابن السراج، و"الجمل في النحو" للزجَّاجيِّ، ففيه بابٌ سمَّاه "باب أحكام الهمزة في الخط"، وله أيضًا كتاب مفرد اسمه "كتاب الخطّ". و"كِتاب الكِتَابِ" [هكذا، وليس الكُتَّاب] لابنِ دُرستويهِ، و "باب الهِجاء" لابن الدهَّانِ. هذا غيرُ كتبِ رسْم المصاحفِ ككتابي "النَّقط" و"المقنع"، كلاهما لأبي عمْر الداني. وغيرُ كتبِ النحوِ والتصريفِ التي عرَضتْ له كـ"شافيةِ" ابن الحاجب ، و"تسهيل" ابنِ مالكٍ ، و"همع الهوامعِ" للسيوطيِّ.
أما العصرُ الحديثُ فمن أهمِّ كتبه كتابُ "المطالع النصرية" لنصر الهوريني و"كتاب الإملاء" لحسين والي و"رسم المصحف" لغانم الحمد.
- فضلُه:
ليس شيء من العلوم يحتاج إليه الناس كحاجتهم إلى الإملاء، وذلك أن الجهل بها لا يغضُّ في الغالب من قدرِ المرء ولا يضَع من شأنِهِ. أمَّا الإملاءُ فالخطأ فيهِ عيبٌ لصاحبِهِ ودلالةٌ على نَقصٍ فيهِ. لذلكَ كانَ حقًّا على كلِّ مَن يعرفُ الكتابةَ أن يضبطَ أصولَهُ ويتحفَّظَ من الزللِ فيهِ .
- أنواعُه:
للإملاءِ أنواعٌ ثلاثةٌ:
1- رسمُ المصحفِ. ولا يُقاسُ عليهِ وإن كانَ أصلَ الإملاءِ الذي عليهِ الناسُ. وذلكَ لخروجِه عن القياسِ مراعاةً لأمورٍ:
الأول: بناء الكلمة على وجهٍ يمكن معَهُ تعدّدُ القراءةِ.
الثاني: أنّه كان قبل ظهور الشكل والنقط، فربما زُيدَ فيه بعض الأحرفِ دلالةً على حركةِ ما قبلها.
الثالث: أنّ الصحابة لما رسموا المصحفَ كانوا في بداءته، فلا عجب أن تظهرَ بعض الشواذّ والآراء غيرِ المحكَمة إذ الرسمُ اجتهادٌ من الصحابة رضيَ الله عنهم وليس وحيًا من الله.
2- رسمُ العَروضِ. وهو خاصٌّ بتقطيعِ الشِّعْرِ. وهو يكتب كل ما يُنطق دون ما لا يُنطق.
3- الرسمُ القياسيُّ. وهو الذي يَعنينا. وفرقُ ما بينه وبينَ رسم العروض أنَّ هذا الرسمَ تدخلُه الزيادةُ والحذف ومراعاةُ الأصلِ وأشياءُ أخَرُ.

الأربعاء، 19 يوليو 2017

مسائل إملائية متفرقة في الهمزة الابتدائية

نُشر مفرّقًا في آسك وتويتر وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- س: كيف أفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع؟
ج: إن كان عندك أثارة من سليقة صحيحة فاعتبر ذلك بإدخال واو قبل الهمزة، فإن لم تنطقها فهي همزة وصل نحو (واكتُبْ). وإن نطقتها فهي همزة قطع نحو (وأكرِمْ). ولهذا كان الوجه في هذا المبحث أن لا يدخل في الإملاء لأنه جار على الأصل إذ ليس بين منطوقه ومكتوبه تخالف لولا فساد سلائق كثير من الناس.
فإن لم يتهيّأ لك ذلك فاعلم أن كل همزة في أول الكلمة همزة قطع إلا أمر الثلاثي (اكتب) وماضي الخماسي والسداسي وأمرهما ومصدرهما (انطلقَ، انطلقْ، انطلاق) (استغفرَ، استغفرْ، استغفار) وإلا الأسماء العشرة (اسم، است، ابن، ابنة، ابنم، اثنان، اثنتان، امرؤ، امرأة، ايمن) ومن الحروف (أل) التعريف فقط.
- إذا سمعتَ أحدًا يقول أو يكتب: (يا إبني) أو (ما إسمك) بقطع الهمزة فلا تخطّئه، فقد حكى الأخفش في "معاني القرآن" عن الثقة أنه سمع من العرب من يقول ذلك.
- إذا اتصل بالهمزة في أول الكلمة شيء قبلها فإنه لا يتغير حكمها ولا تعامل معاملة المتوسطة إلا في ثلاثة ألفاظ (هؤلاء) و(لَئِن) و(لئلّا). وأرى أن تُردّ إلى القاعدة فتكتَب (هأُلاء) و(لَإِن) و(لِأن لَّا).
- أرى أن تُرسم همزة الوصل إذا وقعت أول صدر أو عجز بالقطع لأنها تُنطق بالقطع في الابتداء والدّرج، مثال ذلك قول الأعشى:
إِستأثر الله بالوفاء وبالـ ** ـحمد وولّى الملامة الرجلا
وقول الحماسي:
ماذا يكلفك الروحات والدُّلَجا ** أَلبرّ طورًا وطورًا تسلك اللججا
وذلك أنك لو رمت أن تصل قوله: (إستأثر) بآخر البيت الذي قبلَه، وهو:
* وإن في السفْر ما مضى مهَلا *
لوجب عليك أن تقطعها لأن لا يختلّ وزن البيت.
وكذلك قوله: (ألبرّ طورًا)، فإنك إذا أنشدته موصولًا بصدره لم يكن لك مزحلٌ عن قطع همزة (ألبرّ)، فقد صارت بذلك في لفظها همزة قطع لا همزة وصلٍ على سبيل الضرورة. والخطّ نائب عن اللفظ.
ومثلُ هذا التاء المربوطة إذا أُبدِلت هاءًا في آخر البيت، وذلك كقول ابن مالك:
والله يقضي بهبات وافرهْ ** لي وله في درجات الآخرهْ
ألا ترى أنك إذا وصلت (وافرهْ) بـ(لي وله...) في الإنشاد لم تردّها تاءًا.
وكذلك إذا وقعت التاء المفتوحة محركةً في آخر البيت كقول الحماسي:
حلّت تماضر غربة فاحتلتِ ** فلجًا وأهلك باللّوى فالحَلّتِ
فإنك تكتبها (فالحلّتِ). وأصلها (الحلّة). وذلك لامتناع الوقف عليها بالهاء في هذا الموضع، فاعرف هذا وقس عليه.
- تُرسم همزة (يا ألله) بالقطع والوصل، وذلك أن فيها لغتين، فمن ينطقها بالقطع يكتبها بالقطع، ومن ينطقها بالوصل يكتبها بالوصل.
- رأيي أنه إذا اتصل بهمزة الوصلِ فاء أو واو فإنها تبقى على أوّليتِها ولا تُقدَّر في حكمِ المتوسِّطةِ فتُكتب (فاؤْمر - واؤمر) و(فائتِ – وائت).
والمشهور رسمُها على هذه الصورة (فأمر - وأمر) و(فأتِ - وأتِ).
والعلةُ التي اعتلوا بها لقولِهم هذا هي أنَّها لو ثَبَتَتْ لكانَ ذلك جمعًا بين ألِفَيْنِ صورة همزة الوَصْل وصورة الهمزة الَّتي هي فاء الكلِمة، مع كونِ الواو والفاء شديدي الاتِّصال بما بعدهما، لا يُوقَفُ عليهما دُونَه.
ويُرد عليها من وجهين:
الأول: عدمُ اطرادِها، فإنهم يكتبون (سائل) ونحوَها بهذه الصورة مع أنها مثلُ (فائتِ) ولم يكرهوا اجتماعَ همزةٍ وألفٍ. وإنما الذي يُكرَه هو أن يجتمعَ حرفانِ متماثلان ليس بينهما حاجزٌ أحدُهما صورةٌ للهمزةِ نحو (شؤون) أو نحو هذه الصورة (اأ).
الثاني: تركيبُ العلةِ تركيبًا فاسدًا ملفَّقًا من أمرينِ، هما الاتَّصال، واجتماع المثلينِ. فإنْ كانَ اجتماعُ المثلينِ من بابِ (شؤون) فتكونُ دعوى الاتَّصال زيادةً عن العلَّةِ لا حاجةَ لها ويكونُ اجتماع المثلينِ اعتلالاً غيرَ صحيحٍ لبيانِ الفرقِ بينه وبينَ (شؤون). وإنْ كانَ اجتماعُ المثلينِ أمرًا آخرَ غيرَ اجتماعه في (شؤون) فتكونُ هذه أولاً علةً لا نظيرَ لها في كلامِهم، وثانيًا لا مناسبةَ لها للحُكمِ لأنَّ الاجتماعَ إنما كُرِهَ لكونِه لمثلينِ في الرسم لا في الحقيقةِ. وإنما سوَّغ لهم حذفَ أحدِهما لأنه صورةٌ للهمزةِ وليس حرفًا أصليًّا، فحذفُه لا يُوقِع في لبْسٍ وليس فيهِ إجحافٌ. وكلُّ هذا مفقودٌ في هذه المسألةِ.

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

مسائل متفرقة في علامات الترقيم

نُشر مفرّقًا في تويتر وفسبك وملتقى أهل اللغة وآسك في أوقات مختلفة.
- س: هل توضع علامة استفهام في مثل قول بعض العلماء: (ألا ترى أن كذا وكذا...)؟
ج: الاستفهام هنا استفهام تقريري لا يلتمَس به الجواب، فكأنه يقول: (قد رأيت كذا)، فالأجود إذن أن لا يُتبع بعلامة استفهام إيثارًا لمراعاة المعنى كما فعلت العرب ذلك في نحو ((ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)).
- الاستكثار من علامات الترقيم عُقلةٌ للكاتب، والإقلال منها سببٌ لاستعجام الكلام واستبهامه على القارئ، والتوسُّط بينهما خير.
- علامات الترقيم علمٌ مضطربٌ، ولا خليلَ له.
- أرى أن توصل علامات الترقيم بما يجاورها من غير فراغ نحو (جاء زيد، ولكن لم يصحبه محمد.) وليس ( جاء زيد ، ولكن لم يصحبه محمد . ). والحجّة لذلك القياسُ على الكلِم الأحادية، فإنهم إذا كانوا يوجِبون وصلَها مع استقلالها من جهةِ المعنَى محمِيةً من أن تبقَى مفردَةً، وذلك كواو العطف نحو (وقالَ) وليس (و قال)، فأن يصِلوا علاماتِ الترقيم أقمَن وأجدَر لأنها ليست كلِمًا، وإنما هي دلائلُ وصُوًى يؤتَى بها لبيانِ عَلاقةِ ما بعدها بما قبلَها من قِبَل التعلّق أو الانفصالِ. وهذا التنوينُ، وهو نونٌ تلي اللفظَ، نراهم يكتبونَه على الحرفِ، وليس بعدَه مع أنه يُنطَق بعدَه.
- لا أحبّ وضع علامة (=) بين أجزاء الكلام. وأجدني أنفر من القراءة لمن يولَع بها.
- لا بأس أن تضاف هذه العلامة :) إلى علامات الترقيم لتكون دلالة على أن الكلام محمول على الممازحة أو ملحوظٌ به موضعُ طرفة.

السبت، 15 يوليو 2017

أيّ هذين الرسمين أصوب (إذن ) أم (إذًا)؟

في الوقف والابتداء
نُشر في آسك في 27/ 7/ 1436هـ.
س: أيّ هذين الرسمين أصوب (إذن ) أم (إذًا)؟
ج: في هذا مذهبان مشهوران للعلماء. وهما قائمان على اختلافِهم في الوقفِ عليها، فمَن يقِف عليها بالنونِ يكتبها بالنون (إذن). وهو مذهب المازنيّ وتلميذِه المبرَّد. وقال المبرَّد: (أشتهي أن أكوي يدَ من يكتبها بالألف لأنها حرفٌ مثل أن ولن). وعلى ذلك كثيرٌ من المعاصرين. واختارَه مجمع اللغة بالقاهرة. ومَن يقِف عليها بالألف يعتدّها تنوينًا لأن التنوين هو الذي يُبدل في الوقف ألفًا إذا كان نصبًا، فيرسمها (إذًا). وهو مذهب القرّاء. وشايعَهم عليه جماعة من النّحاة. وذلك لأنَّ الرسمَ مبنيّ على مراعاة حال الابتداء والوقفِ.
وحجّة من يقف عليها بالنون أنّها حرفٌ، والحروف لا يلحَقها التنوين لأنه من خصائصِ الأسماء.
وحجّة من يقِف عليها بالألف متابعةُ رسمِ المصحف لأنَّها رُسِمت فيه بالألفِ. ووقوفُ القرّاء عليها بالألف اتباعٌ للرسمِ.
وأرجّح كتابتها بالنونِ للحجّة التي بيّنتُ. فأمّا رسمُها بالمصحف ألفًا فلا يُحتجّ به لأن في رسم المصحف أشياءَ كثيرةً خارجةً عن حدِّ القياسِ لا علةَ لها لائحةً. وقد يجوز أن يكونوا رسموها فيه ألفًا لأن نطقَ النون والتنوين في الوصلِ سواءٌ. هذا مع شِدّة التشابه بين (إذا) الشرطية و(إذًا) الحرفية الناصبة للفعلِ حتّى زعم بعضهم أن الناصبة اسمٌ، ولم يُعمِلوا الأصلَ الإملائيَّ الذي يجعلُ الاعتداد برسم الكلمةِ في حال الابتداء والوقفِ. وأنا أذكر أمثلةً من رسم المصحفِ تشهَد لذلك، منها رسمهم ((أيُّهَ المؤمنون)) بحذف ألف (أيّها) رعاية لحال الوصل. ولم يعبئوا بحال الوقف. ولو فعلوا ذلك لأثبتوها إذْ كانت الألف تُنطق في الوقف، وإنما حُذفت في الوصل لالتقاء الساكنين. ومنها رسمهم ((ويدعُ الإنسان)) بحذف الواو، و((وسوف يؤتِ الله المؤمنين)) بحذف الياء لهذه العِلّة.
علَى أن من يرسمها نونًا وهو مُقِرّ بأنها تُبدلُ ألفًا في الوقف كالتنوينِ له أن يحتجّ بأنّ ذلك مُشبّه بالتنوين، وليس تنوينًا حقيقةً لأن التنوين لا يَلحق الحروف. ومتى كان ذلك حسُن أن يُفصَل بينه وبينَ الاسم حتى لا يُتوهّم أنه تنوينٌ فيُرسمَ نونًا. وكذلك يقال في نون التوكيد الخفيفة في نحو ((لنَسفعنْ بالناصيةِ)).
وللفرّاء مذهب ثالثٌ، وهو التفرقة بين أن تُعمل فتكتب نونًا، وبين أن تُهمَل فتكتب ألفًا.

