‏إظهار الرسائل ذات التسميات النحو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النحو. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 يناير 2021

كتاب (مقدمات النحو)

إنّ من مفاتيح فهم النحو حسنَ التفهّم لمقدماته قبل دخول أبوابه. وهذا كتاب مختصَر دونت لك فيه (مقدمات النحو).
وقد توخّيت أن يكون ترتيبه منطقيًّا وتسلسله واضحًا. ثم جوّد تنسيقَه أحد الإخوة الأفاضل جزاه الله خيرًا.
أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب كل من قرأه:

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2020

تحقيق ثبوت قراءة ((قالوا ساحران تظّاهرا))

في باب الأفعال الخمسة
نُشر في تويتر وفسبك في 19/ 1/ 1442هـ. وهو مستلّ من بحث الدكتوراه.
هذه القراءة ﴿قالوا ساحران تظَّاهرا﴾ [سورة القصص:48] من حجج بعض النحويين المتأخرين على جواز حذف نون الأفعال الخمسة لغير ناصب ولا جازم. وقد تقصيتها فوجدتها معزوّة إلى خمسة من القرّاء، هم: 
1- أبو عَمْر بن العلاء، رواها عنه اثنان: 
أ- العباس الأنصاري([1]). 
ب- أبو محمد اليزيدي([2]). 
وهي مخالفة لجميع الروايات والطرُق عن أبي عَمْر من طريق هذين الراويين عنه وغيرهما، ومنها المتواتر عن راويَيه السوسي والدوري. ومدار التفرد فيها على اثنين، أحدهما أبو محمد الفحام، فهو الذي رواها عن العباس عن أبي عَمْر، وعن اليزيدي عن أبي عَمْر. والآخر أبو خلاد عن اليزيدي، قال الداني: (وأخطأ أبو خلاد في هذا الموضع)([3]). 
2- ابن عامر من طريق ابن مجاهد عن عبد الحميد بن بكار عن أيوب عن يحيا عنه. 
وهي مخالفة للمتواتر عنه. وقد شكّك في صحة نقلها الداني فقال: (ولم يذكر ابن جرير هذا الحرف عن عبد الحميد في جامعه ولا ذكره عبد الحميد في مجرده، فلا أدري من أين نقله ابن مجاهد)([4]). 
3- الحسن البصري من طريق محبوب. حكى هذا أبو حيان في «البحر المحيط»([5]). وأراه أخذه من «اللوامح» لأبي الفضل الرازي (ت454هـ). ولم أقف عليه لأنه غير مطبوع، ولكني أصبت هذه الرواية في منظومته المخطوطة «طوالع النجوم»([6]) لأبي الحسن الديواني (ت743هـ). ورواية محبوب هذه عن الحسن تخالف ما هو أصحّ منها، وهو رواية أبي علي الأهوازي (ت436هـ) في «مفردته» التي رواها عن عيسى بن عمر الثقفي عن الحسن، فإنه لم يرو ذلك، ولا ذكره أيضًا الهذلي (ت465هـ) في «كامله» وقد روى قراءة الحسن عن خمسة من تلامذته غير عيسى، على انقطاع في سنده ذكره المحقق([7]). 
4- يحيا بن الحارث الذماري([8]). وإسناد قراءته الذي ذكره الهذلي منقطع([9]).
5- أبو حيوة([10]). وقد أخذ عن أبي البَرَهْسَم. وقد ذكر الذهبي أن إسناد قراءة أبي البرهسم هذا مظلم([11]). ومع ذلك فإنه قد تفرّد بهذه القراءة، على أنه لم يكن معروفًا بالإتقان أو حذق العربية، فلا يصح إذن الاحتجاج بها. ولهذا خطّأها القراء بله النحويين فقال عنها الكرماني: (وهو بعيد لا وجه له)([12]) وقال الهذلي: (ولا معنى له)([13]) وقال الخزاعي: (وهو غلط)([14]) وقال الداني: (وذلك لحن)([15]) وقال ابن الجزري: (ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية ولا يصدر إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط ويعرفه الأيمّة المحققون والحفاظ الضابطون... ما رواه أبو علي العطار عن العباس عن أبي عمْر ﴿ساحران تظّاهرا﴾)([16]). ومن النحويين ابن خالويه إذ قال: (تشديده لحن)([17]) والعكبري إذ قال: (وهو بعيد... وهو فاسد في العربية)([18]). 
فلا يصِحّ إذن الاحتجاجُ بقراءة أنكرها القرّاء أنفسهم وشكّوا في ثبوتها وهم أهلُ الصناعة. 
وهذا مثال على حاجة القراءات التي يحتج بها بعض النحويين إلى بحث وتحقيق، وأنه لا ينبغي أن يُقبَل منها شيء إلا بعد الاستيثاق من صحّة نقله. 
________________
([1]) «المستنير لابن سوار 2/351» و«الروضة للمعدَّل 3/292». 
([2]) «المنتهى للخزاعي 2/891» و«الروضة للمعدَّل 3/292». 
([3]) «جامع البيان 663». 
([4]) «جامع البيان 663». 
([5]) «8/312». 
([6]) «ل105 ب». 
([7]) «الكامل 1/455» الحاشية. 
([8]) «الكامل في القراءات 2/1246». 
([9]) «الكامل في القراءات 1/376». وانظر حاشيته. 
([10]) «الكامل في القراءات 2/1246». 
([11]) «تاريخ الإسلام 4/259». 
([12]) «شواذ القراءات 368». 
([13]) «الكامل في القراءات 2/1246». 
([14]) «المنتهى 2/891». 
([15]) «جامع البيان 662». 
([16]) «النشر في القراءات العشر 1/147». 
([17]) «مختصر في شواذ القرآن 114». 
([18]) «إعراب القراءات الشواذ 2/263».

الأربعاء، 1 أبريل 2020

عشرة كتب تغني المتخصص والمؤصل في النحو والصرف عن غيرها

في بنية النحو وتاريخه وكتبه
نُشر في تويتر وفسبك في 7/ 8/ 1441هـ.
من أراد أن ينشئ لنفسه مكتبة في النحو والصرف لا تتجاوز عشرة كتب، تكفيه إن رام الرسوخ فيهما وتعينه على تدريسهما أو مراجعة مسائلهما عند الحاجة تعرض له، فإني أختار له هذه الكتب، فهي بمجموعها حاوية لعلمي النحو والصرف أصولِهما وفروعهما وتنظيرهما وتطبيقهما، لا يكاد يعزب عنها شيء ذو بال. وقد رتّبتها بحسَب وفيات مصنفيها:
١- "شرح المفصل" لابن يعيش (ت٦٤٣هـ)، تح إبراهيم عبد الله، أو عبد اللطيف الخطيب.
٢- "شرح الكافية" للرضيّ الأستراباذي (ت٦٨٦هـ)، تح يوسف حسن عمر.
٣- "شرح الشافية" للرضيّ أيضًا، تح محمد نور الحسن وصاحبيه.
٤- "التذييل والتكميل" لأبي حيان (ت٧٤٥هـ)، تح حسن هنداوي (طُبع منه حتى الآن ١٧ جزءًا).
٥- "الدر المصون" للسمين الحلبي (ت٧٥٦هـ)، تح أحمد الخراط.
٦- "مغني اللبيب" لابن هشام (ت٧٦١هـ)، تح فخر الدين قباوة، أو مازن المبارك وصاحبه.
٧- "الاقتراح في أصول النحو" للسيوطي (ت٩١١هـ)، تح محمود فجال، أو محمود ياقوت.
٨- "الأشباه والنظائر في النحو" للسيوطي أيضًا، أي طبعة.
٩- "النحو الوافي" لعباس حسن (ت١٣٩٨هـ).
١٠- "المورد النحوي الكبير" لفخر الدين قباوة.

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

تفصيل القول في ياء (ثماني)

في باب العدد
نُشر في تويتر وفسبك في 27/ 2/ 1441هـ.
تُشكِل ياء (ثماني) على كثير من الناس من جهة إثباتها وتحريكها. وهذا بيانها:
الحالة الأولى: أن تكون (ثماني) غير مركّبة مع (عشرة). وفيها لغتان:
اللغة الأولى: أن تُعامل معاملة (قاض). وهي الفُصحى. فتقول: (جاء ثمانٍ من النسوة وثمانيْ نسوةٍ) و(رأيت ثمانيَ نسوةٍ). فإن وقعت منصوبة غير مضافة جاز فيها وجهان:
أ- الصرف. وهو الأجود. ومنهم من يوجبه. فتقول: (رأيت ثمانيًا من النسوة).
ب- المنع من الصرف. أجازه بعضهم. فتقول: (رأيت ثمانيَ من النسوة). وجاء في بيت من الشعر.
اللغة الثانية: أن تُعامل معاملة (صباح)، حكاها الكوفيون وأنشدوا لها بيتًا من الشعر. فتقول: (جاءت ثمانُ نسوةٍ وثمانٌ من النسوة) و(رأيت ثمانًا من النسوة وثمانَ نسوةٍ).
الحالة الثانية: أن تكون (ثماني) مركبة مع (عشرة). وفيها أربع لغات: إثبات الياء مع فتحها أو إسكانها، وحذف الياء مع كسر النون أو فتحها، فتقول في جميع أنواع الإعراب من رفع أو نصب أو جر: (جاءت ثمانيَ عشْرةَ امرأة) و(ثمانيْ عشرةَ امرأة) و(ثمانِ عشرةَ امرأة) و(ثمانَ عشرةَ امرأة).