الجمعة، 14 يوليو 2017

مسائل إملائية متفرقة في الهمزة المتوسطة

نُشر مفرّقًا في آسك وتويتر في أوقات مختلفة.
- س: هل نرسم (جزءَين) أم (جزأين)؟
ج: يجوز رسمها (جزءَين) على حدّ من يرسم (مسئلة) هكذا مراعاة لوجه تخفيفها في مذهب أكثر العرب، أو على حدّ من يرسمها (مسألة)، ولكن من غير اعتداد بالتوسط العارض كما لم يعتد به بعضهم في نحو (قرأوا).
ويجوز أيضًا (جزأين) على مذهب من يرسم (مسألة) هكذا مع الاعتداد بالتوسط العارض. وهو أصحّ.
- س: أيُّ هذين الرسمين هو الصواب (سُئِلت) أم (سُؤِلت)؟
ج: في رسم هذه الكلمة ونظائرِها مذهبان:
1- وضع الهمزة على ياء هكذا (سُئلت). وهو مذهب سيبويه لأنّه يعتدّ بحركة الهمزة إذا كانت مكسورة وما قبلها مضموم أو كان العكسُ فيسهّلها إلى الحرف الذي يُجانس الحركةَ بينَ بين. ولهذا تُكتب الهمزة في (مستهزؤون) في مذهبه على واو.
2- وضع الهمزة على واو هكذا (سُؤِلت). وهو مذهب الكوفيين والأخفش لأنهم في مثل هذه الحال يُراعون حركة ما قبل الهمزة فيسهّلون الهمزة إلى الحرف المجانس لها بين بينَ. ولهذا تكتب (مستهزئون) في مذهبهم على ياء. 
والناس اليومَ يلفقون بين المذهبين فيكتبون (سُئلت) على مذهب سيبويه، ويكتبون (مستهزئون) على مذهب الكوفيين والأخفش طردًا منهم لقاعدة الأقوى التي كشف عنها بشير سلمو عام١٩٥٣م لأن الكسرة أقوى من الضمة.
- س: ما الصواب في حال الرفع (أسْوَأُهم) أم (أسْوَؤُهم)؟
ج: تكتب (أسْوَءُهم) في أجود الأوجه لأن الهمزة مضمومة وقبلها فتحة، والضمة أقوى، فكُتبت (أسوؤهم) فالتقى مثلان أحدهما صورة للهمزة فحُذف.
وبعضهم لا يبالي اجتماعهما فيكتبها (أسوؤهم).
وآخرون لا يعتدّون بما اتصل بالكلمة في آخرها، فيجعلونها في حكم المتطرفة فيكتبونها (أسوأُهم). ففيها كما ترى أوجه ثلاثة.
- س: ما الصواب (كئابة) أم (كآبة)؟
ج: المتقدمون يكتبونه (كئابة) من غير سنّ، ولكن لا تمثيل لها في المِجسّات الحاسوبية. وذلك أن أصلها (كأابة) فكرهوا التقاء مثلين أحدهما صورة للهمزة فحذفوه فصارت (كئابة). وهو رسم المصحف. ومن قياسه رسم (ءامن) و(قرءان) هكذا.
والمتأخرون ينقلون الهمزة إلى الألف بعدها ويصوّرونها مدّةً اختصارًا فيكتبونها (كآبة) كما يكتبون (آمن) و(قرآن) كذلك. وهو المأخوذ به.
- س: أيٌّ الصواب في الرسم (مفاجَئات) أم (مفاجَآت)؟
ج: تكتب في الرسم القديم (مفاجَئات)، ولكن من غير سنّ. وأصلها (مفاجَأات)، فالتقى حرفان متماثلان أحدهما صورة للهمزة وكرسي لها، وهذا مستثقل، فحُذف فصارت (مفاجءات) فوُصل ما قبلها بما بعدها. ويجوز كتابتها بسنّ (مفاجَئات) ليكون حيّزًا لها.
والمتأخرون يكتبونها (مفاجآت) لأن من قياسهم إذا وقعت همزة وبعدها ألف أن ينقلوا الهمزة ويجعلوها مدّة فوق الألف اختصارًا. ومثله (قُرآن).
ولكن يشكل على هذا أنهم خصوا ذلك بالألف دون الواو والياء، إذ يلزمهم أن يكتبوا (شئون) بنقل همزتها وجعلها مدّة فوق الواو. وكذلك (زئير) ونحوها إلا أن يدعوا الفرق، ولا فرق ظاهرًا.
- س: ما الصواب في الرسم (مسألة) أم (مسئلة)؟
ج: في رسم (مسألة) وجهان:
الأول: كتابتها (مسئلة). وهذا هو حاقّ القياس فيها. وهو أقدم الوجهين لأن تخفيفها (مسَلة). والرسم موضوع على مراعاة مذهب التخفيف، ولكن يلزم من يكتبها هكذا أن يكتب (يسأم) و(يلؤم) و(يزئر) هكذا (يسئَم) و(يلئُم) و(يزءِر).
الثاني: كتابتها (مسألة). ويمكن أن يُحتج له بثلاثة أمور:
1- أن الكسائي والفرّاء يجيزان تخفيف (مسألة) إلى (مساْلة) بإبدال الهمزة ألفًا. وقد حُكي في (المرأة) و(الكمأة) (المرَاْة) و(الكماْة)، فتكون بذلك جارية على مذهب التخفيف.
2- أنها رسمت في بعض نُسخ المصحف في موضع واحد على ألف. وذلك في قوله تعالى ((يسألون عن أنبائكم)).


3- أنّ رسمَها كذلك جارٍ على سَنن قاعدة الأقوى التي أقام دعامتَها بشير سلمو. وهي من ما يسهّل الإملاء ويقرّبُه للمتعلِّم. وهذا غرضٌ مطلوبٌ.
- يجوز في رسم الهمزة في نحو (شئون) و(رءوف) ثلاثة مذاهب:
1- رسمها على واو، فتجتمع واوان فتُكتب هكذا (شؤون) (رؤوف). وهو مذهب العراقيين والشاميين اليومَ.
2- حذف الواو التي هي صورة للهمزة كراهية لاجتماع الأمثال كما كُره ذلك في (ساءَل)، فتكتب هكذا (شئون) (رءوف). وهو مذهب أكثر العلماء. وعليه رسم المصحف. وبه صدر قرار مجمع اللغة بالقاهرة. وهو الشائع في رسم المصريين اليوم. وهو الذي أرجّحه.
3- حذف واو المدّ فتُكتب هكذا (شؤن) (رؤف). وفيه إلباس، مع أن الوجه حذف الواو التي هي صورة للهمزة لا واو المدّ. وهو غير مستعمل الآن إلا ما وجدته من بعض علماء الجيل المنصرم كمحمد محيي الدين عبد الحميد في نشرته لـ"شرح الحماسة" للتبريزي.
- يجوز في رسم (مَئُونة) ثلاثة أوجه:
١- (مئونة). وهو المختار.
٢- (مؤونة).
٣- (مَؤُنة).
وفيها لغة ثانية، وهي (مُؤْنة) على وزن (غرفة). وأنشدوا لها شاهدًا من الشعر. ويحتاج ثبوتها إلى بحث. وكثيرًا ما يرسم المتقدمون (مَئونة) هكذا (مَؤُنة) على الوجه الثالث فيضبطها المحققون خطئًا (مُؤْنة).
ويظهر أن (مُؤْنة) على زنة (غُرفة) قد اشتهرت في العصر العباسي كما يدلّ على هذا بعض شعر أهل ذلك العصر. ومن الغريب ما وجدته من اضطراب اختيار عبد السلام هارون بين هاتين اللغتين وأوجه رسمها في صفحات متجاورة من "الحيوان":
الصورة
الصورة

- أسهل القواعد التي تضبط كتابة الهمزة المتوسطة هي التي صدرَ بها قرار مجمع القاهرة في الدورة السادسة والأربعين. وما سوى ذلك فعسِر لا يكاد يُحفظ.
- الأصوب كتابة (هيئة) هكذا مراعاة لمآلها عند التخفيف. ومن المعاصرين من يكتبها (هيأة). وهو ضعيف. ويُخرّج على أوجه:
١- أن يكون على مذهب من يلتزم كتابة الهمزة على الألف مطلقًا. وهذا مذهب قديم، ولكنه مهجور مطّرَح.
٢- أن يكون من من يراعي مذهب التخفيف، فيكتبها كذلك على لغة من يخففها إلى (الهيَاة). وهي لغة حكاها الكسائي وسيبويه، ولكن يلزمه أن يكتب (سَوأة) هكذا.
٣- أن يكون من من يلتزم قاعدة الأقوى مطلقًا، فيلزمه أن يكتب (سوأة) و(الخَطيأة) و(الحُطيأة) هكذا. وهذا لا يقول به أحد يعول عليه.

الاثنين، 10 يوليو 2017

مسائل إملائية متفرقة في الهمزة المتطرفة

نُشر مفرّقًا في ملتقى أهل اللغة وآسك وفسبك في أوقات مختلفة. وبعضه لم يُنشر من قبل.
- تُرسم الهمزة المتطرفة المفتوح ما قبلها على الألف أبدًا أيًّا كانت حركتها، فتكتب (هذا خطَأٌ - رأيت الخطَأَ - أصلحت من الخطأِ) هكذا. ولا ترسمها (من الخطإِ) لأن الهمزة المتطرفة لا تُراعى حركتها البتة، وذلك من جهة أن الرسم مبنيٌّ على الابتداء والوقف لا على الوصل، فإذا رسمتَها تحت الهمزة (من الخطإ) فقد راعيتَ وصلَها فاعتددت بحركتها، وهي الكسرة. وهذا مخالف للقاعدة. على أنه ينبغي إذِ اعتددت بوصلها أن تكتبها (من الخطَئ). ويلزمك فوق هذا كما راعيتَ الكسرة أن تراعي الضمة فتكتبها (هذا خطؤ). ويلزمك أيضًا لوازم أخرى معروفة.
وليس يجوز قياسها على الهمزة الابتدائية لأن الهمزة الابتدائية جارية على قياس الرسم، وهو أنه مبني على الابتداء والوقف، وذلك أن حركتها تُعرف في حال الابتداء بها والوقف عليها خلافًا للهمزة المتطرفة إذ لا تُعرَف حركتها إلا بمراعاة وصلها.
- يُكتب الأمر والمضارع المجزوم من (نأى) ونحوه هكذا (انْء) (لم يَنْء) لأن الهمزة متطرفة وما قبلها ساكن. وبعضهم يراعي الأصل، وهو كونها متوسطة قبل الحذف، فيكتبها (انْأ) (لم ينأ). ولا أستحسن ذلك.
- إذا اتصل بالهمزة المتطرفة ضمير أو علامة تثنية أو جمع فإنها تأخذ حكم المتوسطة على الراجح نحو (هذا خطؤك، ورأيت خطأك، وعجبت من خطئك). وهو مذهب أكثر المتقدمين والمعاصرين. وبه صدر قرار مجمع القاهرة. ومن العلماء من لا يعتدّ بما اتصل بها فيجري عليها حكم الهمزة المتطرفة فيكتبها (هذا خطأُك، ورأيت خطأَك، وعجبت من خطأك). وعليه بعض المعاصرين.
- أرى رسم الهمزة المتطرفة المفتوح ما قبلها إذا كانت منصوبة منونة كهذا المثال (خطَئًا). وذلك أن أصله (خَطَأا) فالتقت ألفان إحداهما صورة للهمزة فحذفت كما هو القياس في نحو (ساءَل) و(رءوف) إذ أصلهما (ساأل) و(رؤوف)، فصارت (خطءا) ووُصل ما قبلها بما بعدها على حد القياس كما فُعل بـ(شءون) ووُضع لها سِنّ ليكون حيّزًا لها فصارت (خطَئًا). ومثله أيضًا (مبتدءًا) إذ أصله (مبتدأًا) ثم (مبتدءًا).
وأكثر العلماء يرسمونها بألف واحدة (خطأً) ويضعون الهمزة عليها. ويُنتقَد هذا المذهب بأن فيه خروجًا عن القياس لأنهم لما التقت ألفان حذفوا الألف المبدلة من التنوين. والوجه أن تُحذف الألف التي هي صورة للهمزة كما تُحذف في (ساءَل) وغيرها.
وبعضهم يرسمها بألفين (خطأا). ويُنتقَد بأن فيه التقاء مثلين أحدهما صورة للهمزة. وهو مكروه في الرسم.
- لا يجوز في اصطلاح الإملاء المعاصر رسم (سيّء) و(طيّء) هكذا، بل ترسم (سيّئ) و(طيّئ)، ولكن يظهر لي أن قياس من يكره من المتقدمين التقاء المثلين إن كانا ياءين كما يكرهه في الألفين والواوين فيرسم (إسراءيل) هكذا أن يكره ذلك في (سيّئ) إذ لا فرق بينها وبين وبين (إسراءِيل) إلا في التطرف، وهو فرق غير مراعًى لأنهم يرسمون (مقروء) و(السماء) من غير ألف، وأصل قياسها أن تُرسم (مقروؤ) و(السماأ). وفرقُ ثانٍ، وهو أنها مشددة، وهو غير مراعًى أيضًا لأنهم يرسمون (التبوّء) بواو واحدة مع تشديدها.
فإن صحّ هذا - وأرجو أن يكون صحيحًا - فهو مذهب قديم لبعض المتقدمين، ولكنه كالمطّرح في عصرنا. على أنه يلزم من أخذ به مستصحبًا حجّته أن يطرد هذا فيرسم (إسراءيل) و(جزءِيّ) ونحوهما بياء واحدة.
ولعلي أظفر في مستقبل الأيام بنصّ يجلو يقين هذه المسألة.

مسائل إملائية في باب الفصل والوصل

نُشر مفرّقًا في ملتقى أهل اللغة وآسك وتويتر وفسبك في أوقات مختلفة. وبعضه لم يُنشر من قبل.
- س: هل صحيح أن وصل (إن شاء الله) بهذه الصورة (إنشاء الله) يعني أن القائل أنشأ اللهَ وأوجدَه؟
ج:- لا يجوز وصل (إن) بـ(شاء) لأنهما كلمتان منفصلتان، غير أن الوصل على خطئه لا يوجب هذا المعنى المذكور لثلاثة أمور:
الأول: أنَّ المصدر قد يضاف إلى فاعله كما يُضاف إلى مفعوله، فجائِز أن يكونَ معنى (إنشاء الله) أن المنشئ هو الله كما قال تعالَى: ((إذا جاء نصرُ الله والفتح)) وقال: ((ولا ينفعكم نصحي)) وقال: ((ألئك يرجون رحمةَ الله)).

الثاني: أنَّ كلمةَ (إنشاء الله) قد تجيءُ بعد قولك مثلاً: (سأذهب إنشاء الله)، فلا يصِحّ احتمالُها ما زعموه من المعنَى لأن الفعل (أذهب) فعلٌ لازمٌ لا ينصب مفعولًا.