السبت، 15 يونيو 2019

مسائل متفرقة في بنية النحو وتاريخه وكتبه

نُشر مفرَّقًا في تويتر وآسك في أوقات مختلفة.
- انتهى علم النحو إلى ابن مالك (ت٦٧٢هـ) وأبي حيان (ت٧٤٥هـ) وابن هشام (ت٧٦١هـ). ولا تكاد تجد في مصنفات من جاء بعدهم شيئًا ذا بال.
- قلما اغتبطت بكتابٍ اغتباطي بكتاب "الشواهد الحديثية في الأبواب النحوية" وأخيه السابق "الاستشهاد بالحديث في المسائل النحوية" كلاهما للدكتور ياسر الطريقي. وهو كتاب محكَم غزير الفائدة، سدّ مكانًا لم يكن سُدّ من قبلُ.
- سقط من طبعة دار الكتب المصرية لـ"شرح كتاب سيبويه" للسيرافي تسعة عشر بابًا بين الجزء السابع والثامن، اثنا عشر منها ثابتة في طبعة دار الكتب العلمية. وسقط من طبعة دار الكتب العلمية تسعة وعشرون بابًا موضعها بعد الباب الثاني من الجزء الثالث. ولا أدري أنبه أحد على هذا أم لا.
- كتاب "التّمام في تفسير أشعار هذيل" لابن جني إنما هو كتاب تطبيقات نحوية وتصريفية، وليس فيه من تفسير الشعر شيء. 
- س: ما رأيك في تحقيق البكاء لـ"كتاب سيبويه"؟
ج: عمله في تبويب الكتاب وتفقيره عمل جيّد، فقد كشف عن عبقرية مؤلفه ولاءم بين أوصاله وأسقط بعض وعورته.
وأما تحقيقه فدون ذلك، وليس بالدُّون. 
- في كتاب "الكفاف" للصيداوي هذيان كثير واستخفاف بمسائل العلم وهزل مشوب بجدّ وإنكار قبل التفهّم وجزم عن غير إحاطة.
- من أوسع كتب النحو التي قلما يعزب عن جميعها مسألةٌ من مسائله "التذييل والتكميل"، ولم يتمّ، و"ارتشاف الضرب" كلاهما لأبي حيان، و"المغني في النحو" لابن فلاح، وطبع منه جزء يسير، و"النهاية في شرح الكفاية" لابن الخباز، ولم يطبع كاملًا، و"تمهيد القواعد" لناظر الجيش و"همع الهوامع" للسيوطي. 
- "شرح الأشموني للألفية" عامته منقول من "شرح الألفية" للمرادي و"شرح الكافية الشافية" لابن مالك حتى إنه لينقل منهما بالأسطر نقلًا حرفيًّا.
ومن محاسنه: 
1- أنه من أوسع شروح الألفية.
2- أنه مزج الشرح بمتن الألفية، فهو من هذا الوجه صالحٌ لحافظها. 
3- أنه خُدِم بحاشية الصبان عليه.
- في كتاب "إحياء النحو" لإبراهيم مصطفى إعمال نظر والتماس للتحقيق. وهو حسنة تُذكر له وإن كنت لا أستجيد أكثر رأيه فيه.
- "المقاصد الشافية" للشاطبي شرح كبير الحجم، وهو من أوسع شروح الألفية، ولكن فوائده ليست كثيرة بالنظر إلى حجمه، فليس هو من كتب النحو الواسعة في استقصاء المسائل والخلاف والعلل والحجج. وأنفع ما فيه قسمُ الصرف. ومن محاسنه أنه يعلّم قارئه الدقّة في استعمال الألفاظ والتبصر بدلالتها وما يعطيه منطوقها ومفهومها.
- أربعة كتب لم يؤلَّف في النحو مثلهن: كتاب سيبويه، وشرح السيرافي له، والمغني لابن فلاح، والتذييل والتكميل لأبي حيان. ومن المؤسف أن الكتب الثلاثة الأخيرة كلّها لما تطبع طبعة علمية كاملة! 
- في الكتب التي حشَّى عليها الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله نفع عظيم لأنها جمعت مع البسط وجودة الشرح والإيضاح إعرابَ الشواهد، وذلك كـ"شرح قطر الندى" و"شرح شذور الذهب" و"شرح ابن عقيل" و"شرح ابن هشام للألفية" و"مغني اللبيب". وهي حرًى أن ترسّخ قدمك في النحو والإعراب. 
- من أحسن من رأيتُ من المصنفين المعاصرين شرحًا لمسائل النحو وإبانةً عنها محمد محيي الدين عبد الحميد في شروحه ولا سيما شرحه على "أوضح المسالك"، وعباس حسن في كتابه "النحو الوافي". فإذا تعذّر عليك فهم مسألة نحوٍ فالتمس بيانها عندهما.

- "المعلّى" للدكتور محمد خليل الزروق كتاب هذّب فيه مؤلفه "شرح قطر الندى" لابن هشام ثم جمع لكل مسألة شواهدها من القرآن والحديث والشعر الرفيع. وهو كتاب نافع جدًّا.
- عملُ اللغوي هو أن يجمع كلام العرب بالفعل. وعملُ النحوي هو أن يستخرج كلام العرب بالقوّة. 
- النحو من أكثر العلوم إمتاعًا لمن أخذه بعلله وأسراره لأنه علم يخاطب العقل والذوق معًا. 
- حقيق أن يكره النحو من لا يعرف غير كتب ابن هشام. وحقيق أن يبغض الصرف من لا يعرف غير "العزي" و"اللامية" و"البناء". وحقيق أن يمقت اللغة من لا يعرف غير "الفصيح" و"الكفاية". وحقيق أن يعيب البلاغة من لا يعرف غير "التلخيص" و"الإيضاح"، وذلك أن من انتهى إليها وجعلها غايتَه في تحصيل العلم أورثته ضيقًا في النظر وكلالًا في الحدّ ووهنًا في الملكة بما حُرِمَ من التفرّج برحابة هذه العلوم وانفساح آفاقها ومن لذّة الاطلاع على اختلاف مشاربها ومساربها ومن متعة التكشيف عن أصولها والامتحان لعللها والمراجعة لأحكامها، وذلك لما يغلب عليها من شدّة الإيجاز والمبالغة في الاختزال والإهمال لذكر الخلاف والإسقاط للعلل.
- داء مصنفات النحو الذي لا تبرأ منه أبدًا ذكر مصطلحاتٍ في أبوابه الأولى لم يأت بيانها كجعل دخول حروف الجر من علامات الاسم قبل بيان معنى الحروف، وكجعل العلمية من علل المنع من الصرف في العلامات الفرعية قبل ذكر باب النكرة والمعرفة كما في "شرح القطر" وغيره، وكجعل عدم الإضافة في (قبل) و(بعد) ونظائرهما شرطًا لبنائها على الضمّ مع أن باب الإضافة متأخر عن هذا الباب. 
وكثير من هذا راجع إلى فساد التصور المنطقي القائم على الانتقال من الجزء إلى الكل ومن الإفراد إلى التركيب ومن إدراك علائق الهيكل العام للعلم. 
وهذا من أسباب عسر النحو على كثير من الطلاب لما فيه من ما يشبه الدور السبقي، لأن المصنف يقدّر أن الطالب يعرف هذه الأبواب قبل ذكرها، ولو عرف الطالب ذلك لما احتاج إلى تعلّمه. ويمكن معالجة ما لا بد من ذكره قبل بابه بتعريفه بإيجاز وبيان أنه سيرد ذكره في ما بعد. 
ولذا أرى أن ذكر باب النكرة والمعرفة بعد الإعراب مخالف للترتيب المنطقي لأن الأول يتعلق بالكلمة مفردة، والآخر يتعلق بها مركبة، والإفراد سابق للتركيب.
- س: ما فرق ما بين النحو والصرف؟ 
ج: لكلٍّ من هذين العلمين مباحثه التي ينفصِل بها عن الآخرِ. ومن الفروق بينهما: 
1- النحو يبحث في الحرف الأخير من الكلمة فقط غالبًا. والصرف يبحث في جميع حروف الكلمة. 
2- النحو يبحث في حكم واحد من أحكام الحرف الأخير، وهو أتتغيَّر حركته بتغيّر موقع الكلمة في الجملةِ أم لا؟ وهو ما يُسمى بالإعراب والبناء. وينظر في علل هذا التغيّر وشروطِه. ويبحث أيضًا في أحكام أخَر كالتقديم والتأخير، والحذف والذِّكر ما يجوز منها وما لا يجوز. والصرف يبحث في جميع أحكام حروف الكلمة ما عدا الإعراب والبناء. وهي على ضربين: أحكام معنويّة، وهي التي يتغيّر بها المعنى كالتصغير والجمع. ولفظيّة، وهي التي لا يتغير بها المعنى كالإبدال والإعلال. 
3- النحو لا تنشأ أحكامه ولا تُعرف إلا بعد تركيب الكلمة في جملة. والصرف تُبحث أحكامه سواء أكانت الكلمة مفردة أم مركبة.