الثالث: أنا لو سلَّمنا بأنَّ هذه الكلمة لا تنفكّ عن هذا المعنَى المحظور شرعًا فإن كَتبَ الكاتب لها على هذه الصورة ناشئ عن جهله بمبحث الوصل والفصل لا عن إرادة منه لهذا المعنى المنكَر.
- س: كيف يُرسم نحو (أربعمئة) بالوصل أم بالفصل؟
ج: في رسم (أربعمائة) ونحوها على هذه الصورة خروج عن القياس من وجهين:
الأول: زيادة الألف في (مائة).
الثاني: وصل (أربع) بـ(مائة).
أما الألف فالرأي حذفها. وبه قال المبرد وأبو حيان. ويكاد ينتهي إليه رأي المعاصرين.
وأما الوصل فلا مسوّغ صحيحًا له.
وإذن تكتبها (أربع مئة) بالفصل. وكذلك سائر أخواتها. وهو رأي مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
- س: ما الرسم الصحيح لـ(معديكرب
ج: من يُعربه إعراب الممنوع من الصرف، وهو اللغة العُليا، يجعله كلمة واحدة (معدِيْكرب) لأنه مركب مزجيّ.
ومن يضيف أول جزأيه إلى الثاني يكتبه (معدِيْ كرب) لأنه حين إذ كلمتان.
- الراجح في رأيي فصلُ (مَن) و(ما) الموصوليتين والشرطيتين والاستفهاميتين عن حروف الجرّ (في) و(مِن) و(عن) إذا دخلت عليهما، فتكتبها (في مَن) (في ما) (من مَن) (مِن ما) (عن مَن) (عن ما). وهذا قول أبي جعفر النحاس في هذه المواضع كلها. ورأى فصل أكثرها أو بعضها ابن الدهان وابن عصفور وأبو حيان في تفصيل يطول ذكرُه. وخالف في ذلك آخرون فرأوا الوصل في هذه المواضع جميعًا، منهم ابن قتيبة. وكذلك الزجاجي وابن مالك وغيرهما في بعضها. وعلى هذا الإملاء الحديث.
وعلة ترجيح مذهب الفصل في جميع هذه المواضع البقاءُ على الأصل، وهو أن كل كلمة تُرسم منفصلةً ما لم يوجد موجب لوصلها بما يجاورها. ولا موجب صحيحًا ها هنا يمكن طرده على نظائره.
-المشهور وصل (كي) بـ(لا)، فتُرسم (كيلا). وأنا أرجح الفصل (كي لا) لأنهما كلمتان مستقلتان لا مسوغ كلّيًّا لوصلهما. وهو قول ابن قتيبة وأبي جعفر النحاس.
- أرى رسم (حينئذٍ) هكذا (حين إذ) خلافًا للمشهور لأنهما كلمتان منفصلتان. وكذلك نظائرها، وذلك أنه لم يعرض فيها ما يوجب الوصل. وقد نص على ذلك ابن بابشاذ، وذكر أنها توصل إذا بنيتَ جزأها الأول على الفتح على إحدى لغتَيها.
- س: لمَ لا تُفصل الواو عن ما بعدها نحو (وقالَ) مع أنها كلمة مستقلة؟

ج: صحيح أنها كلمة مستقلة، ولكن من موجبات وصل الكلمة بما قبلها أو ما بعدها أن لا يمكن الابتداء بها والوقف عليها لكونها على حرف واحد كواو العطف وفائه ولام الجر وبائه. فإن كانت على أكثر من حرف فُصلت نحو (قد قال).

الأحد، 9 يوليو 2017

مسائل إملائية في الشكل

نُشر مفرّقًا في تويتر وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- من العلماء من يرى الضبط التامّ لكلِّ حرفٍ ما يُشكِل منه وما لا يُشكِل. وقد ذكر ياقوت في تَرجَمةِ عليِّ بن زيد القاشانيِّ (ت بعد 411) أنه (صاحب الخطِّ الكثير الضَّبْطِ المعقَّد. سلكَ فيه طريقة شيخِه أبي الفتحِ) [معجم الأدباء 4/ 1759]، فهذا يدلّ على أن ابن جني كان يرى هذا الرأي.
ومنهم من يرى الاقتصار على ضبط ما يُشكِل. وقد نقل ابن السراج عن أبي محمد اليزيدي (ت202) أن الإيجاز في الضبط أحسن، وذلك قوله: (فإذا جاء شيء يُستدل بغيره عليه تُرك [أي ضبطُه] للإيجاز). ومثّلَ لهذا.
والمذهب الثاني أسَدّ وأجودُ، فينبغي أن يُضبط من الأحرف ما يُخشى زللُ كثير من أوساط قرّائِه فيه عادةً أو أن يُبطّئ من تحدّر قارئه في قراءته بسبب حاجته إلى التأمّل في النصّ للاهتداء إلى صواب الضبط. وهذا أمر تقريبيّ لا حدّ قاطع له.
- من المؤسف أن تُضطرّ أحيانًا إلى الاستعانة بالترجمة الإنجليزية لعلَمٍ عربيٍّ لتتعرَّف ضبطَه! أفليس في العربيَّة من الشَّكل ما يؤدّي هذا الغرض، فلِمَ لا يُوضَع؟!
- إذا دخلت لام التعريف على كلمة أولها لام، فحق الشدَّة أن توضع على اللام الثانية كـ(اللَّيل) لأن الأولى مدغمة فيها إذْ كانتا متماثلتين. وقد كان الوجه في الإملاء أن تكتب بلام واحدة مشددة (الّيل) كما تكتب (شَدْدَ) هكذا (شدَّ)، ولكنهم عدُّوا لام التعريف كالكلمة المستقلّة فألحقوها بنحو (بل لّا).
- س: ما القول في ضبط (الْلَذان) هكذا بسكون على اللام الأولى وفتحة على اللام الثانية؟
ج: إذا التقى مِثلانِ وجبَ إدغامُ أحدِهما في الآخَرِ، فإن كانا في كلِمة رُسِما حرفًا واحدًا مشدَّدًا نحو (جلَّ)، أصلُها (جَلْلَ). وإن كانا في كلمتينِ أو شِبههما رُسِما حرفينِ الثاني منهما مُشَدَّدٌ نحو ((بل لَّا يخافون الآخرةَ)). ولا تنطِقُها ثلاثَ لاماتٍ لأن اللام الأولَى جُعِلت لامًا مُدغمةً في اللام الثانية، كما أنك لا تنطقُ النونَ في نحوِ ((فمن يَّعمل)). ولو قرأتَها كما هو مقتضَى الخطِّ لنطقتَ نونًا وياءَينِ. وهذا لا يصِحُّ. ومن هذه البابةِ (اللَّذانِ)، فلو كانَت اللامانِ في كلِمةٍ واحدةٍِ لكُتبتا (الَّذانِ)، ولكنَّهم عدُّوهما في كلِمتينِ فتركُوا اللامَ الأولَى إشعارًا بالأصلِ ودلالةً عليه، فلذلك تكتبها (اللَّذانِ).
أما من يكتبها (الْلَذانِ) فمخطئ لأنه لم يُدغِم، ولو أدغَم لشدَّدَ لأن علامةَ الإدغام الشدَّةُ. والإدغامُ هنا واجبٌ لأنهما مِثلانِ.
فإن قالَ: وما يمنع من أن أدغِمها وهي مكتوبةٌ على هذه الصورةِ؟
قيلَ له: لا بُدَّ لك حين إذٍ من وضع الشدَّة على اللام. وهذا اصطلاحُ الكُتَّابِ، قال الخليلُ: (التشديدُ علامةُ الإدغامِ).
فإن قالَ: هَبْ أني لم أدغِم، فأيُّ شيءٍ يختلِف؟
قلتُ: الإدغامُ يوجبُ نطقَ الحرفينِ جُملة واحدةً من غير مُهلةٍ بينهما حتى كأنَّهما حرفٌ واحدٌ. ولهذا زعم بعضُهم أن زمان نطقهما أقصر من زمان النطق بالصوتينِ غيرِ المدغَمين . وآيةُ ذلكَ أنَّك لا تدغِم الواو في نحو ((قالوْا وَما))، فلا تقول: (قالوا وَّما) لأنك لو أدغمتَها لسلبتَها المَدَّ. وهذا مرفوضٌ.

مسائل إملائية في باب الحذف

نُشر مفرّقًا في تويتر وفسبك وآسك في أوقات مختلفة.
- أكثر المعاصرين على رسم (طه) بالحذف، ورسم (ياسين) بالإثبات. وأنا أكتبهما بالإثبات (طاها) و(ياسين). وعليه بعض المعاصرين.
- س: ما علة الحذف في رسم نحو (الله) و(هذا) و(لكن) وغيرها؟
ج: يظهر لي أن هذا من بقايا الرسم القديم لأن العرب لم يكونوا قديمًا يثبتون صورة الألف إذا كانت في وسط الكلمة. فلما راجع الكُتَّاب قوانين الخطّ بعد ظهور الإسلام تكلّفوا حمل الألفاظ على القياس فاستقامت لهم ما خلا بعضَ الألفاظ المشهورة، فإنهم تهيّبوا الإقدام عليها لطول إلفهم لها وكثرة جوَلانها في كتاباتهم فتركوها على حالها كـ(بسم) و(الله) و(الرحمن) و(لكن). ومنها ألفاظ تهيبّوا تغيير صورتها في بادئ الأمر ثم لم يلبثوا أن أقدموا عليها شيئًا بعد شيء كـ(إسماعيل) و(إسحاق) و(الحارث) و(السماوات)، وذلك لأنها أخفتُ ذكرًا وأقلّ سيرورةً من (بسم) و(الله) ونحوهما.
- س: هل يجوز حذف الألف من (باسم الله) إذا لم تُذكر البسملة كاملةً؟
ج: صور البسملة خمس:
الأولى: أن تُذكر كاملةً (بسم الله الرحمن الرحيم)، فيجب حذف ألفها قولًا واحدًا بلا خلاف.
الثانية: أن يُقتصَر على (باسم الله) دون (الرحمن الرحيم). وفيها قولان:
الأول: أنه لا يجوز حذفُها. وهو قول الجمهور.
الثاني: أنه يجوز حذفُها وإثباتُها. وهو قول الكسائي والفرّاء.
الثالثة: أن يضاف (الاسم) إلى غير لفظ (الله) نحو (باسم الرحمن) أو (باسم ربِّك). وفيها قولان:
الأول: أنه لا يجوز حذفُها. وهو قول الجمهور.
الثاني: أنه يجوز حذفُها. وهو قول الكسائيّ. وأنكرَه الفرّاء.
الرابعة: أن يكون العامل المتعلَّق به ظاهرًا نحو (بدأت باسمِ الله)، فلا يجوز حذف الألف بالإجماع إلا أن تقدِّرهما جملتين إن أمكن التقدير. نصَّ على هذا ثعلب.
الخامسة: أن يُجرّ الاسم بغير الباء سواءٌ أأُضيف إلى لفظ (الله) أم أُضيف إلى غيرِه نحو (لاسمِ الله حلاوةٌ على اللسان) و(لاسمِ الرحمن نورٌ)، فلا يجوز حذف الألف بالإجماع.
- كلمة (داوود) أبواو هي أم بواوين؟
- مذهب أكثر المتقدمين على أنه إذا اجتمع حرفا لين متماثلان حُذف أحدهما ما لم يحصل لبس، فيحذفونه من نحو (داوود) و(طاووس) و(يستوون) وغيرها. وبعضهم يرى إثباتهما على الأصل. وهو الراجح.
- س: رأيت بعضهم يثبت ألف (ابن) بعد الكنية نحو (أبو عبيدة ابن الجراح)، فما وجه ذلك؟
ج: هذا مذهب حكاه الزجاجي وابن جني ونسباه إلى بعض كتاب عصرهم. وهو مذهب مرجوح. وحجته أن علة الحذف كثرة الاستعمال، ولم يكثر استعمال الكنية كثرة استعمال الاسم. وفي الردّ عليه تفصيل لا يتسع له هذا الموضع.
- س: هل لرسم كل ما ينطق نحو (هاذا) و(لاكن) وجه سائغ؟
ج: لم أجد أحدًا من المتقدمين أجاز إثبات الألف في (هذا) و(لكن) ونحوهما من الألفاظ المشتهرة. وأجاز ذلك بعض المعاصرين. وهو مقتضى القياس، ولكن يلزم من أخذ به أن يطرد الأخذ بجميع القياس فيثبت كل ما يُنطق فيكتب مثلًا لفظ الجلالة (الله) هكذا (الْلَلاه) بثلاث لامات لأن الحرف المشدد عبارة عن حرفين، وبردّ الألف المحذوفة.
ويلزمهم أيضًا كما أثبتوا كل ما يُنطق أن يحذفوا كل مزيد لا يُنطق كواو (أولئك) و(عمرو) وألف (مائة). وبعضهم لا يلتزم ذلك فيقع في التفرقة بين المتماثلين. فإن هو التزم ذلك كله أحدث رسمًا منكرًا لا تألفه الأعين ولا تقبله الأنفس، وباعد به بيننا وبين إِلف كتب تراثنا.