السبت، 24 نوفمبر 2018

مسائل نحوية متفرقة

نُشر مفرَّقًا في تويتر وملتقى أهل اللغة وفسبك في أوقات مختلفة.
- المقالة المشهورة (سكِّنْ تسلم) ليست بصحيحة، إذ لا يجوز تسكين اللفظ الذي لم يُنقَل عن العرب تسكينُ مثله في الوصل، وذلك أن السكون علامة على الجزم كما أن الضمة مثلًا علامةٌ على الرفع، ووضعُكَ الجزمَ موضعَ الرفع أو النصب أو الجرّ يُعدّ لحنًا. 
وإنما يسكَّن المحرك في مواضع مخصوصة كالفعل الماضي المختوم بالياء نحو (نسيْ)، والمدغم إدغامًا كبيرًا نحو (يدرسْ سَعد)، والاسم والفعل إذا اتصل بهما ضمير في لغة تميم وأسد نحو (رسلْنا) (يعلمْهم).
- لا فرق بين (مقدّمة) و(المقدّمة) في أول الكتاب، فالتنكير على مجرَّد إرادة الفصل بينها وبين سائر أبواب بالكتاب ببيان جنسها، فهي (مقدّمة) وليست بابًا آخر من أبواب الكتاب. والتعريف بأل فيه زيادة معنًى، وهو العهد الذهنيّ المتعارَف، فكأن الكاتب يقول للقارئ: (المقدّمة التي قد عهدتَّ الكتُب تُصدَّر بها هي هذه).
- لاستعمال (كي) الداخلة على المضارع صور كثيرة، تقول في الإثبات: (جئت كي أتعلم) (ولكي أتعلم) و(كي أن أتعلم) و(كيما أتعلم) و(كي لِأتعلم) و(لكي أن أتعلم) و(لكيما أتعلم) و(لكيما أن أتعلم) و(كيما أن أتعلم) بالنصب، و(كيما أتعلمُ) بالرفع. وتقول في النفي: (جئت كي لا أتعلم) و(لكي لا أتعلم) و(كيما لا أتعلم) و(لكيما لا أتعلم).
- نسبَ ابن مالك وأشياعه إلى الزمخشري أنه يرى أن (لن) تفيد التأبيد. والثابت عنه أنه يراها تفيد التوكيد، قال في «المفصل»: (و"لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل)، وقال في «الأنموذج»: (و"لن" نظيرة "لا" في نفي المستقبل، ولكن على التأكيد)، وقال في «الكشاف»: ("لا" و"لن" أختان في نفي المستقبل إلا أن في "لن" توكيدًا وتشديدًا). فلعل لفظ (التأكيد) تصحّف على ابن مالك .على أن دلالتها على التأبيد في رأيي صحيحة إذا فهمنا أن المراد بالتأبيد أنها تدلّ عليه في الأصل ما لم ينتقض ذلك بقيد مذكور نحو ((فلن أكلم اليوم إنسيًّا)) أو مقدّر مدلولٍ عليه بالسياق نحو ((لن تراني)). ودلالة السياق في هذه الآية على التقييد هي وقوعه جوابًا لسؤاله الرؤيةَ في الحال، لأن موسى حين قال: (أرني أنظر إليك) إنما كان يطلب الرؤية في الحال لا في الآخرة، فكان نفي الرؤية مصروفًا إلى ذلك، كما لو قال لك صاحبك: (أنا في البيت، فهل لك أن تأتيني؟) فقلت: (لن آتي) فإنه سيفهم من ذلك نفيك الإتيان ذلك اليوم لا آخر الأبد.
- إذا وقعت كلمة (بنت) صفة بين علمين فالوجه عند يونس وسيبويه تنوينها إن كانت مصروفة. وذكر يونس أنه سمِع هذا عن العرب. فيقال: (هذه هندٌ بِنت زيد) على وجه صرف (هند)، وذلك لأن علة حذف التنوين قبل (ابن) نحو (محمدُ بْن زيد) هو التقاء الساكنين التنوينِ والباءِ مع كثرته في الكلام، ولم يلتقِ ساكنان في (بنت). والوجه عند أبي عمْر التنوين لأن العلّة عنده كثرتها في الكلام وإن لم يلتق ساكنان.
فتقول: (تزوج ابنُ الزبير أمَّ عمْرٍ بنتَ منظورِ بن زبّانَ الفزاريةَ) على مذهب يونس وسيبويه. وتقول على مذهب أبي عمْر: (تزوج ابنُ الزبير أمَّ عمْرِ بنتَ منظورِ بن زبّانَ الفزاريةَ).
- س: هل يجوز إسكان آخر الفعل الماضي إذا كان ياءًا نحو (لقِيْ)؟
ج: اختلف النحاة في ذلك فعده ابن عصفور من الضرائر وأجازه ابن مالك في الكلام. وهو الراجح. ومن شواهده قراءة الحسن ((وذروا ما بقيْ من الربا)) والأعمش ((فنسيْ ولم نجد له عزمًا)) وأبيات من الشعر معروفة.
- س: هل يجوز كسر همزة (إن) في نحو (أشهد إِنك مجتهد)؟
ج: الفتح في مثل ذلك هو الأصل. ويجوز الكسر على أن تكون (شهد) بمعنى (قال). وهي لغة لقيس حكاها مؤرج. أو تكون جارية مجرى القسم. وقرأ ابن عباس والحسن البصري ((شهد الله إِنه لا إله إلا هو)) بالكسر.
- س: أيُجرّ ما بعد (مذ) و(منذ) أم يرفع؟
ج: أخصر جواب لذلك أن نقول: الأجود جرّ ما بعدهما سواء كان ماضيًا أو حالًا إلا في (مذ) إذا كان ما بعدها ماضيًا، فالأجود رفعه. فمثال الجر (ما رأيته منذ اليومِ ويومين) و(ما رأيته مذ اليومِ). ومثال الرفع (ما رأيته مذ يومان) لأن (مذ) دخلت على ماض.
- س: أجد في كثير من كتب التراث نحو هذا المثال: (الأصمعي: كل مضيقٍ بين جبلينِ مأزِمٌ)، فكيفَ أقرؤه؟ أأقول: (قال الأصمعي) أم أقول: (عن الأصمعيِّ) أم ماذا؟
ج: في رأيي أنه يجوز أن يُقرأ مثلُ هذا بوجهين:
الأول: أن تضيف قبله عند القراءة كلمة (قال) على تأويل حذف المصنف لهذه الكلمة اختصارًا كما يكتبون (ص) وهم يريدون (صلى الله وعليه وسلم) ويقرءونها (صلى الله عليه وسلم). ولا تُقرأ (صاد). وكذلك سائر الاختصارات.
الثاني: أن تقرأه كما هو من غير إضافة شيء إليه، وذلك على تقدير (الأصمعي) ونحوه فاعلًا محذوفًا فعلُه لدلالة الحال.
ولا يصح تقدير حرف الجرّ كـ(عن) لأن حرف الجرّ لا يجوز حذفه في غير الضرورة.
- س: قرأت بيتًا لبعض الشناقطة الأقدمين يقول فيه:
أهلًا به من صالحٍ طامحٍ ** للخير لم -لغيره- يطمحِ
فهل يجوز هذا الفصل بين (لم) الجازمة والفعل المجزوم؟
ج: نعم، يجوز هذا في ضرورة الشِّعر. ومنه قول ذي الرّمة:
فأضحت مغانيها قفارًا رسومُها ** كأن لم –سوى أهلٍ من الوحشِ- تُؤهَلِ
- يُكتب في بعض بطاقات الأعراس (الداعيان: فلان وفلان). والأصوب أن يقال: (الداعي فلان وفلان) لأنه ينبغي أن يكون المبتدأ معروفًا لدى المخاطَب ومستقرًّا في نفسه، وكالجواب عن سؤال سأله، كأنه قال: (من الداعي إلى العرس). وهو لا يقول: (من الداعيان إلى العرس؟) لأن هذا لم يشِع بحيث يكون هو الأصل وهو العادة. وإذن تقول أيضًا: (رئيس ذلك البلد فلانة) و(معلّمنا امرأة) و(الكتب المقترحة عليك كتاب سيبويه فقط) و(الماشطة رجل) و(الشاهد الأول في تلك القضية فلانة).
- الصحيح في رأيي جواز الابتداء بالنكرة مطلقًا إذ لا فرق بين (في الدار رجلٌ) و(رجلٌ في الدار)، ولكنه ضعيف بلاغيًّا لأن الابتداء للمهمّ، و(رجل) نكرة.
- س: هل يصِحّ أن يقال: (معرفة حالِ بعضِهم البعض)؟ 
ج: نعم، يصِحّ هذا على أن يكون المصدر (معرفة) مضافًا إلى مفعولِه، ويكون (البعض) فاعلًا له مرفوعًا. وقد أجاز هذا سيبويه وغيرُه، ومنعه بعضهم.
والأجود إضافتُه إلى فاعله وذكرُ مفعولِه بعدَه منصوبًا به، فيقال: (معرفة بعضِهم حالَ بعضٍ) أو (البَعضِ).
- س: هل قال أحد بجواز إثبات حروف العلة في فعل الأمر أو المضارع المجزوم نحو (صلِّي يا رجل) و(لم تصلِّي يا رجل)؟ 
ج: أجاز ذلك الفراء في "معاني القرآن". وفيه نظر لأنه لم يقطع بسماعه عن العرب في كلامهم المنثور، وإنما ساق لذلك شواهد من الشعر. 
- تسمية الكلمة حرفًا اصطلاح شائع جدًّا في القرون الأولى عند اللغويين والنحاة. وهو الوجه الراجح الذي ينبغي أن يُحمل عليه قول النبي عليه السلام: (.. ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف).
- س: ما الذي ينقسم إلى اسم وفعل وحرف؟ أهو الكلمة أم الكلام؟ 
ج: إن شئتَ جعلتَه الكلِمةَ. ويكون ذلك من انقسام الشيء إلى جزئياتِه، أي: أنواعِه. وذلك أنَّ الاسم والفعل والحرف كلُّ واحدٍ منها يسمَّى (كلِمة). وإن شئتَ جعلتَه الكلامَ، أي: جعلتَ الكلامَ ينقسِم إلى هذه الثلاثة. ويكون من انقسام الشيء إلى أجزائِه. والمرادُ أنَّ كلامَ العرب قائمٌ على هذه الأقسام كلِّها. وليس المراد كلامَ المتكلِّم، فإنّه ربَّما قامَ ببعض هذه الأقسام كقولك: (محمد كريم) و(جاء محمد). 
ومن مّن جعلها أقسامًا للكلمةِ الزمخشري (ت538هـ) في (المفصل) وابن الحاجب (ت646هـ) في (الكافية) وابن مالك (ت672هـ) في (التسهيل). وعليه جمهور المتأخِّرين. 
ومن مّن جعلها أقسامًا للكلام المبرّدُ (ت285هـ) في (المقتضب) وابن السراج (ت316هـ) في (الأصول) والزجاجي (ت340هـ) في (الجمل) وأبو علي الفارسي (ت377هـ) في (الإيضاح) وابن جني (ت392هـ) في (اللمع) وغيرُهم. وهو أكثرُ صنيع المتقدِّمين.
- تقول عند إضافة (سنين) على إعراب جمع المذكر: (سِنُوْك). وهو الأجود. وعلى إعراب جمع التكسير:(سنينُك). وتقول: (سُنِيُّك) على لغة من يجمعها على (سُنِيّ). 
- يجوز أن تقول: (ابنُ قيسِ الرقيَّاتِ) فتضيف (قيسًا) إلى (الرقيّات). ويجوز أن تقول: (ابن قيسٍ الرقياتُ)، تجعلها بدلاً من (ابن). 
- تقول: (الله أكبرُ الله أكبر) فتضم الراء الأولى. وهو الأصح. ويجوز أيضًا (الله أكبرْ ألله أكبر)، و(الله أكبرَ الله أكبر)، فتسكن وتفتح. أما الإسكان فعلى إجراء الوصل مجرى الوقف. وأما الفتح على نقل حركة الهمزة بعد الإسكان على قياس (منَ انت). 
- أجاز ابن جني تسمية النبي عليه السلام (المُحمَّد). وأل هذه للمح الصفة. ولم يرِد هذا اللفظ وصفًا إلا في بيت واحد: 
* إذا ما قتلنا بالمحمَّد مالك * 
- س: كيف أقف على الضمير (أنتِ) للأنثى؟ هل أقف عليها بالسكون مع أن ذلك ملبِس بـ(أنتَ) للمذكّر؟ 
ج: يوقف على (أنت) بالسكون سواء أكانت لمخاطبة مذكر أم مؤنث. ويجوز أيضًا الوقف عليها بهاء السكت فتقول: (أنتَهْ) و(أنتِهْ). وهذا رافع للّبس الذي قد يعرض، وهو قليل لأنّ في قرينة الخطاب الذي يقتضي في الغالب المواجهة والإقبال ما يدلّ على نوع المخاطب. ولا يجوز الوقف عليها بالحركة كما يفعله بعض الناس. وليس لتجويز بعضهم (أنتي) وجه من السماع ولا القياس. 
- قولُ الناس: (إليك الخبرَ) ونحوُه بمعنى (خذِ الخبرَ) جائز في قول الكوفيين. أما البصريون فلا يجيزون استعمال (إليك) إلا لازمًا بمعنى (تنحّ). 
- س: ما وجه تنوين نحو كلمة (هدًى) وفتحها أبدًا في جميع أحوال إعرابها؟ 
ج: إنما نُوّنت لأنها اسم منصرف كـ(رجل) و(قلم). والألف في آخرها مبدلة من الياء، وليست ألف تأنيث. وأما فتحها أبدًا بقولك: (هذا هدَن) و(رأيت هدَن) و(علمت بهدَن) خلافًا لكلمة (رجل) مثلًا، فإنك تُحرك آخره بحسب محلّه من الإعراب فتقول: (هذا رجلُن) و(رأيت رجلَن) و(مررت برجلِن) فذلك أن الفتحة اللازمة في (هدى) هي فتحة الدال، وليست حركة الإعراب. أما حركة الإعراب فحُذفت مع الياء المحذوفة. والأصل (هُدَيُنْ)، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا فصارت (هُدَانْ) فالتقى ساكنان الألف المبدلة من الياء، والتنوينُ فحُذفت الألف فصارت (هُدَنْ = هُدًى)، فيقال في إعرابها في نحو (هذا هدًى): خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة. 
- س: ما الصواب (لا داعيَ لكذا) أم (لا داعٍ لكذا)؟ 
ج: الوجه (لا داعيَ) من غير تنوين لأنه مبنيّ على الفتح. والأصل (داعيًا) فحُذف التنوين من أجل البناء. ولا يصح (داعٍ) لأن الياء إنما تُحذف إذا كانت ساكنة بسبب التقاء الساكنين الياء والتنوين، ولا تسكن إلا إذا كانت في محل رفع أو جرّ، وهي هنا مفتوحة في محل نصب. 
أما (لا داعٍ) فجائزة عند من يرى إعمالها عملَ ليس أو عند مَن يرى لَحاقها مهمَلة غيرَ مكرّرة. والأصل فيها حين إذ (لا داعيٌ = داعيُنْ) ثم أُعلّت إعلال (قاضٍ) فصارت (داعيْنْ) فالتقى ساكنان فحُذفت الياء فآلت إلى (داعنْ = داعٍ).
- يجوز أن تقول: (جاءت المرأتان كلتاهما وكلاهما). والأول أجود. 
- في (امرئ) ثلاث لغات: 
1- إتباع الراء حركة الإعراب (هذا امرؤ، رأيت امرَءًا، مررت بامرئ). وهي أجودها. 
2- فتح الراء مطلقًا (امرَأ). 
3- ضم الراء مطلقًا (امرُؤ). 
- في حركة نون المثنّى ثلاث لغات: 
1- كسرها أبدًا (جاء رجلانِ، رأيت رجلينِ، مررت برجلينِ). وهي الجيدة العالية. 
2- فتحها في النصب والجر (شكرت رجلينَ ولرجلينَ) عن الفراء. 
3- ضمها في الرفع (جاء رجلانُ) عن أبي عَمر الشيباني. 
- يجوز أن تقول: (عليك الصبرُ) و(عليك الصبرَ) و(عليك بالصبرِ) بالرفع والنصب والجرّ. 
- تقول: (عَمْرَك اللهَ) بمعنى أسألك باعتقادك تعميرَ اللهِ، أي بقاءَه. وهو الوجه. ويجوز (عَمْرَك اللهُ) و(عَمْرُك اللهَ). 
- الاعتلالُ لجعلهم حركة نون المثنى الكسرة وحركةَ نون جمع المذكر الفتحة، وليس العكس، اعتلال غيرُ واجبٍ لأنه اعتلالٌ للوضعِ، والأصلُ في الأوضاعِ أن لا يُعتلَّ لها لأنه مفضٍ إلى امتناعِ الحُكْمِ أو التناقضِ عندَ عدَمِ المزيَّةِ، ألا ترَى أنَّك لو أردتَّ أن تخبرَ عن مجيء أخَوينِ توءمينِ أحدُهما اسمُه محمدٌ والآخَر اسمُه خالدٌ، ولا تعلَمُ بينَهما فرقًا ولا تدري أيُّهما أكبرُ، فقلتَ: (جاءَ محمدٌ وخالدٌ) لقيلَ لك: (ولِمَ قدَّمتَ محمَّدًا؟). ولو قلتَ: (جاء خالدٌ ومحمدٌ) لقيلَ لك: (ولِمَ قدَّمتَ خالدًا؟). فلمَّا لم يكن لأحدِهما عندكَ مزيَّة علَى الآخَر وكنتَ معتقِدًا وجوبَ تقديمِ ما له مزيَّةٌ كانَ هذا يُسلِمُك إلى أحدِ أمرين: 
أحدُهما: أن تنقطِع عن الكلامِ. وهذا بيِّنُ البُطلانِ لأنَّ به فواتَ الغرض. 
والثاني: أن تقدِّمَهما جميعًا أو تؤخِّرَهما جميعًا. وهذا من المستحيلاتِ العقليَّة لأنَّ فيه تناقضًا لأنَّك لا تقدِّم الشيء على غيرِه إلا إذا كانَ غيرُه مؤخَّرًا عنه. وكذلكَ العكس. 
وإذن فلا يجبُ أن يكونَ لكلِّ شيءٍ من هذا القبيلِ عِلَّة. 
على أنّه لو أرادَ امرؤ أن يلتمسَ العِلَّة في اختيارِهم الكسرَ للمثنَّى والفتحَ للجمعِ أمكنَه أن يخمّنها، ولكنَّها عِلَّة ضعيفةٌ غيرُ مستحكِمةٍ لأنَّها قاصِرةٌ لا أفرادَ لها يُعرَف بها اطِّرادُ الحُكْمِ من عدمِه. ولذلكَ فإنَّ من العربِ -وهم بنو أسد- من يفتحُ نونَ المثنَّى كما حكَى الفرَّاء، قالَ الشاعر: 
على أحوذيَّيْنَ استقلت عشيَّةً ** فما هيَ إلا لمحةٌ وتغيبُ 
وقد فعلُوا العكسَ فكسرُوا نونَ الجمعِ اضطرارًا كما قالَ ذو الإصبَع العَدواني: 
إني أبيٌّ أبيٌّ ذو محافظةٍ ** وابنُ أبيٍّ أبيٍّ من أبيِّينِ 
وأصحُّ العِلل لذلكَ أنّهم استثقلُوا كسرَ نونِ الجمعِ فكرِهوا أن يقولوا: (جاءَ الزيدونِ) و(رأيتُ الزيدينِ) فاختارُوا الأخفَّ، وهو الفتحُ، ثم اختاروا للمثنَّى الكسرَ ليَفرُقوا بينَ النوعينِ. وبعضُهم يختارُ الأخفَّ في المثنَّى فيفتحُه كما فتحَه في الجمعِ ولا يبالي بعِلَّة الفرقِ. 
- زعم سيبويه أن حذف ياء المنقوص غير النكرة ضرورة. والصحيح جوازه. وفي القرآن ((يدع الداعِ)) ((ينادي المنادِ)) ((فهو المهتدِ)). ومنه عَمر بن العاصِ. 
- قال سيبويه: (وأما بايعته يدًا بيدٍ، فليس فيه إلا النصبُ) [الكتاب 1/ 391]، فمنعَ الرفع لأنك لا تريدُ أنك بايعتَه ويدُك في يدِه حقيقةً، وإنما تريدُ أنك بايعته بالتعجيلِ سواءٌ وضعتَ يدَك في يده أو لم تضعها. 
وفي هذه العلة نظر، وذلك أنه يجوز أن يكون هذا الكلام كنايةً غالبةً يُراد ملزومُها وإن لم يقع لازمُها في جميع أحوالها كما تقول: (فلان جبان الكلب) تريدُ أنه كريمٌ وإن لم يكن لديه كلبٌ. (قرَعَ الرجلُ سنَّه) تريدُ أنه ندِمَ وإن لم يفعل هذا. وكما جاز هنا أن يرادَ المعنى الكنائيُّ دونَ المعنى الحقيقيّ فإنه يجوز هذا أيضًا في (يدٌ بيدٍ) إذ كانَ الأصل في التعجيلِ أن يكونَ ويدُ البائع في يدِ المشتري ثم غلبَ هذا حتى صارَ كنايةً فلم يتعيَّن من بعدُ أن يوجدَ اللازم. 
ولو صحّت هذه العلّة لامتنع أن تقول: (كلمتُه فوه إلى فيَّ) إذا كلمتَه وقد مِلتَ بوجهِك عنه قليلاً لأن فاك حينَ إذٍ ليس قِبَل فيه. 
والذي أراه أن الرفع إنما امتنع لأنه ليس في الجملة رابط يعود على صاحب الحالِ. ولا مسوِّغَ لتقديرِ ضميرٍ محذوفٍ لأنَّه إنما يُقدَّر إذا كان ما قبلَه دالاًّ عليه وكان يقتضيه أيضًا كما فعلوا هذا في الخبر، قالوا: (السمن منوان بدرهم) أي: منه، لأن المنا مكيالٌ من مكاييل السمن، فكأنك قلت: (السمن جزء بدرهم)، فهو بعضُ المبتدأ، فالدلالةُ فيه إذن دَلالة الكلِّ على الجزء. هذا مع اقتضاء المبتدأ الخبرَ وطلبِه له بخلافِ الحالِ، فلا يقتضيها صاحبُها ولا يدلّ عليها. فلذلك وجبَ أن تكونَ الدّلالة عليها بالقرائنِ اللفظية. وقد عرف العربُ هذا فجعلوا لها رابطينِ رابطَ الواو ورابطَ الضمير كما قال: ((فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون)) ، وليس كذلك جملةُ الخبرِ. وربّما استغنوا عن أحدِهما اكتفاءًا بالآخَر. فأمَّا أن يستغنوا عنهما جميعًا فلا يَكونُ. 
- إن سمعت أحدًا يقول: (كان زيدٌ قائمٌ) فلا تعنّفه، فقد أجاز ذلك الجمهور على تقدير ضمير الشأن، وابن الطراوة على إلغاء عمل (كان). وله شواهد. 
- س: لم لا نعرب اسم (كان) وأخواتها فاعلًا، وخبرها مفعولًا به؟ 
ج: لأن المفعول هو الذي يقع عليه فعل الفاعلِ، فإذا قلت: (ضربَ محمدٌ زيدًا) فإن الفعل وهو الضرب وقع من محمدٍ على زيدٍ، وهذا لا يسوغ في (كان) وأخواتها لأنك إذا قلت: (كان محمدٌ كريمًا) فالفعلُ وهو الكون لم يُوقعه محمدٌ بـ(كريم) لأن الكون فعلٌ لازمٌ لا يتعدّى، والكريم هو محمدٌ نفسُه. ويزعم بعض النحاة أنه لا يدلّ على حدثٍ، وإنما يدُلّ على مجرّد الزمانِ لأنك تقول: (محمدٌ كريمٌ)، فإذا أدخلت عليه (كان) فإنك لا تعدو أن تكون نقلتَ زمان الجملةِ الاسميّة من الاستمرار إلى المضيِّ. 
- س: (لمَ) (لما) (لمَهْ) هل هذه الأوجه جائزة في الاستفهام؟ 
ج: نعم، كلها جائزة. وذلك أنه يجوز لك أن تقول: (لِمَا فعلت ذلك؟) بإثبات الألف. وقد قُرئ: ((عن مّا يتساءلون))، وقال حسان: 
على ما قام يشتمني لئيم ** كخنزير تمرّغ في رمادِ؟ 
والأكثر حذفها. فإن حذفتها فلك في الوقف عليها وجهان: 
الأول: أن تقف عليها بهاء السكت فتقول: (لِمَه). فعلى هذا تكتبها بالهاء وإن وصلت لأن الرسم موضوع على الوقف والابتداء. 
الثاني: أن تقف عليها بغير الهاء فتقول: (لِمْ) فتكتبها كذلك للعلة السابقة. 
- س: أشكل عليّ مثال التنازع (ضربني وضربت زيدًا)، فما شرحه؟ 
ج: إن أعملتَ الأول في (ضربني وضربتُ زيدًا) وجبَ رفع (زيد) فتقول: (ضربني وضربتُ زيدٌ) لأنه يطلبُه على جهة الفاعلية. والأصل إضمار المفعول،فتقول: (ضربني وضربتُه زيدٌ). وهو الأحسن. ويجوز الحذف لأنه فضلة فتقول: (ضربني، وضربتُ زيدٌ). 
وإن أعملتَ الثاني فقلتَ: (ضربني وضربتُ زيدًا) فلا يُشكِل عليه ذكر المفعول، وهو ياء المتكلم في (ضربني) لأنه إنما يجبُ حذفه إذا كان يعودُ إلى المتنازَع كقولك: (ضربتُه وضربني زيدٌ) لما يلزم منه من الإضمار قبل الذّكر لغير ضرورة لأن المفعول فضلة. أما (ضربني وضربتُ زيدًا) فياء المتكلم في (ضربني) إنما تعودُ إلى المتكلّم لا إلى المتنازَع (زيد)، فيجب ذكرُها. 
وأنصح لك بقراءة هذا الباب في (الإيضاح في شرح المفصل) لابن الحاجب، فقد أجاد في عَرضِه وتِبيانه.