السبت، 8 يوليو 2017

في كتب الإملاء

نُشر مفرّقًا في آسك وفسبك وتويتر في أوقات مختلفة.
- س: ما أهمّ الكتب المصنّفة في علم الإملاء؟
ج: من أهمّ ما كُتب في الإملاء:
1- باب تقويم اليد من كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة (ت276هـ). وهو أقدم ما وصل إلينا في الإملاء.
2- "الخط" لابن السرّاج (ت316هـ). وهو أقدم كتاب مطبوع في الإملاء. وقد نُشر في مجلة المورد. وطبعتْه أيضًا دار الكتب العلمية غير بعيد.
3- بعض أبواب "صناعة الكتّاب" لأبي جعفر النحاس (ت338هـ). وقد طُبع أيضًا باسم "عمدة الكتّاب".
4- "الخط" للزجاجي (ت340هـ).
5- "الكِتاب" لابن درستويه (ت347هـ).
6- "باب الهِجاء" لابن الدهّان (ت569هـ). وهو باب من "الغرة" له طُبع مستقِلًّا.
7- باب الخط في "الشافية" لابن الحاجب (ت646هـ)، وشرح الرضي (ت686هـ) له.
8- "كتاب الهجاء" لأبي حيان (ت745هـ). وهو جزء من "التذييل والتكميل" له طُبع مستقلًّا.
9- باب الخط في "همع الهوامع" للسيوطي (ت911هـ).
10- "المطالع النصرية" لنصر الهوريني (ت1291هـ).
11- "مشكلة الهمزة العربية" لرمضان عبد التواب (ت1422هـ).
12- "رسم المصحف" لغانم الحمد.
- من ما قد يخفى علمُه أن لابن جني رسالتين مطبوعتين في (الإملاء) هما الألفاظ المهموزة، وعقود الهمز. وقد حققهما مازن المبارك.
- هذا الكتاب من أنفع كتب الإملاء ولا سيما لغير المتخصصين إذ جمع فيه مؤلفُه الإملاء وتاريخه ومشكلاته والشكل والترقيم والخط، مع سهولة أسلوبه ووضوح عرضه:

الجمعة، 7 يوليو 2017

مسائل إملائية في باب الزيادة

نُشر مفرّقًا في تويتر وآسك في أوقات مختلفة.
- في العربية حروف تُكتب ولا تنطَق، منها ألف الفصل أو الألف الفارقة التي تلحق الواو. وقد اختلف العلماء في مواضعها، فبعضهم يكتبها بعد كل واو نحو (ضربوا، هو يرجوا، بنوا فلان). وهو مذهب متقدِّمي الكتَّاب. وصحَّحه الكوفيون. وعليه رسم المصحف. وبعضهم يقصرها على واو الجماعة التي تلحق الأفعال نحو (ضربوا). وهو مذهب متأخر عن المذهب الأول، ولكن الناس آثروه وحملو العامّةَ على الأخذ به مع ما في ذلك من الشطَط ومن تجشُّم الكلفة في التفرقة بين الواو الأصلية وواو الجمع، ثم ألزموهم معرَّة الخطأ في ذلك وعابو عليهم الوقوع فيه مع أنا لا نرى لهذه الألف علّة صحيحة ولا غرضًا قائمًا. وكلّ اعتلالاتهم لذلك ضعيفة واهية.
والذي أقترحه أن تُحذف هذه الألف من جميع هذه المواضع. وكما جاز لمن قبلنا أن يعدِلو عن المذهب الأول إلى الثاني وهو مذهب مخترَع، كذلك يجوز لنا أن نئُوب إلى القياس فنطّرحها. ويؤنس بهذا قول الزجاجي في "الخطّ": (وكان جماعة من متقدِّمي الكُتَّاب يكتبونه كلّه بغير ألف على الأصل) وقول ابن بابشاذ: (والمحققون من أصحابنا لا يثبتون ألفًا في جميع ذلك). وإلى هذا ذهب بعض المعاصرين. ويعجبني قول المبرّد حين ناظر ثعلبًا في كتابة (الضحى) بالياء فاحتج عليه بأنهم توهمو أن أصلها ياء، قال: (أفلا يزول هذا الوهم إلى يوم القيامة؟). وكذلك نقول: أفلا تزول هذه الألف التي لا معنى لها إلى يوم القيامة؟
وقد أسقطتُ هذه الألف من جميع كلامي السابق لأريَك أن المعنى لا يحتاج إليها في شيء.
- استقرّ الإملاء على زيادة حروف لا تنطق في سبعة مواضع (مائة) (الألف الفارقة) (أولئك) (أولو) (أولات) (أولَى الإشارية) (عمرو). وأرى حذفها كلها.
تُكتب ميم الجمع المشبعة مضمومة من غير واو على الصحيح، كقوله: (أحبكمُ ما دمت حيًّا، فإن أمت) لأن الرسم مبني على الوقف، والإشباعُ يحذف حين إذ.

الخميس، 6 يوليو 2017

علة زيادة واو (عمرو) والرأي في حكم زيادتها

في الزيادة الإملائية
نُشر أوله في تويتر في 17/ 7/ 1434هـ، وآخرُه في فسبك في 6/ 4/ 1438هـ.
من أوهام الإملاء الفاشية زعمهم أن علة زيادة الواو في (عمرو) هي مخافة التباسها بـ(عُمَر). والعلة الصحيحة لذلك أن لحاق الواو للأعلام سنّة معروفة في النبطية انسربت قديمًا إلى العربية كما دلّت على ذلك النقوش المكتشفة، فلما راجع الكُتَّاب قوانين الخطّ بعد ظهور الإسلام تكلّفوا حملها على القياس فاستقامت لهم ما خلا بعضَ الألفاظ المشهورة، فإنهم تهيّبوا الإقدام عليها لطول إلفهم لها وكثرة جوَلانها في كتاباتهم فتركوها على حالها. ومنها (عمرو). وكذلك (بسم الله الرحمن) و(لكن) و(هذا) ونحوها، فإنهم كرهوا أن يردوها إلى القياس فيلحقوها الألفات المحذوفة لشهرتها وكثرة ذكرها. وإنما حُذِفت منها الألف جريانًا على الرسم القديم إذ كانوا لا يكتبونها إذا كانت في وسط الكلمة. ومثلها كتابتهم (الحرث) و(ملك) و(إسمعيل) و(إسحق) يريدون (الحارث) و(مالكًا) و(إسماعيل) و(إسحاق) إلا أن هذه الألفاظ حيث كانت أقل ذكرًا لم يلبثوا أن راجعوا فيها القياس بعد العصور الأُوَل فألحقوها الألفات المحذوفة.
ويدلّك على بطلان علتهم في (عمرو) أن (عمرو) أقدم من (عُمَر)، وقد رأيناهم في النقوش القديمة يلحقونها الواو. وذلك قبل أن ينشأ لفظ (عمَر) ويشيع. على أن (عمرو) هو الأصل والأكثر، و(عُمَر) هو الفرع والأقلّ، فكان الوجه أن يكون هو الذي تلحقه الواو.
هذا والأعلام المحتملة اللبس عندهم كثيرة كـ(سَليم) و(سُليم) و(عَقيل) و(عُقيل)، فما بالهم اختصُّوا (عمرو) بالواو دون سائر الألفاظ؟ كما أنا لا نفهم وجه العلاقة بين رفع اللبس واختيار الواو سبيلاً إلى هذه العلة!
ومهما يكن فالذي أراه أن تحذف هذه الواو ويعتاض منها بالشَّكل إن خُشي اللبس بينه، وبين (عُمر). وهذا هو حاق القياس. وهو قول قال به جمع من المعاصرين. وأقدم من وجدته أجازه من المتقدّمين أبو العباس المبرَّدُ (ت285)، بل جعلَه هو الصواب، قال: (فمن اتبع الكتّاب كتب (مائة) كما يكتبون. ومن "آثر الصواب" كتبها بياء واحدة وهمَزَها. "وكذلك عَمْر"). وتبعه على ذلك تلميذ تلاميذه أبو جعفر النحاسُ (ت338)، وجعلَ الشكل مغنيًا عن الواو، قال: (فإن شكلت (عَمْرًا) في موضع الخفض والرفع لم تُلحق فيه واوًا لأنه لا يُشكل بـ(عُمَر) ).
وهذان النصّان نادران إذ لم أرَ من احتجّ بهما على تقدّمهما، وإنما يحتجّون في ما رأيت بنصّ لابن الدهّان (ت569) وهو قوله: (وبعضهم يستغني بتسكين الميم، أو بفتحة العين عن الواو). وهو متأخّر عنهما.

كيف تفرق بين الضاد والظاء؟ ومسائل أخرى في هذا الباب

نُشر أصله في ملتقى أهل اللغة في 19/ 7/ 1429هـ.
مسألة التفريق بين الضاد والظاء من المسائل التي لم تزل مشكلة على الناس قديمًا وحديثًا. ولذلك ألف فيها بعض العلماء كتبًا مستقلّة كأبي عمر الزاهد والصاحب بن عباد والصقلي والزنجاني وابن الدهان والأنباري وابن مالك وغيرهم.
ويُمكن إجمال طرق التفريق بينهما بثلاث طرق:
الأولى: حفظُ الكلمات التي فيها ظاء لأنها الأقلّ. والمستعمل المتعاوَر منها دون ذلك. فإذا حفظتَها علمتَ أن ما خلاها يُكتب بالضاد. وأوسع من حصرها في كلام العرب عامةً يوسف المقدسي في كتابه "الظاء". وهو مطبوع. ونظم أشهرَها في كلام العرب الحريريُّ في "المقامة الحلبية" وابنُ جابر الأندلسي أيضًا. ونظمَ الظاءات في كتاب الله تعالى الدانيُّ في أربعة أبيات شرحها بعض العلماء.
وهذه منظومة الحريريّ:
أيها السائلي عنِ الضّـادِ والظّـاء لكَـيْـلا تُضِـلّـهُ الألْـفـاظُ
إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيـكَ فاسمـعها استِماعَ امـرِئٍ لـهُ استيقـاظُ

هـيَ ظَمْيـاءُ والمظـالِـمُ والإظْلامُ والظَّلْـمُ والظُّبَـى واللَّـحـاظُ
والعَظا والظّليمُ والظبـيُ والشّـيْظَمُ والظّـلُّ واللّظـى والشّـواظُ
والتّظَنّي واللّفْـظُ والنّظـمُ والتـقريظُ والقَيـظُ والظّمـا واللَّمـاظُ
والحِظا والنّظيرُ والظّئـرُ والجـاحِـظُ والنّاظِـرونَ والأيْـقـاظُ
والتّشظّي والظِّلفُ والعظمُ والظّـنبوبُ والظَّهْرُ والشّظا والشِّظـاظُ
والأظافيـرُ والمظَفَّـرُ والـمـحْظـورُ والحافِظـونَ والإحْـفـاظُ
والحَظيـراتُ والمَظِنّـةُ والظِّـنّةُ والكاظِـمـونَ والمُـغْـتـاظُ
والوَظيفـاتُ والمُواظِـبُ والكِـظّةُ والإنتِـظـارُ والإلْـظــاظُ
ووَظيـفٌ وظـالِـعٌ وعظـيـمٌ وظَهيـرٌ والـفَـظُّ والإغْــلاظُ
ونَظيفٌ والظَّرْفُ والظّلَفُ الظّـاهِـرُ ثـمّ الفَظيـعُ والـوُعّـاظُ
وعُكاظٌ والظَّعْنُ والمَـظُّ والحـنْظَـلُ والقارِظـانِ والأوْشــاظُ
وظِرابُ الظِّرّانِ والشّظَـفُ البـاهِـظُ والجعْـظَـريُّ والـجَـوّاظُ
والظَّرابيـنُ والحَناظِـبُ والعُـنْظُـبُ ثـمّ الظّيّـانُ والأرْعـاظُ
والشَّناظِي والدَّلْظُ والظّأبُ والظَّبْظـابُ والعُنظُـوانُ والجِنْـعـاظُ
والشّناظيـرُ والتّعاظُـلُ والعِـظْلِـمُ والبَظْـرُ بعْـدُ والإنْـعـاظُ
هيَ هذي سِوى النّـوادِرِ فاحفَـظْهـا لتَقْفـو آثـارَكَ الحُـفّـاظُ
واقضِ في ما صرّفتَ منها كما تقضيهِ في أصْلِهِ كقَيْـظٍ وقاظـوا
وتزيد على هذا بأن تحفظ الكلم التي وردت بالضاد والظاء باتفاق الوزن والمعنى. وقد عقد لها ابن مالك فصلًا في كتابه "وفاق المفهوم"، والتي وردت بالضاد والظاء باتفاق الوزن واختلاف المعنى. وأفضل الكتب في ذلك "الاعتماد في نظائر الظاء والضاد" لابن مالك.
الثانية: كثرةُ النظرِ في الكتبِ والتفكّر في الكلمةِ قبل كتابتِها، فإن من طال نظره في الكتب يبعُد أن يُسيغ كتابة (الظبي) بالضاد هكذا (الضبي) لأن إلفَه حريّ أن ينكره لغرابته.
الثالثة: النظر في تصريف الكلمةِ واستدعاء نظائرِها في الاشتقاقِ، فإذا مرّت عليك كلمة (ظلمات) فلم تدرِ كيفَ تُكتب فانظر في اشتقاقها وتصاريفها تجد أنها من (أظلم يظلم فهو مظلم، وهي ظلمة) فقد تدلك معرفتك برسم سائر تصاريفها إلى معرفة رسمها. ومثال آخر كلمة (الظِّلال) فإن مفردها (ظِلّ)، ومن تصاريفها (المِظلّة) فتقطع بذلك أنها بالظاء لا بالضاد خلافًا لـ(الضَّلال) الذي هو ضد الهدى.
* مسائل متفرقة:
نُشر بعضها في تويتر، وبعضها لم يُنشر من قبل.
- التفرقة بين الضاد والظاء ليست مسألة إملائية في الأصل، وإنما هي مسألة لغوية، وذلك أن موضوع علم الإملاء هو بيان مدى التطابق بين اللفظ والرسم. وما يُرسم بالضاد من كلام العرب يُنطق نطقًا مخالفًا لما يُكتب بالظاء، ولكنْ لما كان الناس ينطقون الضاد والظاء نطقًا واحدًا التبس أمر رسمهما عليهم، فصارتا كأنهما حرف واحد له أكثر من صورة كالهمزة والألف. ولهذا تُلحق هذه المسألة بعلم الإملاء.
- يقال: (قرائن متضافرة) ونحوُ ذلك بالضاد على الأفصح، من (ضفْر الشعر والحبل)، وهو فتلُه. ومنه (الضفيرة). وحكى الصغاني مجيئها بالظاء، فتقول: (قرائن متظافرة). والأول أجود.
- (ضفيرة) الشَّعر، وجمعها (ضفائر) بالضاد لا بالظاء.
- من أشهر ألفاظ الضاد والظاء التي يخلط الناس بينها:


1- (الضَّلال) ومشتقاتها كـ(ضلّ يضلّ وضالّ ومضلّ) ونحوها بالضاد. و(ظلّ الرجل يفعل كذا يظَلّ) و(الظلِّ) أيضًا وجمعه (الظِّلال) بالظاء.
2- (الضمّ) ومشتقاته كـ(الانضمام وانضمّ ومنضمّ ويَضُمّ) بالضاد. و(النّظام) ومشتقاته كـ(نظّم ينظّم) و(تنظيم) و(منظّم ومنظّمة) بالظاء. 
3- (الحَضّ) بمعنى الحثّ على الشيء، ومشتقاتُه كـ(التحضيض) بالضاد. و(الحَظّ) بمعنى البَخْت ومشتقاته كـ(حُظوظ ومحظوظ) بالظاء. 
4- (الضَّنّ) بالشيء بمعنى البخل، ومشتقاته كـ(الضَّنين). ومنه قوله تعالى: ((وما هو على الغيب بضَنين)) بالضد. و(الظنّ) وهو ما قارب اليقين، ومشتقاتُه بالظاء. 
5- (الغَيض) بمعنى النقصِ، ومشتقاته (كغاض يَغيض). ومنه قولهم: (غَيض من فَيض) بالضاد. و(الغَيظ) بمعنى الغضب بالظاء كقوله: ((والكاظمين الغَيظ)). 
6- (الناضر) بمعنى الحسن المنعَّم، ومشتقاتُه كـ(النَّضرة). ومنه قوله: ((وجوه يوم إذ ناضرة)) بالضاد. و(الناظر) ومشتقاته كـ(نظر ينظر نظرًا) بالظاء كقوله: ((إلى ربها ناظرة)). 
7- (المحضور) بمعنى المشهود، ومشتقاتُه كـ(حضَر يحضر حضورًا، وهو حاضر) بالضاد. و(المحظور) بمعنى الممنوع، ومشتقاتُه كـ(حظرَه يحظره حَظْرًا) بالظاء. ومنه قوله: ((وما كان عطاء ربك محظورًا)).