الجمعة، 16 نوفمبر 2018

هل يجيز العلماء نحو (استمعت إلى معانيَ مفيدة) بإثبات الياء في (معاني) في حال الجرّ؟

في الممنوع من الصرف
نُشر في 23/ 8/ 1428هـ.
لا يجيز العلماء في نحو (معانٍ) مجرورًا إلا حذف الياء والتنوين، وذلك كقولك: (استمعت إلى معانٍ مفيدة). ولا يقال: (استمعت إلى معانيَ مفيدةٍ) إلا في ما كان علمًا، قالَ المبرّد :(إن احتاج الشاعر إلى مثل جوارٍ فحقه -إذا حرك آخره في الرفع والخفض- أن لا يجريه، ولكنه يقول: مررت بجواريَ كما قال الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولًى هجوته ** ولكن عبد الله مولى مواليا
فإنما أجراه للضرورة مجرى ما لا علة فيه) [المقتضب / 1: 143]، وقالَ ابن جني: (وكذلك قوله:
أبيت على معاريَ فاخراتٍ ** بهن ملوَّب كدم العباطِ
هكذا أنشده: على معاريَ، بإجراء المعتل مجرى الصحيح ضرورة. ولو أنشد: على معارٍ فاخرات، لما كسر وزنًا ولا احتمل ضرورة) [الخصائص / 2: 298، هنداوي]. وقالَ ابن مالك: (المنقوص الذي نظيرُه من الصحيح غيرُ منصرفٍ إن كان غيرَ علمٍ كجوارٍ وأعيمٍ، تصغير أعمى، فلا خلافَ أنه في الرفعِ والجرّ جارٍ مجرى قاضٍ في اللفظِ، وفي النصبِ جارٍ مجرى نظيره من الصحيح، فيقال: هألاء جوارٍ... ومررت بجوارٍ... ورأيتُ جواريَ... وكذا إن كان علمًا في مذهبِ الخليلِ وسيبويه وأبي عمْر وابن أبي إسحاق. وأما يونس وأبو زيدٍ وعيسى والكسائي فيقولون في قاضي، اسم امرأة: هذا قاضي، ومررت بقاضي...) [شرح الكافية الشافية / 2: 96، دار صادر]، وقالَ الشاطبي: (هذا لا تقوله العربُ في السعةِ أصلاً) [شرحه على الألفيةِ / 5: 686].
أما ما نُقِلَ إلينا من ما يخالف هذا عن بعضهم فغلطٌ منهم إذ خلَطوا بينَ مسألة (جوار) نكرةً ومسألةِ (جوارٍ) علمًا. وقد ذكرتُ آنفًا مقالات العلماء في التفريقِ بينهما وأنَّ العربَ (لا تقولُ ذلك في السعةِ أصلًا).
ولِيتبيَّنَ وجه الغلطِ أسودَ مظلِمًا وازن بينَ قولِ المحلّي –وليس بالمعروف– وقولِ ابن مالكٍ،
قال المحلي:
(الإعراب فيه [يعني نحو جوارٍ] مقدر إلا عند يونس وأبي زيد والكسائي، فإنهم يظهرون الأخيرة فيقولون: مررت بجواريَ. ومنه عندهم قول الفرزدق :
* ولكن عبد الله مولى مواليا*
وهو عند غيرهم محمول على الضرورة).
وقال ابن مالكٍ:
(وكذا إن كان علمًا في مذهبِ الخليلِ وسيبويه وأبي عمْر وابن أبي إسحاق. وأما يونس وأبو زيدٍ وعيسى والكسائي فيقولون في قاضي، اسم امرأة: هذا قاضي، ومررت بقاضي).
ولِيتبينَ الغلطُ أكثرَ من ذلك انظر إلى ما قالَ سيبويه في كتابه:
(وأمّا يونس فكان ينظر إلى كلّ شيء من هذا إذا كان معرفة كيف حال نظيره من غير المعتل معرفة، فإذا كان لا ينصرف لم يصرف، فيقول: هذا جواريْ قد جاء، ومررت بجواريَ قبل. وقال الخليل: هذا خطأ، لو كان من شأنهم أن يقولوا هذا في موضع الجرّ لكانوا خلقاء أن يلزموها الجر والرفع إذ صار عندهم بمنزلة غير المعتلّ في موضع الجرّ، ولكانوا خلقاء أن ينصبوها في النكرة إذا كانت في موضع الجرّ فيقولوا: مررت بجواريَ قبل ، لأنَّ ترك التنوين في ذا الاسم في المعرفة والنكرة على حال واحدة) [الكتاب / 3: 312، هارون].
فأنت تراه نقلَ عن يونسَ شيخِه أنَّ خلافَه إنما هو في نحوِ (جوارٍ) إذا كانَ معرفة، أي: علمًا.
ولو كانَ يونسُ يقولُ بهذا لم يلزمه الخليلُ برأي يقولُ به إذ قالَ: (ولكانوا خلقاءَ أن ينصبوها في النكرة إذا كانت في موضع الجرّ فيقولوا: مررت بجواري قبل، لأنَّ ترك التنوين في ذا الاسم في المعرفة والنكرة على حال واحدة).
فإذا كانوا كما ترى قد أخطئوا في نقلِ قولِه فجائزٌ أن يخطئوا في نقلِ قولِ غيره.
هذا ما كتبته بما بدا لي من الرأي والنظر ثم وقفت بعد ذلك على نصّين نفيسين يظاهران ما ذهبتُ إليه ويبيّنان صوابه:
1- قال أبو حيان –وهو غاية في سعةِ الاطلاعِ ومعرفة الخلافِ-: (وما آخره ياءٌ قبلَها كسرةٌ يكونُ جمعًا متناهيًا نحو: جوارٍ... فهذا يُنوَّن في الرفع والجر وتظهر الفتحة بغير تنوين في النصب. وما كان منه علمًا فمذهب يونس وأبي زيد وعيسى والكسائي وأهل بغداد أن الفتحة تظهر في حالة الجر كما تظهر في النصب ويمنع التنوين مطلقًا فتقول: قام جواريْ، ورأيتُ جواريَ، ومررت بجواري... ومذهب أبي إسحاق وأبي عمْر والخليل وسيبويه وجمهور أهل البصرة أنه يُنوَّن رفعًا وجرًّا وتحذف ياؤه فيهما ويُتمّ في النصب ولا ينون. وما ذكره أبو علي من أن يونسَ وهألاء ذهبوا إلى أنه لا تحذف الياء إذا كان جوارٍ نكرةً ولم يُسمّ به فتقول: هن جواريْ ومررت بجواريَ، فلا يُنون، وهَم وخطأ ومخالفة للغة العرب والقرآن) [ارتشاف الضرب / 2: 889، 890، مكتبة الخانجي.
2- قال ابن عقيل في شرح قول ابن مالك في "التسهيل": (ويُحكم للعلم منه عند يونسَ بحكم الصحيح إلا في ظهور الرفع)، قالَ ابن عقيل:
(فإذا سميتَ بجوارٍ قلت عند يونس: هذا جواري، بإثبات الياء وإسقاط التنوين، ومررت بجواريَ... وهو أيضًا قول أبي زيد وعيسى والكسائي والبغداديين. ومذهبُ سيبويه وجمهور البصريين أنه يبقى على ما كان قبل العلمية... وقوله [أي: قول ابن مالك]: (للعلمِ منه) يُخرج النكرة، فلا يفعل يونس فيها ذلك، بل هو فيها كغيره، وكذا من ذكر معه من القائلين بقوله. ووقع للفارسي وهم في ذلك فنقل عنهم في النكرة أيضًا ما قالوه في العلمِ) [المساعد / 3: 30، 31، طبعة أم القرى].
قلتُ: لعلّ مَن قالَ بقولِ الفارسيّ ناقلٌ عنه ومعوِّلٌ عليه، فبخطئِه أخطأ.
***
8/ 3/ 1440هـ.
تذييل:
ثم وجدت بعد ذلك بنحو عشر سنين أبا جعفر النحاس (ت338هـ) في "صناعة الكتّاب 145" يجيز إثبات الياء في نحو (معاني) مجرورًا نكرة كان أو علمًا. وهو غير مذهب يونس الذي أثبتنا أنه مقصور على العلم. فيجوز على مذهب أبي جعفر أن يقال: (استمعت إلى معانيَ مفيدة). وأجدني أميل إلى ذلك لحجج ليس هذا موضع بسطها وبيانها إذ كان الغرض من هذا الحديث تحقيق مذاهب العلماء في هذه المسألة.

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

لم لا تكون (مِن) اسمًا؟ وحديث في التعارض بين حدّ الكلمة وعلاماتها

في أنواع الكلمة
نُشر في ملتقى أهل اللغة في 14/ 1/ 1430 هـ.
لو ادَّعى مدَّعٍ أنَّ (مِن) اسمٌ بدليلِ أنّها تقعُ موقعَ (بعضٍ) وأنّها تقعُ في موضع الفاعل حيثُ لا فاعلَ، وموضعِ المفعول حيثُ لا مفعولَ. فأمّا وقوعُها موقِع (بعض) فأوضح مثالٍ عليهِ قراءة الجمهورِ: ((لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا من ما تحبون)) وقراءة ابن مسعود: ((حتى تنفقوا بعضَ ما تحبون)) . وأمّا وقوعُها موضع الفاعل حيثُ لا فاعلَ فمثلُ قوله: ((ولقد جاءك من نبأ المرسلين)). وأمَّا وقوعها موضع المفعول حيثُ لا مفعولَ فمثلُ قوله : ((فشربوا منه إلا قليلاً منهم)). 
فما أصرحُ دليلٍ على الفرق بينهما يمكنك أن تُجيب به؟ 
المعوَّل عليهِ في التفرقة بين أصناف الكَلِم هو الحَدُّ لا العلاماتُ إذ الحدُّ موضوعٌ لبَيانِ حقيقةِ الشيءِ وتمييزِه عن غيره. فإذا أردنا معرفةَ شيءٍ من الكلمِ وإلى أيِّ صنفٍ من الأصنافِ الثلاثةِ ينتمي عرَضناه على الحدِّ بعدَ تمحيصِه والاطمئنانِ إلى سلامتِه والاستيثاق من دوَرانه طردًا وعكسًا . 
فإذا استبهمَ علينا الحدُّ ولم يهدِنا النظَرُ فيهِ ثمّ النظرُ إلى الكلمةِ المرادِ معرفةُ صنفِها إلى يقينٍ قاطعٍ استعنَّا بالنظر في العلاماتِ والخواصِّ التي أعطيَتها هذه الكلمةُ إذ لكلِّ صِنفٍ من الأصنافِ خواصُّ لا يشرَكه فيها غيرُه توجَد في بعض أنواعِه دونَ بعضٍ. وهي خواصُّ اقتضتها طبيعتُه كدخولِ حرف التعريف على الأسماء دونَ غيرِها، فإنما ذلكَ لأنَّ الفعلَ ليسَ اسمًا لشيءٍ ثابتٍ فيقبلَ التعريفَ والتنكيرَ ولأنَّ الحرفَ ناقصُ الدّلالةِ لا يتِم معناه إلا بغيرِهِ. 
وينبغي قبلَ النظر في العلاماتِ أن ننظرَ في الحدودِ لأنَّ العلاماتِ ربَّما تخلَّفت كما في (عدا، وخلا) في الاستثناء، وربَّما انتقضت كما في (أقائلُنَّ أحضروا الشهودا)، وربَّما اختُلِفَ فيها كما في لحاقِ ياء المتكلم معَ نون الوقاية اسمَ الفعلِ (عليكَني)، على أنَّ ادِّعاءَ أنّ ما يسمونَه (أسماءَ فعالٍ) أسماءًا فيهِ نَظرٌ. 
أمَّا الحدودُ فإنها متى أُحكِمت لم يتطرَّق إليها خللٌ ولم يمسسها خوَرٌ. والنحاةُ كثيرًا ما يُقدِّمون حكمَ العلامات على حكمَ الحدودِ كما فعلوا في (ليسَ) فعدوه فِعلاً، والحقُّ أنه حرفٌ كما قالَ أبو بكر بنُ شُقيرٍ وأبو علي الفارسيّ. وذلكَ لدلالةِ الجنس ودلالةِ العلاماتِ المطردةِ والغالبةِ. أمَّا لَحاق التأنيث الساكنة وضمائر الرفعِ بها فله توجيهٌ ليس هذا موضع بسطه.
ونرجعُ إلى حدي الاسمِ والحرف. 
حدُّ الاسمِ: كلمةٌ دالَّة على معنًى في نفسِها غيرِ مقترنٍ بزمنٍ محصَّلٍ. 
وحدُّ الحرفِ: كلمةٌ دالّةٌ على معنًى في غيرِها فقط. 
وإذا نظرنا في (بعضٍ) وجدناها تدلُّ (بنفسِها) على ذاتٍ، تقولُ: (هألاء بعض الناسِ، وهألاءِ بعضٌ)، فلا تحتاج إلى اسمٍ بعدها تتمِّمُ به معناها لأنّ (بعضًا) تُفهِم بنفسِها صورةً تامَّةً إذا كانَ معلومًا بالسياقِ الجنسُ الذي يُنمى إليه هذا (البعض) كما تقولُ: (هألاءِ نِصف الناسِ، وهألاءِ نِصفٌ). ولولا أنَّ (بعضًا) و(نصفًا) من الألفاظِ العامَّةِ التي تُطلَق على أجناسٍ متعدِّدة مختلِفةٍ لما احتجتَ إلى وضعها في كلامٍ ليستبينَ لك معناها تامًّا. وليس صوابًا قولُ مَن ادَّعى أنَّ التنوين في (بعضٍ) تنوينُ عوضٍ، فإن تنوينَ التمكين سابقٌ لهُ، فأيَّ شيءٍ أفادَ هذا التنوينُ الجديدُ. والذي أدخلَ عليهم اللبسَ أنَّ هذا اللفظَ ونحوَه كـ(جزء) و(كلّ) و(نصفٍ) منَ الألفاظِ العامَّة التي ليسَ لها حقيقةٌ ثابتةٌ، وإنما تطلَقُ على كلِّ ذي أفرادٍ من أيِّ جنسٍ كانَ. فلهذا كان قولُك: (هألاءِ بعضٌ) كقولك: (هألاءِ قومٌ) إلا ما ذكرتُ من اختلافِ النوعينِ من جهةِ الانحصارِ والعمومِ. 
أما (مِن) فإنها وإن قاربت (بعضًا  شيئًا من المقاربةِ فبينَهما عندَ التحقيقِ فرقٌ، وهو أنَّ (مِن) لا يُفهَم معناها إلا بغيرِها، فلا تقول: (هألاء مِن) حتى تأتيَ بعدَها باسمٍ. 
فهذا بشيءٍ من الاختصارِ بيانُ الاختلافِ بينهما في الحدِّ وصدقِ انطباقِه عليهما. 
أمَّا الخواصُّ فضربانِ/ خواصُّ مطَّرِدةٌ وخواصُّ غالبةٌ، فالخواصُّ المطرِدةُ يكتفَى بها وتوجِب المصيرَ إلى لازمِها. والخواصُّ الغالبةُ يؤخذ بها متى عُدِمت المطرِدة ولم ينكشف الحدُّ. وهي التي تُسمَّى في (قوانين الاحتجاج) بـ(الحمل على الغالبِ)، على أنَّ ذكرَها هنا داعٍ للاستئناسِ وتثبيتِ الرأيِ. 
وإنَّما احتجنا إلى النظر في الخواصِّ لأنَّ الحدَّ ربّما يخفَى أحيانًا أو يكونُ غيرَ صريحِ الدِّلالةِ أو ربما لا نعلَم قصدَ العربِ في اللفظِ نفسِهِ، ولأنَّ النظرَ في الخواصِّ أيسرُ أيضًا وأقلُّ مئونةً على الناظرِ. 
أمَّا الخواصُّ المطردةُ فمنها أنك تقول: (إن من البيانِ لسحرًا) وتقولُ: (إنَّ بعضَ البيانِ لسحرٌ). وهذه علامةٌ تركيبيةٌ بيِّنةٌ كلَّ التبيُّنِ. 
ومنها عدمُ قَبولها علامةً من علاماتِ الأسماء. 
وأمَّا الخواصُّ الغالبةُ فمنها: 
1- عدمُ اشتقاقِ الكلمةِ.
2- كونُها على حرفينِ كما يغلب على الحروف. 
3- بناؤها. 
4- أنَّ معنى التبعيض فيها لم يدلَّ عليه اللفظُ بالوضعِ إذ الأصل في معنى (مِن) الابتداءِ كما أن الأصل في معنَى الباء الإلصاقُ، وإنما دَلَّ عليه بالتفرّع عن المعنَى الأصليِّ. وهذا أشبُه بالحروف. 
وبقِيَ أيضًا أن نذكرَ قانونًا من قوانينِ الاحتجاجِ آخرَ، وهو قانونُ عدمِ تردُّد الشيء الواحد بينَ حقيقتينِ أو معنيينِ ما أمكنَ، وذلكَ أنك إذا جعلتَ (مِن) مرةً اسمًا ومرةً حرفًا كانَ هذا أقربَ إلى أن يخالِفَ ناموسَ اللغةِ لأنَّ حقيقةَ الاسميةِ مباينةٌ كلَّ المباينةِ حقيقةَ الحرفيةِ. والحرفُ إذا وُضِع لمعًنى مَّا وكان له حقيقةٌ ثابتةٌ لم ينتقل من حقيقته إلا بمجازٍ مقبولٍ أو توسُّع متصوَّرٍ في الذهنِ جارٍ على عوائدِ التطوُّرِ. ولذلك ذكر سيبويه أنَّ جميع معاني الباء راجعةٌ إلى الإلزاق والاختلاط. 