الجمعة، 30 يونيو 2017

مسائل رسم الهمزة الابتدائية

أصله دروس في الإملاء لم تكتمل نُشرت في ملتقى أهل اللغة من 16/ 8/ 1429هـ إلى 29/ 12/ 1429هـ.
قد علمتَ أنَّ حروفَ العربيةِ تسعةٌ وعشرونَ حرفًا - على الصحيح -، لكلِّ حرفٍ منها صورةٌ خاصَّةٌ بهِ لا تتغيَّرُ، فالعينُ مثلاً صورتُها (ع) والميم (م). والياءُ صورتُها على التحقيقِ (ي) لا (ى) كما يَرسمُها بعضُ أهلِ الأقطارِ لأنَّها إذا كانت تُنقَط في الوصلِ فالقياسُ نَقطُها في الانفصال أيضًا، ولأنَّ في تركِ نَقطها التباسًا لها بالألف المقصورة، والرسمُ مبنيٌّ على إزالةِ اللَّبسِ.
وذلكَ في ما خلا الهمزةَ والألفَ، فإنَّه ليس لهما صورةٌ ثابتةٌ، فأما الألف فيأتي التفصيلُ فيها. وأما الهمزةُ فإنها تُكتبُ مرَّةً (أ) وأخرَى (ؤ) وثالثةً (ئ) ورابعةً (ء)، فهي كما رأيتَ تفتقر في الغالب إلى كرسيٍّ تستوي عليهِ. وهذه صِفةُ ضَعفٍ فيها. وذلكَ أنَّ من العربِ -وهم أهلُ الحجازِ- من يحوّلها غالبًا إلى حرف مدٍّ، فيقولُ مثلاً: (راس) في (رأس) و(مُوَن) في (مُؤَن) و(بير) في (بئْر). فلمَّا ابتدعَ الخليل (ت175) صورةً للهمزةَ، وإذْ كانَ المصحفُ مبنيًّا على مذهب أهل الحجاز في التخفيفِ وضعوها فوقَ ما تُخَفَّفُ إليهِ، فـ(مومنون) [بدون نقط] أصبحت (مؤمنون). ولو رُسِمت على مذهبِ من يُحقّقُ الهمزةَ أي ينطقُها، لوجَب أن تُرسَم على ألفٍ في كلِّ حالٍ وتكون صورتُها أبدًا واحدةً كسائرِ الحروفِ، فتصبح (مؤمنون) (مأمنون)، ولكنهم اتّبعوا في رسمِ الهمزةِ في المصحفِ مذهبَ التخفيفِ حتى لا يغيِّروا في رسمِ المصحفِ بعد ما استقرَّ. ثمّ غلبَ هذا في سائرِ الخطّ لأن رسم المصحف هو الأعرفُ والأشهرُ، فكان لذلكَ أحقَّ بالاتّباعِ. وهذا هو الأصلُ الأولُ من أصولِ الإملاءِ، وهو أنَّ الهمزةَ تُرسَمُ بحسبِ ما تئولُ إليهِ إذا خُفِّفتْ.
فإن قيل: وما فرقُ ما بينَ الهمزةِ والألفِ؟

فالجواب أنهما حرفانِ متباينانِ، لكلِّ واحدٍ منهما مَخرجٌ، فأمّا الهمزةُ فمخرجُها كما يَرى علمُ الأصواتِ الحديثُ الحَنجرةُ. وربما سمَّوها (الألفَ اليابسةَ) إذا رُسِمت على ألفٍ. والألفُ مخرجُها من الجوفِ. ثمَّ انبنَى على اختلافِ حقيقتيهما أن اختُصَّ كلٌّ منهما بخصائصَ، فالهمزةُ لها رسمها الذي ذكرنا، والألف تُرسَم في الأصلِ (ا)، وربَّما رُسِمت (ى)، والهمزة تكون في الكلِمِ أصليةً وزائدةً ومنقلبة عن أصل، والألفُ لا تكون إلا زائدة أو منقلبةً عن أصل، ولا تكون أصليةً. والهمزة يمكن تحريكها، والألف لا تكون إلا ساكنةً مفتوحًا ما قبلها. ولذلكَ لا تقعُ في أولِ الكلمةِ لامتناعِ الابتداء بساكنٍ.