أمَّا (ما) فإنما كانت في بعض حالاتها اسمًا وفي الأخرى حرفًا لأنهما وضِعتا على هاتين الحقيقتين وضعًا واحدًا واتفقتا في الصورة. وليس أحدُهما تطورًا من الآخر أو توسُّعًا فيه لمناقضة هذا لقوانينِ التطور. وهذا يَجري على أكثرِ حروفِ الجرِّ، فإن كثيرًا من النحاةِ، ولا سيَّما مَن يقِف عند المعنى الظاهرِ كابن مالكٍ [وقد أشار إلى هذا الشاطبيُّ في أكثر من موضعٍ] لا ينظرونَ إلى أصولِ المعاني وأسبابِ التوسُّع فيها. وظنِّي أن الذي حملَهم على هذا وَلوعهم بالاستكثارِ من الإحصاءِ كما فعلوا في علاماتِ الاسم ومسوغات الابتداء بالنكرةِ وإنْ كانت كلُّها ترجِعُ إلى شيءٍ واحدٍ.
أمَّا استدلال هذا المدَّعي اسميتها بوقوعها موقِع (بعض) فليس دليلاً لأنّ اسم الفعلِ –وهو اسمٌ على رأيِهم– يقعُ موقِع الفِعل، تقولُ: (انزل) و(نزالِ) و(اسكت) و(صه)، ولأنّ (ليس) -وهو فعل عندهم- يقع موقِع (ما) وهي حرف، ولأنَّ بعض حروف الجرِّ كحرف الباء يقعُ أيضًا موقع الاسمِ (بدل) ونحوِه، وهو حرفٌ باتّفاقٍ في ما أعلمُ. 
وأما وقوعُها موقِع الفاعل حيثُ لا فاعلَ، وموقع المفعول حيث لا مفعولَ فعلى حذفِ الفاعلِ والمفعولِ لدلالتِها عليهِما كما حُذف المبتدأ في قوله: ((وما منا إلا له مقامٌ معلومٌ)) وغيره.
***
لا شكَّ أن النظَر إلى الكلمةِ بعد تركيبِها ابتغاءَ معرفةِ حقيقتِها من مَّا يُحتاجُ إليهِ، ولكن على أن لا يناقِضَ ذلكَ الحدودَ الموضوعةَ أو يفرِّق بينَ المتماثلين. وأنا ذاكرٌ الآنَ شيئًا من أثرِ التركيبِ في الاستدلالِ على الحقائقِ، وذلكَ في صنفين: 
الأول: أن يلتبس الغرضُ من وضعِ العرب للفظٍ من الألفاظِ فيُفزع إلى العلاماتِ لمعرفته. من ذلكَ اختلافُهم في (لمَّا) و(إذْما) و(مهما) أسم هي أم حرفٌ. وهذا مذهبٌ صحيحٌ مقبولٌ. 
الثاني: أن يكونَ الحدُّ دالاًّ على نوعِ الكلمةِ، ولكن يعارِضُه بعضُ العلاماتِ فيأخذَ النحاةُ بها ولا يلتفتوا إلى دلالةِ الحدِّ. وهذا المذهبُ مرفوضٌ لأنَّ العلاماتِ دَلائلُ تركيبيةٌ، والحدودَ دلائلُ إفراديةٌ، والعلاماتِ من لوازمِ الجنسِ، وقد تتخلَّف أو توجد في غيرِ موضعِها، وربَّما لم يسلَّم بها، والحدود هي السبيلُ إلى معرفة الجنسِ ذاتِه لا لازمِهِ. والنظرُ إلى المفردِ مقدَّم على النظرِ إلى التركيبِ، والنظر إلى الجنسِ مقدَّم على النظر إلى لازمِه. ومن أمثلة ذلك عندهم: 
1- ادِّعاؤهم أنَّ (هلمّ) في لغة الحجاز اسمٌ، وفي لغةِ تميم فِعلٌ، لا لفرقٍ في الدلالة، وإنما لأنَّ الأول لا تتصل به الضمائِر، والثاني تتصلُ بهِ. 
2- ادِّعاؤهم أنَّ (عسى) فِعلٌ، ولكنَّه إذا اتصلَ بها ضميرُ نصبٍ صارت حرفًا من أخواتِ (إنَّ) الناصبةِ كما قال الشاعرُ: 
* فقلتُ: عساها ضوءُ نارٍ، وعلَّها *
معَ أنَّ دلالتَهما واحدةٌ. 
3- ادِّعاؤهم أنَّ الكافَ و(على) و(مِن) حروفٌ، ولكنَّه إذا دخلَ عليها حرفُ جرٍّ أصبحت أسماءًا كقول الراجز: 
* يضحكن عن كالبَردِ المنهمِّ *
والآخرِ: 
* غدت مِن عليه بعد ما تمَّ ظمؤها *
والآخر: 
* مِن عن يميني مرَّةً وأمامي *
4- ادِّعاؤهم أنَّ (أل) حرفٌ، ولكنه إذا وليَها صفةٌ صريحةٌ فهي اسمٌ. 
5- ادِّعاؤهم أنَّ (إذ) اسمٌ، فإذا كانت للتعليلِ والمفاجأة كانت حرفًا (وهذا رأي بعضهم). 
6- ادِّعاؤهم أنَّ (ما) تكون اسمًا في مواضعَ وحرفًا في مواضعَ أخَرَ. 
7- ادِّعاؤهم أنَّ (عدا) و(خلا) تكونان أفعالاً وتكونانِ حروفًا. 
8- ادِّعاؤهم أن واو الجماعة وألف الاثنين أسماءٌ، فإذا وقعتا في لغة (أكلوني البراغيث) كانت حروفًا. 
وهذا الصنف مطَّرَحٌ مرفوضٌ في مُعظَمه إما لعدمِ ثبوت الدليلِ على اختلافِ الحقيقتينِ كما في (أل)، أو لثبوت أن أحدَهما أعمُّ من الآخرِ وأنه أصلُه كما في (إذْ)، أو غير ذلك. 
ولا يُصار إلى ادِّعاء أن العربَ وضعتِ الكلمةَ على وضعينِ إلا إذا امتنعَ حملُ إحداهما على الأخرى كما في (ما) الحرفية والاسميةِ، و(خلا) و(عدا). 
ولا يُعتدُّ بالنظر في العلاماتِ بادئَ الرأيِ لإثبات التفرقةِ لأن العلاماتِ أمرٌ عارضٌ بعد التركيب، والتركيبُ لا يغيِّر الحقائقَ إذ هي ثابتة قبله، ولكنَّه من مّا يستدَلّ به عليها عند عدَم معرفتِها. 
وأمّا (منذ) و(مذ) فمِن الصنفِ الأولِ لأنا لم ندرِ غرض العربِ منه، أفأرادوا في نحو قولهم: (ما رأيته منذ يومانِ) أن يجعلوا (منذ) لفظًا مستقِلاً بنفسِه معناه (أمدُ ذلك) أم أرادوا أن يجعلوه لفظًا معناه لغيرِه، فيكون بمعنى (مِن)؟ 
فلمَّا اشتبه على النحاة أمرُه انقسموا ثلاثة أقسامٍ، فبعضهم رأى حرفيتَه وأوَّلَ ما أوهمَ الاسميَّة من استعمالاته، وبعضٌ رأى اسميَّته وأوَّل ما أوهم الحرفيةَ. وبعضٌ رأى اسميته في مواضع وحرفيته في مواضعَ أخَرَ. 
وعندي أنَّ أضعفَها الوجهُ الثالثُ لأنَّه لا فرقَ بين معنى ما ادُّعي فيه الاسمية منهما ومعنى ما ادُّعي فيه الحرفيةُ. ألا ترى أنهم يقولون: (إذا وليَهما مجرورٌ فهما حرفانِ، وإذا وليَهما مرفوع أو جملةٌ فهما اسمانِ)، فعلَّقوا معرفة حقيقتها على ما بعدَها إذا رُكِّبت لا على معناها. 
والأرجح عندي أنهما حرفانِ لأسبابٍ يطولُ ذكرُها.

الأحد، 15 أبريل 2018

أعاريب متفرقة

نُشر مفرّقًا في تويتر وآسك وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- س: ما إعراب (الحي القيوم) في قولنا: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو [الحي القيوم] وأتوب إليه)؟ 
ج: يجوز في (الحيّ) الرفع والنصب. 
أما الرفع فعلى أن يكون عطف بيان من (هو) أو نعتًا مقطوعًا للفظ الجلالة (الله). 
وأما النصب فعلى أن يكون صفة للفظ الجلالة.
و(القيوم) يتبع في إعرابه (الحيّ). 
- س: (هذا كونٌ لا متناهٍ) ما إعراب (لا متناهٍ)؟
ج:هذا الأسلوب جائز في قول المبرد وابن كيسان. وتكون (متناهٍ) حين إذ نعتًا لـ(كون)، وذلك أنهما لا يوجبان تكرار (لا). وهو الراجح. والجمهور لا يجيزون هذا الأسلوب ويوجبون التكرار كأن تقول: (هذا كون لا متناهٍ ولا محدودٌ).