وإذا عرفتَ حقيقةَ الهمزةِ فاعلمْ أنها تقعُ أولَ الكلمة ووسطَها وآخرَها، مثَلُها مثَلُ سائرِ الحروفِ.
أولاً : الهمزةُ في أوَّل الكلمة
اعلمْ أنَّ الأصلَ في الهمزةِ أن تُنطقَ في البدءِ والوصلِ أي إذا بدأتَ بها كلامَك وإذا تقدَّمَها كلامٌ، حالُها في ذلكِ حالُ سائرِ الحروفِ، فتقولُ مثلاً في الاسمِ: (هذا أمرٌ) وفي الفعلِ: (لا أفعلُ) وفي الحرف: (لي أو لكَ)، فقد رأيتَ بالتجرِبةِ أنّك نطقتَ الهمزةَ في الحالينِ حالِ الوصلِ وحالِ البَدءِ. وتسمَّى حينَ إذٍ (همزةَ قطعٍ). وتقعُ في أولِ الكلمةِ ووسطها وآخرِها. فإن وقعت في أولِ الكلمةِ فإنْ كانت مفتوحةً كـ(أَحمد) أو مضمومةً كـ(أُجاج) كُتِبت فوقَها. وإن كانت مكسورةً كـ(إيمان) كُتِبت تحتَها. وإنَّما لزِمت الألفَ لأنَّ الهمزةَ لا تُخفَّف إذا كانت في أوَّل الكلمةِ، فلذلك بقِيت صورتُها واحدةً.
ولكنهم ربَّما احتاجوا أن ينطقُوا الهمزةَ في بعضِ المواضعِ إذا ابتدءُوا بها كلامَهم، فإذا وصلوها بكلامٍ قبلَها حذَفوها ، ويرسُمونها ألفًا من غيرِ همزةٍ (ا)، ويسمّونَها حينَ إذٍ همزةَ وصل. ولا تكون إلا في أوَّل الكَلِمِ، ولا تكون في وسطها ولا في طرَفها. وإنَّما فعلوا ذلكَ لعللٍ ثلاثٍ نذكرُها بعدَ قليلٍ.
فإن قلتَ: ولِمَ جعلوا لها صورةً معَ أنها لا تُنطَق إلا في البدءِ؟
فالجواب أنَّ الإملاء مبنيٌّ على النظرِ إلى حالِ الكلمة في البدءِ والوقفِ. وهذا هو الأصل الثاني من أصولِ الإملاء. وكلُّ ما أولُه همزةُ وصلٍ فإنك إذا ابتدأت به ووقفتَ عليه نطقتَ الهمزةَ كما في (اِسم) و(انطلاق).
- مسائل همزة القطعِ:
- المسألة الأولى: إذا اتصلَ بهمزة القطعِ حرفٌ قبلَها فهل تكون في حُكم المتوسِّطة؟
قد يَلحق بهمزة القطعِ في أوَّلها بعضُ الحروفِ فلا تُغيِّر حكمَ أوَّليَّتِها. وذلك إذا كانت تلكَ الحروفُ في حُكم المنفصِلةِ كحُروف الجرِّ نحو (بِأمنٍ) وحروف الاستفهام نحو (أَأَنت؟) وحروف التنفيسِ نحو (سأُصلّي).
فإن كانت هذه الحروفُ في حُكم المتَّصلة. وآيةُ ذلكَ أنها لا تُعربُ إعرابًا منفصِلاً نحو (يُؤْمن) فإنك تنقُلُ حكمَها إلى حُكمِ المتوسِّطة.
- المسألة الثانية: حُكم وصلِ همزةِ القطعِ:
لا يَجوز وَصلُ همزةِ القطعِ أي حذفُها في درجِ الكلام وكتابتُها كما تُكتب همزةُ الوصلِ إلا في ضرورةِ الشِّعرِ على قبحٍ. ومنه قولُ الشاعر:
* إن لَّم أقاتل فالبِسُوني برقُعا *
* وفتَخاتٍ في اليدينِ أربعا *
يريد فألبسوني.
- عللُ همزة الوصلِ:
زادتِ العربُ في كلامِها هذه الهمزةِ لعللٍ ثلاثٍ هي:
الأولى: التوصُّلُ إلى النطقِ بالساكنِ. وذلك أنَّ مِن الكلمِ كلِمًا مبدوءة بحرف ساكن. ولما كانتِ العربُ لا تبتدئ بساكنٍ اجتلبت همزةً متحرِّكةً لتتوصَّلَ بها إلى النُّطقِ بالسَّاكنِ. فإذا ابتدأتْ بكلامٍ قبلَها حذفتْها لزوالِ الغرضِ منها. وهذا من لطيفِ حكمتِها ومن البرهان على سلامةِ علِلِها.
ويطَّرِدُ هذا في موضعينِ:
الأوَّلُ: أمرُ الفِعل الثلاثيِّ نحو: (اُكتُبْ) وماضي الفِعل الخماسيّ والسداسيِّ وأمرُهما ومصدرُهما، فالخماسيُّ نحوُ (انطلقَ، انطلِقْ، انطِلاق) والسداسيّ نحوُ (استغفرَ، استغفرْ، استغفار). وحِسابُ الحروفِ إنَّما هو للماضي، فـ(اكتبْ) ثلاثيَّة لا رباعية لأن ماضيَها (كتبَ).
فلمّا سكنت أوائلُ هذه الأفعالِ احتاجوا إلى همزةِ وصلٍ قبلَها.
فإن قلتَ: كانَ يُمكِنهم أن يفتحوا أوائلَها فيستغنوا عن اجتلابِ همزةِ وصلٍ لها فيقولوا مثلاً: (نَطَلَقَ) في (اِنطلقَ)، وكانَ يُمكِنُهم أيضًا أن يجعلوا همزةَ الوصلِ همزةَ قطعٍ كما فعلوا في الرباعيِّ مثلِ (أكرمَ).
فيقال: إنَّما صدفُوا عن الفتحِ فرارًا من ثِقَل توالي أربعِ حركاتٍ في الخماسيِّ نحو (نَطَلَقَ) وكراهيةً لاجتماعِ أربعِ حركاتٍ بينها ساكنٌ في الصحيحِ اجتماعًا لا يبرَحُ في السداسيِّ خِلافًا للمبدوء بتاء المطاوعةِ نحوِ (تباعدَ) و(تقطَّعَ)، فإنهما بناءان فرعيَّانِ أصلُهما (باعدَ) و(قطَّعَ).
وأمَّا لِمَ لمْ يجعلوها همزةَ قطعٍ فذلك أنَّهم لو جعلوها كذلكَ لكانَ يجِبُ أن تفيدَ معانيَ كالتعديةِ والاعتقادِ وغيرِها. وهذا مناقِضٌ للمعاني التي تُفيدُها صيغتا الخماسيِّ والسداسيِّ كالمطاوعةِ في نحو (انطلقَ) والطلبِ في نحو (استغفرَ).
وإذا ثبتَ وجهُ العلّةِ في ماضي الخماسيِّ والسداسيِّ فاعلمْ أنَّ الأمرَ منهما والمصدرَ محمولٌ عليهما. وذلكَ أنَّ القاعدةَ توجِب اشتقاقَ فعلِ الأمرِ من المضارعِ بحذفِ ياء المضارعة، فإذا أردنا أن نصوغَ الأمرَ من (ينْطلِقُ) حذفنا ياءَ المضارعةِ فتصبح الكلمة (نْطَلِقْ) ساكنةَ الأوّل فنجتلبُ لها همزةَ وصلٍ. ومثلُ هذا أمرُ السداسيّ وأمرُ الثلاثيِّ. أمَّا المصدَر فمن شأنِهم أن يُعِلّوه بإعلالِ الفعلِ كما قالوا: (لذتُ لِياذًا).
الثاني: الألفاظُ المحكيَّة [أي التي يُراد كتابتُها كما تُنطَق] إذا كان أولُها ساكنًا كحكايتك لفظَ (اِمْحمَّد) في كلامِ العامَّةِ، وكلمةَ (اِقْرُوب) [group] في الإنجليزيةِ مثلاً. وإن شئتَ حذفتَ همزةَ الوصلِ وحكيتَها مبتدأةً بساكنٍ لأنَّ الصحيحَ أنَّ الابتداءَ بساكنٍ ممكنٌ في الواقعِ. وهو كثيرٌ في اللغاتِ الأعجميَّةِ.
العلة الثانية: التعويض عن المحذوفِ. وذلكَ أنَّ في العربيةِ كلماتٍ حَذفت العربُ منها حرفًا للتخفيفِ فبقيت على حرفينِ فأرادت أن تعوِّضَ عن هذا الحرفِ المحذوفِ حرفًا آخرَ فلم تشأ أن يكونَ العِوضُ في درجةِ المعوَّضِ عنه فاختارت همزةَ الوصلِ في نحو (اِسم) لأنها تُنطَق في البدءِ وتُحذَف في الوصلِ. ولهذا نظائرُ منها أنها عوَّضت بالتاءِ المربوطة في نحوِ (عِدة) لأنها ترجع في الوقفِ هاءًا، والهاءُ حرفٌ خفيٌّ مهموسٌ يُشبِه الألفَ. ومنها أنها جمعتْ بعضَ ما حُذِف منه حرفٌ جمعَ مذكر سالمًا ابتغاءَ التعويضِ كما في نحوِ (سنون) و(عِضون) لأنَّ الجمعَ طارئٌ. ومنها أنها أشبعت حركاتِ الأسماء الستّةِ على قول المازنيِّ إذا أضيفت إلى غير ياء المتكلّم لأنَّ الإضافةَ شيءٌ عارِضٌ. ومنها أنها عوضت عن المحذوفِ بالتضعيف كما في (دمّ) و(أبّ) و(أخّ) و(فمّ) في لغةٍ لأنَّه يُحذف في الوقفِ. كلُّ ذلك لكي لا يكون العِوضُ في درجةِ المعوَّضِ عنه. وهذا سرٌّ لطيفٌ لم أجِد من أشارَ إليهِ.
فإذا تبيَّن لك أنَّ من عللِ اجتلابِ همزةِ الوصلِ طلبَ التعويضِ فاعلمْ أنَّ ذلكَ محصورٌ في أسماءٍ تسعةٍ، وهي (اسم واست وابن وابنة وابنم وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان).
فإن قلتَ: قد علمنا أنَّ اسمًا واستًا وابنًا وابنة وابنمًا واثنين واثنتين محذوفة اللامِ، فنحتمِلُ فيها دعوى كونِ الهمزةِ للتعويضِ، ولكنَّ امرأً وامرأة لم يُحذف من أصولهما شيءٌ، فكيف زعمتَ أنَّ الهمزةَ فيهما للتعويضِ؟
فالجواب أن (امرأ) أصله (مرْءٌ) – وهو مستعمَل -، فتصرَّفوا فيهِ كما تصرَّفوا في غيرِهِ فحذفوا اللامَ فقالوا: (مَرٌ) – وهو مسموع -، فلمَّا حذفوا اللامَ أرادوا التعويضَ كما عوَّضوا في (اسم) فزادوا في أوَّلِهِ همزةَ وصلٍ وأعادوا المحذوفَ معًا فصارَ (امْرؤ). وهم من مَّا يفعلُون ذلكَ كما قالَ النابغةُ – وهو من شواهد سيبويه -:
* كليني لهمٍّ يا أُميمةَ ناصبِ *
فغيَّروا الأصلَ، وذلكَ بالحذفِ، ثمَّ بنوا على التغييرِ حُكمًا إذْ زادوا همزةَ الوصلِ، فلمَّا راجعوا الأصلَ بردِّ المحذوفِ لم يغيِّروا الحُكمَ المنبنيَ على التغييرِ، وهو زيادةُ الهمزةِ، أي أنَّ العلةَ زالتْ وبقيَ الحُكمُ. وآيةٌ أخرَى على ذلكَ أنَّ عينَه تتبعَ لامَه في الإعرابِ، تقولُ: (هذا امرُؤٌ ورأيتُ امرَأً ومررتُ بامرِئٍ) لأن العينَ قبلَ استعادةِ المحذوفِ كانت هي محلَّ الإعرابِ.
فإن قلتَ : إنَّه لم يبلغنا عنهم أنهم قالوا: (امْرٌ)، فكيف تزعمُ أنها كانت كذلك ثمَّ راجعوا الأصلَ فقالوا: (امْرؤ)؟
قلتُ: ليس كلُّ تغييرٍ صرفيٍّ ينبغي أن يكونَ استعملته العربُ، ألا ترَى أنك تدَّعي في (خطايا) ونحوِها تغييراتٍ أفضت إليها معَ أنَّ العربَ لم تستعملها. وإنما أدّاك إلى هذا قياسُك على أصولِ العربِ ومقاصدِها التي تنحُو إليها في كلامِها.
أمَّا (امرَأَة) فإنما هي (امرَأ) بزيادةِ تاء التأنيثِ، فلمَّا فتحُوا الهمزةَ لأجلِ تاء التأنيثِ أتبعُوا الراءَ حركتَها ففتحوها للعلةِ التي تقدَّمَ بيانُها.
واعلمْ أنَّك إذا ثنيتَ ما يجوزُ تثنيتُه من هذه الأسماء التّسعةِ أو زدتَّ في آخرِهِ ياءَ النسَبِ فإن همزتَه تبقَى همزةَ وصلٍ، تقولُ: (هذا اسمان وابنان...) و(الجملة الاسمية). فإذا جمعتَ أحدَها جمعَ تكسيرٍ رددتَّ المحذوفَ وحذفتَ همزةَ الوصلِ وزدتَّ في اللفظِ الأحرفَ التي يقتضيها الجمعُ لأنَّ جمع التكسير يرَدُّ الأشياءَ إلى أصولِها نحو (الأسماء) و(الأبناء)، فقد جعلتَها (سمو) و(بنو) ثمَّ صُغتَها على (أفعالٍ) فأصبحت (أسماو) و(أبناو) فأبدلت الواو همزةً لتطرفها بعد ألف زائدة فأضحت (أسماء) و(أبناء)، فالهمزةُ إذًا همزةُ الجمعِ لا همزةُ الوصلِ.
العلة الثالثة: كثرةُ الاستعمالِ.
ويطَّرد ذلك في موضعينِ:
الأولُ: حرفُ التعريفِ (أل)، ويعاقِبُه (أم) في لغة طيِّئ وحمير، تقولُ: (الكِتاب) و(الرَّجل). وفي الحديثِ: (ليس من امبرِّ امصيامُ في امسفرِ). وذلكَ أنَّ الصوابَ أنَّ أصلَها (أل) بالقطع مثلُ (هلْ) وِفاقًا لابنِ كيسانَ، فلمَّا كانت من مَّا يكثرُ استعمالُه في كلامِهم جعلوا همزتَها همزةَ وصلٍ ليكونَ أخفَّ عليهم، يشهدُ لذلكَ أنَّهم أظهروها في بعضِ الألفاظِ كلفظِ الجلالةِ في النداءِ (يا أللهُ) والقسمِ (أفأللهِ). وظهورُها في بعضِ المسموعِ دليلٌ على الأصلِ المتروكِ. ولا يُقالُ: إنّها همزةُ وصلٍ قُطعتْ. لأنَّ ذلك شاذّ، ألا ترَى أنه لو صَحَّ ذلكَ لبلغَنا في الأفعالِ المبدوءِة بهمزةِ وصلٍ ومصادرِها شواهدُ في قطعِها. ولم يبلغنا إلا في ضرورةِ الشِّعرِ. ويشهدُ له أيضًا أنهم فتَحوا الهمزةَ، ولو كانت همزةَ وصلٍ لكانَ القياسُ كسرَها. ثمَّ ليس ببدعٍ أن يّخفف اللفظُ لكثرةِ استعمالِهِ، ألا تراهم حذفوا نونَ (لم يكن) وياء (لا أدري) ونونَ (مِن) في لغةٍ، فلأن يحذفوا الهمزةَ وهي حرفٌ واحدٌ، في الوصلِ فقط أهونُ عليهم وأيسرُ. 
أمَّا كتابةُ بعض المتأخرينَ (البتة) هكذا (ألبتة) وزعمُهم أنَّ الوجهَ فيها القطعُ فخطأ محضٌ ناشئ عن وهمٍ. وليس لِما يدَّعون شاهِدٌ من السَّماعِ ولا عاضدٌ من القياسِ، بل القياسُ يَنفيه أشدَّ النفيِ. كما إنه لا يعرفه السابقونَ الأوَّلونَ من العلماءِ. ولو عرفوه لذكروه ولو واحدٌ منهم. ولعلَّ سببَ هذا الوهم أنَّ الذي أذاعَه قرأ في صحيفةٍ  (البتة: القطع)، وهذا معناها اللُّغويُّ، فتوهَّمها هكذا (البتة بالقطع) أي بهمزة القطعِ.
الثاني: كلمة (ايمُن) في القسمِ وفرعُها (ايم) بحذف النونِ. وذلك أنَّ أصلَ (ايمن) أنها جمع (يمين) وِفاقًا للكوفيِّين، فلمَّا كثرَت في كلامِهم خفَّفوها كما خفَّفوا (أل) التعريفِ، غيرَ أنَّ الأصلَ هنا مستعمَل، فيجوز لكَ أن تقطعَ الهمزةَ فتقول: (أيمُن) و(أيم). وجوازُ قطعِ الهمزةِ شاهِدٌ على أنها جمعُ (يمينٍ). وشاهدٌ آخرُ، وهو فتحُ الهمزةِ. ومن مَّا يدلّك على كثرة دوَران القسمِ في كلامِهم التماسُهم التصرُّفَ والتخفيفَ فيهِ، فقد حذفوا فعلَه واستغنوا عنه بأكثر من حرفٍ، وهي الباء والواو والتاء واللام، وحذفوا خبرَه في نحو (لعمركَ لأفعلنَّ) ولم يعتدّوا بالقسم فاصِلاً في الإضافةِ، وبعد (إذن) الناصبةِ وغيرها. فلأن يحذفوا حرفًا واحدًا من جملةِ القسمِ في الوصلِ فقط أهونُ وأيسرُ.
- مسائلُ همزة الوصل:
- المسألة الأولى: إبدالُ همزةِ الوصلِ إلى همزةِ قطعٍ.
ولذلكَ ثلاثةُ مواضِعَ:
الأول: ضرورةُ الشعرِ كقولِ حسان بنِ ثابت:
وشقَّ له من إسمِه ليُجِلَّه ** فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ
وقولِ جميلِ بثينةَ:
ألا لا أرى إثنينِ أحسنَ شيمةً ** على حدَثان الدهْرِ منِّي ومن جُمْلِ
وقولِ الآخَر:
لا نسبَ اليومَ ولا خُلَّةً ** إتَّسعَ الخَرقُ على الراقعِ
وهذا في ضرورةِ الشعرِ قياسٌ يشمَل كلَّ ما أوَّلُه همزةُ وصلٍ.
الثاني: الأفعال والحروف المبدوءة بهمزة وصلٍ إذا نقلتَها إلى العلميةِ، تقولُ: (هذا محلُّ إِجلِس) و(هذه قناة إقرَأ) و(جاء إستغفِر) في رجلٍ لقِّبَ بهذا لكثرةِ لهَجه بهِذه الكلمة، وتقولُ: (" أل " أداة تعريف) تقطعُها لأنها أصبحت علَمًا.
فإن قلتَ: وما وجهُ علميَّتِها ؟
قلتُ: لأنَّها تنتمي إلى جنسِ الحروفِ، فوسموها بسِمةٍ تتميَّزُ بها عن سائرِ أفرادِها إذا أرادوا الإخبارَ عنها، وذلكَ هو الاسمُ العلمُ عليها. فأمَّا إذا شاءوا أن يخبِروا بها لا عنها كقولِهم مثلاً: (القمَر)، فإنَّها لا تكونُ علَمًا. وآية ذلكَ أنَّك تقولُ: (أل: حرف تعريف) فتخبِرُ عنها. فلولا أنَّها اسمٌ معرِفةٌ لما جازَ ذلكَ.
أمَّا الأسماءُ فلا يَجوز لك أن تقطعَها إذا سمَّيتَ بها لأنه إنما جازَ لك القطعُ في الأفعالِ والحروفِ دونَ الأسماءِ لأنَّ الأفعالَ والحروفَ إذا سُمِّيَ بهما خرجَا إلى حيِّز الأسماءِ فأصبحَ يجري عليهما أحكامُها، والأصلُ في الأسماء القطعُ كما تقدَّمَ.
أمَّا الأسماءُ فإنَّ التسميةَ بها لا تؤثِّرُ في اسميَّتِها شيئًا إذ هي أسماءٌ قبلَ التسميةِ وبعدَها، غيرَ أنها كانت منكَّرةً فأصبحت معرَّفةً. وهذا لا يسيغُ الحملَ على الغالبِ في الأسماءِ لأنَّها استحقَّت النادرَ أولاً، وهو الوصلُ، فإذا عرَّفتَها لم يكن تعريفُك لها سالبًا لها هذا الاستحقاقَ ولا رافعًا عنها هذا الحُكمَ. ولم يمكنهم أن يتجرءوا عليها كما تجرّءوا على الأفعالِ والحروفِ إذْ كانت الأفعالُ والحروفُ قد انتقلت من ديارِها وموطنِها إلى الأسماءِ، والداخلُ على قومٍ ليس منهم يتجرءون عليهِ ما لا يتجرءون على من هو منهم ولا يغفِرون له ما يغفرونه للآخَر كما قالَ خالدُ بنُ نَضلةَ:
إذا كنتَ في قومٍ ولم تكُ منهمُ ** فكل ما عُلِفتَ من خبيثٍ وطيِّبِ
أمَّا الأسماءُ فامتنعتْ منهم لمكانِها من القرابةِ التي تُدلي بها. ولو ساغَ لهم أن يقطعوا همزتَها حملاً على الغالبِ لوجبَ هذا قبلَ النَّقلِ. وهذا لا يجوزُ كما هو معلومٌ.
قال سيبويه: (وإذا سمَّيتَ رجلاً بـ"إضربْ" أو "أقتلْ" أو "إذهبْ" لم تصرفه وقطعتَ الألفاتِ حتى يصير بمنزلة الأسماء لأنك قد غيَّرتَها عن تلك الحال، ألا ترى أنك ترفعُها وتنصبُها. وتقطع الألفَ لأن الأسماء لا تكونُ بألفِ الوصلِ. ولا يُحتجّ بـ"اسم" ولا "ابن" لقلة هذا مع كثرة الأسماء...، وإذا سميتَه "انطلاقًا" لم تقطع الألفَ لأنك نقلتَ اسمًا إلى اسم...، وإذا أردتَّ أن تجعل "اقتربت" اسمًا قطعتَ الألفَ كما قطعتَ ألف "إضرب" حين سمَّيتَ به الرجلَ...، فإذا جعلتَ "إعضضْ" اسمًا قطعتَ الألفَ كما قطعتَ ألف "إضربْ" [الكتاب : 3 / 198 ، 199 ، 256 ، 319].
وقالَ الزجَّاج: (وإذا سمَّيتَ رجلاً "ابنٌ" وصلتَ ألفَه فقلتَ: "هذا ابنٌ قد جاء") [ما ينصرف وما لا ينصرف : 26].
فلذلكَ إذا سمَّيتَ امرأةً بـ(انتصار) أو (ابتهال) أو (ابتسام) لم تقطعِ الهمزةَ كما لا يَجوز لك أن تقطعَ همزةَ (الاثنين) علمًا لليومِ وإنِ ادَّعى ذلك مَن ادَّعى. وهذا هو الثابتُ قياسًا - كما مرَّ - وسَماعًا كما في مُعجَماتِ اللُّغةِ. ومن مَّا وردَ من الشِّعرِ قولُ حسان:
بأبي وأمِّي من شهدتُّ وفاتَه ** في يومِ الاثنينِ النبيُّ المهتدي
صلَّى الله وسلَّمَ عليه.
ويجوزُ قطعُها في الشِّعرِ كما جازَ قبلَ العلميَّةِ. ومنه قولُ العَرْجيِّ:
بعادلةِ الإثنينِ عندي وبالحَرَى ** يكونُ سواءًا منهما ليلةُ القدْرِ
فإن قيلَ: ولكنَّ الهمزةَ صارت جزءًا من الاسمِ العَلَم.
قلتُ:أجل، هي جزءٌ منه، ولكنَّها تظلُّ همزةَ وصلٍ كما كانت قبلَ النقلِ. وليس شيءٌ يوجب أن يكونَ الجزءُ من العلمِ يُنطَق في البدءِ والدرجِ. ولو قلنا بقطع همزةِ الاسمِ إذا أصبحَ علمًا احتجاجًا بهذه الحُجَّةِ لجازَ هذا أيضًا في الحرفِ فوجبَ أن تقولَ: (ألنُّعمان)، فتقطعَ همزته. وهذا بيِّن البُطلانِ.
ثمَّ إنَّ يوم (الاثنين) لم يَزل علمًا مذ عرفَه العربُ، فأيُّ شيءٍ استجدَّ لدى المتأخرينَ لم يكن في العُصُرِ الخالي!
الثالث: لفظُ الجلالةُ خاصَّةً في موضعينِ، أحدُهما في النداءِ نحو (يا ألله). ويجوزُ فيهِ الوصلُ (يا الله). والثاني في قولهم في القسمِ: (أفأللهِ لأفعلنَّ كذا).
فإذا استبانت لكَ مواضعُ همزةِ الوصلِ وأبصرتَ عللَها علمتَ أنَّ كلَّ اسمٍ أعجميٍّ منقولٍ إلى العربيَّةِ مستعمَلٍ فيها هو في لغتِهِ التي نُقِلَ منها مبتدئ بصوتِ الهمزةِ تُقطَع همزتُه لأنه ليس من مواضعِ همزةِ الوصل التي ذكرنا سواءٌ أكانَ مبدوءًا بساكنٍ نحو (إستراتيجية)، أصلُها (Strategy) أم كان مبدوءًا بمتحرِّكٍ كـ( E) نحو (إلكتروني)، أصلُها (Electronic) وغيرِها. وهذا إذا أردتَّ استعمالَ اللَّفظِ لا حكايةَ طريقةِ نطقِهِ، فإنك إن أردتَّ حكايةَ طريقةِ نطقِهِ فقد ذكرنا خبرَه في ما تقدَّمَ. وإنما وجبَ القطعُ هنا لأنك لمَّا نقلتَه إلى الأسماء العربيَّةِ وأجريتَه مُجراها وجبَ عليكَ أن تحملَه على الغالبِ فيها، وهو القطعُ، كما فعلتَ في الأفعالِ المنقولة إلى العلميةِ.
- المسألة الثانية: إذا اتصلَ بهمزة الوصلِ حرفٌ قبلَها فهل تكون في حُكم المتوسِّطة؟
اعلم أنَّ همزةَ الوصلِ إذا اتَّصلَ بها حرفٌ لا حاجزَ بينها وبينَه، وهو الفاء والواو، فإنك تبقيها على أوَّليتِها ولا تقدِّرُها في حكمِ المتوسِّطةِ فتكتبها (فاؤْمر - واؤمر) و(فائتِ – وائت). وإنما التزمتَ هذا لأنَّك لو غيَّرتَها هنا للزمَك هذا في همزة القطع فكنتَ تكتب (سأُصَلِّي) هكذا (سَؤُصَلِّي) على ما يقتضيه حكمُ المتوسطة كما سيأتي. وفي هذا تغييرٌ لصورةِ الكلمةِ تغييرًا مخِلاًّ. فإن تركتَها هناكَ وغيرتَها هنا كانَ في هذا تناقضٌ.
فإن قيلَ: قد ذكرتَ أنَّ الأصلَ الأوَّل من أصولِ الإملاءِ أنَّ الكلمةَ تُكتبُ بحسَب ما تئولُ إليه إذا خُفِّفت. ولو خففتَ (فائتِ) لقلتَ: (فاتِ)، فكان ينبغي أن تُكتب (فأتِ).
قلتُ: هذا الأصلُ الإملائيُّ ليس مطَّردًا إذ لو طردناهُ لكانَ فيهِ عُسرٌ على خاصَّة الناسِ، فكيفَ بعامَّتهم.
من أجلِ ذلكَ جعلنا هذا الأصلَ مرعيًّا إلا إذا عارضَ قاعِدة يُرادُ طردُها لأنَّ طردَ القواعدِ التي سنذكرُها والتي لا تَخرجُ عن هذا الأصلِ إلا قليلاً أيسرُ بكثيرٍ من طَرْد هذا الأصلِ وأخفُّ مئونةً على المتعلِّمِ من أن يكونَ المرجِعُ إليه وحدَه.
وإنَّما خرجنا عن هذا الأصلِ حتى لا تكثرَ الشواذّ والاستثناءاتُ والمسائلُ الفرعيََّة وحتى لا يقعَ التناقضُ بينَ حكمِ همزةِ القطعِ وحكمِ همزةِ الوصلِ وحتَّى لا يفضيَ هذا إلى الإثقالِ على المتعلِّم بشروطِ تحوُّلِها إلى حكمِ المتوسُّطةِ كوجوبِ كونها فاءًا أو واوًادونَ (ثمَّ) وكوجوبِ أن يكون ما بعدَ همزةِ الوصل أي فاء الكلمة همزةً.
وأمرٌ آخرُ يمنعُنا منَ الاعتداد بالأصلِ هنا، وهو أنَّ الأصلَ إنما يجري إذا جرَى على الكلمةِ المفردةِ. فأمَّا إذا اتصلت كلمةٌ بكلمةٍ فإنَّهما تُعدَّان كالمنفصلتينِ وتقضي في الثانية كما لو لم يتصل بها شيءٌ، ألا ترى لو أنك لم تعتدَّ بهذا لكان يجب عليك أن تكتب (ثم ائتوا) هكذا (ثم أتوا) لأنك إذا خففتَها نطقتَها كذا. فأمَّا إذا اتصلت بآخر الكلمةِ كلماتٌ أخرَى فإنك تعدُّها من تمامِ الكلمةِ لكثرة التغيير في الآخِرِ وكثرةِ ما يلحقونه بالكلمةِ من هذا المكانِ. ولم يفعلوا هذا في أول الكلمةِ لقلتِهِ.
- ثم اعلمْ أنَّ أحكامَ همزة الوصلِ التي ذكرنا كانَ الحقَّ أن تكونَ من مباحث علم التصريفِ لأنَّ الإملاءَ يتعلَّق برسمِ الكلمةِ وهل هو موافِقٌ للنطقِ أم غيرُ موافقٍ. وجميعُ أحكامِ همزةِ الوصلِ إنما يوافِق رسمُها نطقَها، فهي إذن جاريةٌ على الأصلِ، فلِمَ إذن ذكرنا أحكامَها هنا؟
إنما فعلنا ذلكَ لبُعدِ الناسِ اليومَ عن معرفةِ كيفيةِ نُطقِها، فلا يدرونَ مثلاً كيف ينطقونَ كلمة (الاستماع) أهكذا أم (الإستماع)؟ إلا بقيَّةً قليلةً لم تفسُد سليقتُها في هذا الأمر. ولو عرفَ الناسُ كيفَ ينطقونَها وأمثالَها لسهُل الأمرُ جدًّا ولقلنا لهم: (إذا أردتَّ أن تعرِفَ أتكتبُ الهمزة بالقطع أم بالوصل فضعْ قبلَها حرفَ الواو مثلاً، فإن نطقتَها فضعْ لها همزةً وإن لا فلا تضعْ)، ولكنَّ الذين تسعِفهم سلائِقهم بهذا قليلٌ.

الأربعاء، 7 يونيو 2017

رسم (أءوّل) إذا اتصلت بها همزة الاستفهام

في الهمزة في أول الكلمة
نُشر في تويتر في 24/ 2/ 1436هـ.
في رسمِ (أُءَوِّل) إذا اتصلت بها همزةُ الاستفهامِ عدَّةُ وجوهٍ أشهَرُهنَّ خمسةٌ بالتركيبِ:
1- (أَأُءَوِّل). وهو أعْدلُ الوجوهِ وأحظاها بالصَّواب. وذلك أنّ أصلها (أُؤَوِّل)، كُتِبت الهمزةُ الأولى على ألفٍ لأنّها في أوّل الكلمةِ، فلا أثَر لحركتِها فيها لأنها لا تكونُ إلا محقَّقةً. وكُتبت الهمزة الثانية على واوٍ لأنَّها متوسِّطة وقد انفتحت وانضمَّ ما قبلها، وأقوى الحركتين الضمّة، ومجانسُها الواو. ثمَّ التقَى حرفا مدٍّ متماثلان، وهما الواوان وأحدهما صورةٌ للهمزةِ فحُذِفت كما حُذِفت في (مآب) وأصلها (مأاب) و(ساءَل) وأصلها (ساأل) و(آمن) وأصلها (أامن) وغيرها فصارت (أُءَوِّل). وهو مذهب من يكتب (شئون) و(رءُوف) هكذا بالحذف كراهية اجتماع الأمثال. وليس من شرطِه أن يكون أحدهما حرف مدٍّ لأن عِلّة الحذف اجتماع المثلين في الصّورة، ولا فرقَ مؤثِّرًا بين أن يكون حرفَ مدٍّ أو حرفًا مشدّدًا. فلمّا اتَّصلت بها هَمزةُ الاستفهامِ لم تخرجها عن أوَّليَّتِها إلى التوسُّط. وهذا ما انتهَى إليه الرسمُ واختارَه ابن قتيبة وابن السرّاج والنحّاس وغيرهم، فتكتبُها (أَأُءَوِّل).
2- (أَأُؤَوِّل). وتأويلُه تأويلُ المذهب الأوّل إلا أنَّه لمّا اجتمع مثلانِ لم يُحذف أحدُهما. وهو مذهب من يكتب (شؤون) و(رؤُوف) بالإتمامِ. وهو مذهب مشهورٌ إلا أنَّ فيه تناقضًا لأنّه يلزَم أصحابَ هذا المذهب أن يكتبوا (مأاب) و(ساأَلَ) و(أامنَ) بإثبات الألفاتِ فيهنَّ.
3، 4 -(أَؤُءَوِّل)، (أَءُؤَوّل). وذلك على مذهبِ من يعتدُّ بدخولِ همزةِ الاستفهام على همزة القطعِ في إخراجها عن حُكم الأوليَّة إلى حكمِ التوسُّط. وأصلُ أوَّل هذين الوجهين على هذا المذهب (أُؤَوِّل) ثمّ (أُءَوِّل) بالحذف كراهية اجتماع مثلين، فلمّا لحِقت بها همزة الاستفهامِ نقلتْها إلى حكم المتوسِّطة فكُتبت (أَؤُءَوِّل) لأن الهمزة الثانية مضمومة وما قبلَها مفتوح والضمّ أقوى فكُتبت على مجانسه، وهو الواو. ولك أن لا تحذف أحد المثلين إلا بعد دخول همزة الاستفهام وتختار حذف صورة الهمزة الثانية فتكتبها (أَءُؤَوِّل). وليس لكَ أن تحذف صورة الهمزة الثالثة فتجعلَها (أَءُءَوّل) لأن هذا إجحافٌ. ويجوز أيضًا حملُ هذا الوجه الرابع على مذهبِ الكسائيِّ والفرّاءِ وثعلبٍ لأنَّهم يرون حذف إحدى الصورتين في مثلِ ذلك. وعليه وردَ في رسم المصحف ((أءُلقي الذكر عليه من بيننا)) و((أَءُنزل عليه الذكر من بيننا)) وغيرهما.
والاعتدادُ بدخولِ همزة الاستفهام على همزة القطع في نقلِها إلى حكم التوسُّط مذهبٌ قديمٌ حكاه ابن قتيبة وابن كيسان والنحاس وغيرُهم. وهو رسم المصحف كما في ((قل أؤنبّئكم بخير من ذلكم)). وهو مذهبٌ ضعيفٌ مهجورٌ. ومن لازمِه كتابةُ (بِإِمام) هكذا (بئِمام) و(سَأُكرِمك) هكذا (سَؤُكرِمك) إذْ لا فرقَ بينها لأنَّها تئولُ جميعًا عند إرادةِ التخفيف إلى ذلك. علَى أنَّه لا تزالُ بعضُ الكلمِ جاريةً على هذا المذهبِ في الإملاءِ الحديثِ، وذلك ككتابتهم (لَئِن) و(هؤلاء) و(لِئَلّا). والأحسن عندي كتابتها (لَإِن) و(هألاءِ) و(لِأن لَّا) طردًا للبابِ لأنّ ما اتَّصل بالهمزةِ في أول الكلمةِ لا يُحيلها عن أوّليّتها.
5- (أَؤُؤَوِّل). وهو كالوجهين السابقين في الاعتداد بهمزة الاستفهام إلا أنَّه جارٍ على مذهبِ من لا يرى التخلُّص من اجتماع الأمثالِ.
هذه أشهرُ المذاهبِ في كتابة هذه الكلِمة. وثمةَ مذاهبُ غيرُها لا يُعوَّل عليها.

الثلاثاء، 6 يونيو 2017

رأي في الفاصلة المنقوطة

في علامات الترقيم
نُشر في ملتقى أهل الحديث إجابةً عن سؤال في 17/ 8/ 1431هـ.
س: لمَ تركتَ استعمال الفاصلة المنقوطة في كتابك "رسالة في مسألة كل عام وأنتم بخير" ونبّهتَ على ذلك في المقدّمة؟
ج: خليلٌ دعا والرملُ بيني وبينَه ** فأسمعَني، سَقيًا لذلكَ داعيا
[الفرزدق]
ولكنْ عَداني أن أكونَ (أجبتُه) ** عقابيلُ أوصابٍ يُشبَّهنَ بالخَبْلِ
[ذو الرمَّة]
إنّه لتمرُّ بي أيَّامٌ ما شيءٌ أثقلَ عليَّ فيها من أن أخطَّ حرفًا. ولقد سألني أخي هذا السُّؤالَ وأرسلَ إليَّ يذمُرني إلى الجوابِ على حينِ أعالِجُ من نفسي هذه الحالَ التي وصفتُ، ثمَّ لم أكد حتَّى تسربلنِي طائفٌ من الحمَّى لم ينزِعني حتى أبلاني. وبينَ هذا وذاكَ كانَ الجوابُ.
كنتُ ولم أزل طويلَ التعهُّدِ لعلاماتِ الترقيمِ شديدَ التفقُّدِ لها. وكانَ من شأني أن أُصدِرَها عن قواعدِ النَّحوِ وأن أُقِيمَها على حدٍّ من الاطِّرادِ لا يتخلَّفُ ولا يتناقضُ. وكنتُ أحاولُ في (الفاصلة المنقوطة) ما أحاوِلُه في غيرِها من العلاماتِ، غيرَ أنَّه استبانَ لي بطولِ التجرِبةِ وكثرةِ الممارسةِ أنَّها مُقحَمةٌ في العلاماتِ إقحامًا وأنَّ من الخيرِ الاستغناءَ عنها. وأنا أشرحُ كيفَ ذلكَ.
مراجعة الغرض الأول:
لنمضِ إلى الغرضِ الأول الذي احتيج من أجله إلى هذه العلاماتِ فننظر أيقتضي هذه الفاصلةَ المنقوطةَ أم لا.
إنَّ الغرض من هذه العلاماتِ هو بيانُ الأواصرِ بينَ الجملِ وعَلاقةِ بعضِها ببعضٍ. وذلكَ لينتفيَ اللبسُ على القارئ.
والجُمَلُ إما أن يكون بعضُها متعلِّقًا ببعضٍ في المعنَى وإما أن لا يكون.
فإن كانَ متعلِّقًا فإنه يأتي على ضربين:
الأول: أن يكونَ متعلِّقًا بما قبلَه في الإعراب. وذلك نحو قوله تعالى: ((إنه من يتقِ ويصبرْ فإن الله لا يضيع أجرَ المحسنين)). فهذا لا يحتاج إلى علامة إذ ترك العلامة له علامة على اتصاله.
الثاني: أن لا يتعلَّق في الإعراب، ولكن يكونُ كالتَّمامِ لمعنَى ما قبلَه. وذلك كالجملةِ التي تكونُ جوابًا للنداءِ، نحو ((يوسفُ، أعرِض عن هذا)) أوللقسمِ نحو ((وتالله، لأكيدنَّ أصنامَكم)) أو الجملةِ التي تكون تعليلاً لما قبلها نحو (اتقِ الله، فإنه يراك) و((لا تحزن، إن الله معنا)).
وإن لم تكن متمّمة لمعنى ما قبلها وليست متعلقة به في الإعراب فحقُّها النقطة (.). وذلك نحو (الصدق أمانة. والكذب خِيانة).
وهذا الذي ذكرتُه هو أهمُّ مواضعِ وقوع هاتين العلامتين. وقد وجدتَّهما مغنيتينِ في الدلالة على هذا الغرضِ. وتسقطُ بينَهما الفاصلة المنقوطة لغوًا لانتفاء الحاجةِ إليها بمراجعةِ الغرض الأول من الوضع.
فحص القواعد الموضوعة للفاصلة المنقوطة:
زعموا أنه يؤتَى بالفاصلة المنقوطة بين الجمل الطويلة وقبل الجملة التي تكون سببًا لما قبلَها أو مسبَّبةً عنه. وهذا باطلٌ.
أمَّا الجمَل الطويلةُ فليس لها حدٌّ ينتهَى إليه أولاً ثمَّ لا علةَ لها معقودةً بالغرضِ الرئيسِ ثانيًا إذْ كيفَ كان الطُّول والقِصَر من مَّا يُعتدُّ به في بيانِ العلائقِ بينَ الجُمَلِ، فقد تكونُ الجملةُ الطويلةُ متعلِّقةً بما قبلَها غيرَ منفكّةٍ عنه كما تقول: (محمدٌ يقرأ كل يومٍ سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ....، ويصوم اليوم الأول والثاني والثالث ... من كل شهر). وقد تكونُ الجملة القصيرة مقطوعة الصِّلة بما قبلَها نحو (زيدٌ عالمٌ. وعَمْرٌ جاهلٌ).
وكذلك زعمُهم أنه يؤتَى بها قبل الجملة التي تكون سببًا لما قبلَها أو مسبَّبةً عنه، فإنَّ هذه العِلَّة لا بدَّ أن يكونَ لها اتِّصالٌ بالغرضِ الرئيسِ من وضعِ العلاماتِ، وهو بيان العَلائقِ. ولا فائدةَ من تخصيص هذا الأمر بعلامةٍ. والوجه في ذلك أن يُسبَق بالفاصلة غير المنقوطة لأنه تعليلٌ كما بُيِّن آنفًا.
جِماعُ الخلل الواقع في هذا البابِ:
1- ردُّ قواعدِ الترقيم إلى غير العِلة الأولى كما فعل أحمد زكي حين ردَّها إلى الوقف أو كردِّها إلى الطُّولِ والقِصَر أو عدمُ ردِّها إلى علةٍ البتةَ كما يفعلُ أكثرُهم. والصوابُ أن تُردَّ إلى النَّحو لاطِّرادِ أحكامِه ولكونِه الأصلَ الذي ينبني عليه كثيرٌ من المسائلِ كمعرفة الوقفِ وأنواعِه.
2- بناء القواعد على أمورٍ لا حدَّ لها كالطول والقِصَر.
3- الاجتزاء ببعضِ ما ينشقُّ عن العِلَّة الأولَى كاجتزائهم بالسببية والمسبَّبية وتركِهم مواضعَ أخرَى توجد فيها العِلَّة نفسُها.
4- مخالفةُ القاعدةِ الرئيسة عن القواعد الفرعيَّة كما فعلَ أحمد زكي حيثُ زعمَ أن الفاصلة غير المنقوطة تكون بين الجمل التي يكون بينها ارتباط في المعنى لا في الإعراب. ثمَّ ذكرَ من مواضعها أن تكون بين الجمل المعطوف بعضها على بعض نحو (خير الكلام ما قل ودلَّ؛ ولم يطُل فيمل). والصواب أنَّ جملة (ولم يطُل فيمل) متعلقة بما قبلها في الإعراب والمعنَى إذ كانت معطوفة عليها.
إلى غيرِها من التناقضات.
ومنها أن بعضَهم يضعُ هذه الفاصلة قبلَ (لأنَّ) نحو قولك: (أتيت إليك؛ لأني أحبك). وهذا خطأ بالنظر إلى ما قعدوا. وذلك أنَّ (لأنَّ) وما بعدها في تأويل مفرَدٍ لا جملةٍ. وهم إنما يَرون وضع هذه الفاصلة قبلَ الجملةِ التي تكونُ سببًا لما قبلَها، وليس قبلَ المفرَد.
والحديث أوسعُ من ذلك شُعوبًا وأطولُ ذيولاً. وإنما ذكرتُ ما لا بُدَّ منه ليضِح الجواب ويستبين الصواب.

الاثنين، 5 يونيو 2017

من الأخطاء الإملائية الشائعة

نُشر معظمها في تويتر في أوقات مختلفة.
- (الثِّقات) تكتب بالتاء المفتوحة. وكتابتُها بالمربوطة (الثّقاة) خطأ شائع لأنها جمع مؤنث سالم وليست جمع تكسير على زنة (فُعَلة) كـ(قُضاة) و(دُعاة).
- (حيّ الله فلانًا) خطأ إملائي شائع. والصواب إثبات الألف (حيّا الله فلانًا).
- كتابة بعض الناس (عبدالله) ونحوه هكذا من غير فصل بين الكلمتين خطأ فاش، إذ حق كل كلمة أن تكتب مفصولة عن الأخرى نحو (عبد الله). ويلزمه أن يكتب (شمسالدين) هكذا.
- من أخطاء الضبط كتابة حركة على الحرف المنصوب المنون وحركةٍ وتنوين على الألف المبدَلة منه بعده نحو (كتابَاً). ونسبه الداني إلى جهلة النُقّاط.
- الصواب في علامات الترقيم أن توصل بالكلمة قبلها دون فراغ نحو (ذهب، ولكنه لم يرجع) وليس (ذهب ، ولكنه لم يرجع) لأنهم إذا كانوا يكرهون أن يكتبوا الحرف المفرد منفصلاً فأن يكرهوا أن تكون علامة الترقيم منفصلةً أَولى.
- تُرسم الألف اللينة إذا وقعت آخر الكلمة وقبلها ياء، على صورة الألف نحو (استحيا) (يعيَا). ورسمها بالياء (استحيَى) (يعيَى) خطأ شائع.
- (طَيِّئ) هكذا يُكتب اسم القبيلة المعروفة بياء مشدّدة مكسورة فهمزة على الياء. ومن الخطأ الشائع كتابتها هكذا (طيء) بهمزة على السطر.
- من أكثر الأخطاء الإملائية شيوعًا كتابة (شيئ) هكذا. والصواب (شيء) لأن الهمزة متطرفة وما قبلها، وهو الياء، ساكن، فتكتب مفردة على السطر.
- من أخطاء الإملاء الفاشية زيادة حروف المدّ في كتابة الألفاظ الأعجمية، نحو (فيلم) و(بكالوريوس). والصواب (فِلْم) و(بَكَلُرْيُس).
- من الخطأ في الإملاء تكرار حرف المدِّ للإشعار بالتوكيد، نحو (جميييل) (أرجووووك). والصواب كتابة ذلك بحرف مدٍّ واحد في جميع الأحوال.
- يُجمع (الأخ) على (إِخوة) و(أُخوة) بكسر الهمزة وضمّها، ولكن بعض الناس ينطقها (إخوة) بالكسر ويكتبها (أخوة). وهذا خطأ إملائي.

الجمعة، 2 يونيو 2017

مسائل إملائية في الألف اللينة

نُشرت في تويتر وفسبك وآسك في أوقات مختلفة.
- س: هل تختلف كتابة (يحيا) الفعل عن الاسم العلم؟
ج: القياس كتْب (يحيى) العلم كـ(يحيا) الفعل لأنه وإن كان قد أجري مُجرى الأسماء العربية فأُميل في بعض القراءات فقد وقع قبل آخره ياء فانبغى كَتْبه على ألف (يحيا) كما يكتب (استحيا) و(سُقيا). وذلك كراهية لاجتِوار ياءين إحداهما مستعارة لا أصل، ولكن المعروف في الإملاء كتابته (يحيى) بالياء. ثم احتجّوا لذلك بعلة الفرق بينه وبين الفعل. وهذه العلة تئول إلى علّة خشية اللبس لأنهم لم يلتمسوا التفرقة إلا بعد خشية اللبس بينهما، وإن لّا كان مجرد التفرقة بين شيئين مختلفين لغير لبسٍ عبثًا محضًا.

وهذا القول فاسد. ويُردّ من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ليس من شأن الرسم الفصل بين المتشابهات لأن الرسم نائبٌ عن اللفظ وصورة له، فما لم يبيّنه اللفظ بنفسه فلا ينبغي أن يبيّنه الرسم. وهما في اللفظ شيء واحد كما هو معلوم.
الثاني: أن اللبس إنما يعرض بين المتماثلين اللذين تكثر بينهما الخلطة ويستعمَلان في مواضع متشابهة. وشتان ما الفعل يحيا والعلم يحيى. وما أظنهما يلتبسان قط في موضعٍ لأن الفعل لا يُسند إليه ولا يقع مواقع الأسماء، فإذا قلت: (يحيا كريم) لم يتوهّم أحدٌ أنك تريد الفعل. وإذا قلت (يا يحيا) لم يسبق إلى فهم أحد أنك ناديتَ الفعل إذْ كان الفعل لا ينادَى. وقِس على هذا ما شئتَ.
الثالث: أنه لو صحّ هذا المزعم وسلّمنا بوقوع اللبس بين العلم الموافق للفظ الفعل والفعلِ لكان يجب أن يُفصل بين كل ما كان على هذا النحو بعلامةٍ ما يُحدثونها فيفرقوا بين أحمد العلم وأحمد الفعلِ. وكذلك يزيد ويشكر وغيرها.
ثم يلزمهم أن يفرقوا أيضًا بين كل علم وما نُقل منه فيخالفوا بين محمود العلم ومحمود اسم المفعول، وبين صَخر العلم وصخر اسمِ الجنس. وكذلك فضل وصالح ومحمد وكل علم منقول إذ لا فرق بين القبيلين!
فتبين بهذا سقوط هذه الحجة التي أدلَوا بها وزيفُها.
والحقّ أن مجيء (يحيى) على هذه الصورة منبتًّا عن نظائره ليس إلا اتّباعًا لرسم المصحف. ورسم المصحف ليس كله جاريًا على القياس.
ولهذا أرى كتابة (يحيا) العلم هكذا كما يُكتب الفعل.
- س: هل من وجه لرسم الفعلين (دعَا) و(عفَا) بالياء (دعَى)، (عفَى) كما في بعض المخطوطات؟ 
ج: أما (دعَا) فالمشهور أنه واويٌّ. وما كان كذلك فإنه يُرسم بالألف، غير أن بعض اللغويين حكى أن من العرب من يقول: (دعيت) فيجعل لامها ياءًا. فعلى هذه اللغة يجوز رسمُها بالياء أيضًا (دعَى).
وأما (عفا) فواويّ لم يرد فيه غيرُ ذلك، فلا يُرسم إلا بالألف بإجماع العلماء إلا ما كان من أبي الطيب الوشَّاء (ت325)، فإن ظاهر قولِه إجازة رسم ما أصلُه الواوُ بالياء وإن لم يكن مكسور الأول ولا مضمومه. ولا وجه لذلك، خلافًا لما كان أصلُه الياء كـ(بنَى) و(مشَى)، فقد أجاز رسمه بالألف (بنَا) و(مشَا) جماعة من العلماء، واختاره أبو علي الفارسيّ لأن فيه رجوعًا إلى الأصل.
- س: ما الصواب في رسم جمع (قوّة) أهو (قُوَى) أم (قُوَا
ج: مذهبُ جمهورِ النّحويين والصرفيّين واللُّغويّين أن تركيب (القُوّة) من (ق و و)، فالواو الثانية أصلٌ لا بدَلٌ. وما كان كذلك فإنه يُرسمُ عند البصريِّين بالألف مطلقًا كـ(العِدا) و(الرِّبا) و(الضُّحا) و(العُلا) ونحوِهنّ. فعلى هذا ترسمها (القُوا).
ويجوز رسمها بالياء (القُوى) على ثلاثة أوجه من التأويل:
١- موافقة صاحب العين وبعضِ من قفَّى على أثرِه من أصحابِ المعاجم من من يرى أن ألفها بدل من الياء، إذ هي عندهم من تركيب (ق و ي) لا من (ق و و).
٢- متابعة رسم المصحف لقوله تعالى: ((علّمَه شديدُ القوى)). وإنما رُسمت في المصحف بالياء لتشاكلَ جاراتِها كما فعلوا في (الضُّحى) و(سجى) ونحوِهما، وحدُّهما أن يُكتبا بالألف (الضُّحا) (وسجا) لأنَ أصلهما الواو.
٣- الأخذ بقول الكوفيين إذ يرون رسمَ كل ما كان على (فُعَل) بضمّ الفاء أو (فِعَل) بكسرها على ياء وإن كان أصل ألفه الواو.
وإذن يجوز أن ترسمَها (القُوا) بالألف. وهو الوجه الشريف الجيِّد. وأن ترسمها (القُوى) بالياء. وهو صالحٌ وإن كانَ دون الأوّلِ. وقد نصّ على ذلك ابن خالويه (ت370هـ) مبيِّنًا الوجهَ الأخيرَ المذكورَ فقال: (فعلى مذهب الكوفيين يُكتب [القُوى] بالياء لانضمام أوله. وعلى مذهب البصريين بالألف [القُوا] لأن ألفَه مبدلة من واو) [شرح مقصورة ابن دريد ص185].
- تُرسم (الضُّحا) بالألف على مذهب البصريين لأن أصلها واو. وتُرسم بالياء (الضُّحى) على مذهب الكوفيين لأنها مضمومة الأول وإن كان أصلها واوًا. وهي في الحالين تُسمى ألفًا مقصورة. وتسميتها ممدودة إذا رُسمت ألفًا (الضحا) خطأ، وإنما الممدودة نحو (الضّحاء)، قال ابن خالويه: (أهل الكوفة يكتبون ذوات الواو إذا انضم أول الاسم أو انكسر بالياء نحو (الضُّحى) و(الرِّضى) و(العِدى) بالياء. وأهل البصرة بالألف على القياس). وقال المبرد البصري: (والضحا يكتب بالألف لا غير).
قلت: بعض من يأخذ بمذهب البصريين هنا يرسم (الضحا) بالياء فيلفق بين المذهبين!
- زعم ابن خالويه أن (الصَّدا)، وهو الصوت الذي يجيبك في بهو، ونحوِه يكتب بالألف لأنهم قالوا: صدا يصدو إذا صاح. ثم قال: وهذا غريب، فاعرفه!
- س: ما الصحيح في رسم جمع (دُنيا) أهو (دُنا) أم (دُنَى
ج: يجوز فيها الوجهان:
١-(دُنا). وهو الأصح لأن أصلها واو.
٢-(دُنَى). وهو مذهب الكوفيين، يكتبون كل ما كان مكسور الأول أو مضمومه على صورة الياء وإن كان أصله الواو، نحو (العِدى) و(الرُّبى).
- قولهم: (لَحَى فلانٌ فلانًا) بمعنى (لامَه) يائي اللام وواويّها. والياء أجود. ويجوز أن ترسمها أيضًا (لحَا) على لغة الواو.