- س: قال الشاعر: 
رمضان يا عرس الزمان وبهجة ** تقضي على الأحزان والآهات 
ما الأوجه الإعرابية الممكنة في كلمة (بهجة)؟ 
ج: يجوز في (بهجة) النصب والبناء على الضم. أما النصب فعلى أن تكون شبه مضاف لأنها موصوفة بالجملة بعدها. وهو أجود. وأما البناء على الضم فعلى أن تكون نكرة مقصودة، ونُوّنت ضرورة، والجملة بعدها استئناف. ومنه قول الشاعر: 
* يا دار حسرها البلى تحسيرا * 
والفراء يجيز بناء المنادى الموصوف على الضم مطلقًا حتى وإن لم يمكن تقدير صفته جملة استئنافية خلافًا لسيبويه. 
- س: قال الشاعر: 
كذاك أُدِبْتُ حتى صار من خُلُقي ** أني وجدت ملاك الشيمة الأدب 
ما إعراب (الأدب)؟ 
ج: قوله: (إني وجدت ملاكُ الشيمة الأدبُ) يروى مرفوع القافية. ورواه أبو تمام بالنصب ثانيَ بيتين لبعض فَزارة. 
أما النصب فلا إشكال فيه. وأما الرفع فضرورة. وله تخريجات منها: 
الأول: أن تجعل (وجدت) ملغاة مع تقدمها. وهذا ضعيف. 
الثاني: أن تجعل (وجدت) عاملة معلقة عن العمل بلام ابتداء مقدر. 
الثالث: أن تجعل (وجدت) عاملة أيضًا وتجعل مفعولها الأول ضمير الشأن، والثاني جملة (ملاك الشيمة الأدب). والتقدير (وجدته ملاكُ الشيمة الأدبُ) أي وجدت الشأن. 
- س: قال عنترة: 
فسينبيكِ أنَّ في حدِّ سيفي ** ملكَ الموتِ حاضرٌ لا يغيبُ 
ما إعراب (حاضر)؟ و هل يجوز نصبها حالًا؟ 
وعليكم السلام. 
ج: في هذا البيت أربعة أوجه: 
1- (في حدّ سيفي ملكُ الموتِ حاضرٌ) برفع (ملك) مبتدءًا و(حاضر) خبرًا. وتكون الجملة في محل رفع خبرًا لـ(أنّ). و(في حد سيفي) متعلّقان بالخبر. واسمها ضمير الشأن محذوف. وهذا جائز في ضرورة الشّعر. 
2- (أن في حدّ سيفي ملكَ الموتِ حاضرًا) بنصب (ملك) اسمًا لـ(أنّ) و(حاضرًا) حالًا من خبرِ أنّ المتقدّم (في حدّ سيفي). 
3- (أنّ في حدّ سيفي ملكُ الموتِ حاضرًا) برفع (ملك) على أن يكون مبتدءًا خبرُه الجار والمجرور (في حدّ سيفي). و(حاضرًا) حالٌ من الخبر. والجملة في محل رفع خبر أنّ. واسمها ضمير الشأن محذوف. وهذا خاصّ بالشّعر.
4- (أنّ في حدّ سيفي ملكَ الموت حاضرٌ) بنصب (ملك) اسمَ أنّ ورفع (حاضر) خبرًا لها. و(في حد سيفي) متعلّق بالخبر (حاضر). وتقدّم معمول الخبر على الاسم والخبر جائز عند سيبويه. ومنعه الأخفش. 
وأجودُ هذه الأوجه الوجه الثاني لاتفاقهم على جوازِه ولرُجحانِ نصب (حاضرًا) على الحالية دون الخبرية لأنك لو وقفتَ على (ملك الموت) لتمّ الكلام. 
هذا مع التنبيه على أن هذا البيت مصنوعٌ على عنترة. 
- لك أن تقول: (أحسنْ إلى الناس سواء أأحسنوا إليك أم لم يحسنوا) برفع (سواء) ونصبه. الرفع على الخبرية، والنصب على الحالية. 
- س: ما نوع (مِن) في قولهم لأشعب: (ما بلغَ من طمعِك)؟ وما نوعها في ما جاء في السيرة: (حتى اجتمعوا عنده من رجل ورجلين)؟ وهل يصِحّ أن تكون (مِن) هنا زائدةً ويكون (رجل) حالًا؟ 
ج: أما المثال الأول فالجيد أن تكون (ما) مبتدءًا، وفاعل (بلغ) ضميرًا مستترًا يعود إلى (ما)، ويُقدّر لـ(بلغ) مفعولٌ محذوفٌ تقديره (الغاية)، و(مِن) لبيان جنس (ما). ووقوعها بهذا المعنى بعد (ما) كثيرٌ لإبهامِها. ويكون المعنى (ما الذي هو من طمعك قد بلغَ الغايةَ؟). 
ولا يجوز أن تكون هنا زائدةً لأنها إنما تزادُ في قول البصريين بعد الاستفهام إذا كان بـ(هل) خاصةً ولأنّه يقال في الجواب: (بلغ من طمعي) فتثبُت. ولو كانت زائدةً لسقطت لأنها لا تثبت في الواجب. 
وأما المثال الثاني فالظاهر أن (مِن) زائدة و(رجل) حالٌ. وزيادة (مِن) في الإيجاب وفي الحال أيضًا نادرةٌ خارجةٌ عن القياس. 
- س: ما إعراب (مطلقًا) في قول المناطقة: (أعم مطلقًا وأخص مطلقًا)؟ 
ج: يجوز أن يكون (مطلقًا) اسم مفعول من (أطلق) فتعرب حالًا موكدة لمضمون الجملة قبله. ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًّا فيكون بمعنى (إطلاقًا) ويعرب مفعولًا مطلقًا موكدًا لمضمون الجملة قبله أيضًا. وذلك أنه لما قال: (هو أعمّ) دلّ ذلك على أنه مطلق غير مقيّد، ولم تفد كلمة (مطلقًا) معنًى جديدًا إذ كان هذا هو الأصل، ولكنه ذكره توكيدًا لرفع الشكّ ونفي الاحتمال. 
- س: ما الصحيح من هذه الجمل: (جاء رجل عقلاءُ أبناؤه) و(جاء رجل عاقلةٌ أبناؤه) و(جاء رجل عاقلٌ أبناؤه)؟ 
ج: الصحيح جوازُ هذه الجمَل كلِّها. 
أمّا (جاءَ رجلٌ عُقَلاءُ أبناؤه) فلها توجيهان: 
الأوّل: أن يكون (عُقلاء) نعتًا لـ(رجلٌ). وبعض العلماء يقدِّم هذا الوجهَ على الإفرادِ كما في الجملةِ الثالثة. 
الثاني: أن يكون (عقلاءُ) خبرًا لـ(أبناؤه) مقدَّمًا وتكون جملة (عقلاءُ أبناؤه) في محل رفعٍ نعتًا لـ(رجل). 
وتظهر فائدةُ هذا التوجيه في غير الرفعِ، نحو (رأيتُ رجلًا عُقلاءُ أبناؤه)، فإنه يجوز لك الرفعُ كما يجوز النصب. 
أما (جاء رجلٌ عاقلةٌ أبناؤه) فلها توجيهانِ أيضًا: 
الأول: أن تكون (عاقلةٌ) نعتًا لـ(رجل). وذلك أن النعتَ إذا كانَ سببيًّا جرَى في التذكير والتأنيث مَجرى فعلِه. ولما كان يجوز في فعلِه أن تقول: (جاءَ رجلٌ عقَلَت أبناؤه) من قِبَل أن جمع التكسير يُذكّر المسنَد إليه ويؤنّث، فكذلك يجوز في النّعت. 
الثاني: أن يكون (عاقلة) خبرًا مقدّمًا لـ(أبناؤه)، وجملته في محلّ رفعٍ نعت. 
أما (جاءَ رجلٌ عاقلٌ أبناؤه) فظاهرة. وهي نعتٌ لـ(رجل). ولا يجوز أن تكون خبرًا مقدّمًا لـ(أبناؤه) لأنك لا تقول: (الأبناء عاقل). 
- س: أيّ الصواب (أنثى لا ذكرَ معها) أم (أنثى لا ذكرٌ معها)؟ 
ج: كلاهما صواب. 
أما الفتحُ فعلى أن تكون (لا) نافيةً للجنس. وأما الرفع فعلَى إعمالِ (لا) عمَلَ ليسَ. وهو وجهٌ قائمٌ. وقد مثَّل له سيبويه بقوله: (لا أحدٌ أفضلَ منك). والمبرِّد يجيز أن تكون (لا) هنا غيرَ عاملةٍ لأنه لا يشترِط التَّكرار. 
والفتحُ أجْوَد لكثرتِه وشيوعِه في كلامِهم. 
- رأيي في توجيهِ قراءة ((ويخشَ الله ويتقْه)) بإسكان القاف أنَّه خفَّفَها تخفيفَ (كَتِف). وهذا جائزٌ مطَّرِدٌ في الاسمِ والفعلِ إذا اتّصلَ بهما ضميرٌ كما يجوز في الكلِمة الواحدةِ، وليس شاذًّا ولا مقصورًا على الشِّعر كما يقول البصريونَ. وقد حكَاه أبو عَمْر بنُ العلاءِ [المحتسب 1/ 109]، والفرّاءُ [لغات القرآن له 30] عن تميمٍ وأسدٍ وبعضِ أهلِ نجدٍ. ومنه قراءة ((فتوبوا إلى بارئْكم)) و((وبعولتْهنّ أحقّ بردّهنّ))، و((ورسُلْنا لديهم يكتبون))، فـ(رِئِك) كـ(إِبِل)، و(لَتُه) كـ(عَضُد)، و(سُلُن) كـ(عُنُق). ومنه أيضًا من الشِّعر قوله: 
سيروا بني العَمّ، فالأهوازُ منزلُكم ** أو نهرُ تِيرى، ولا تعرِفْكم العربُ 
وقولُه: 
رُحتِ وفي رجليكِ ما فيهما ** وقد بدا هَنْكِ من المئزرِ 
فأما قولُ امرئ القيس: 
فاليومَ أشربْ غيرَ مستحقِبٍ ** إثمًا من اللهِ ولا واغلِ
فضرورةٌ لأنَّه غيرُ جارٍ على هذا الحدِّ إذْ لم يتَّصِل بآخرِ الكلِمة ضميرٌ.

- لا يجوز إعراب (الجنّة) في قوله تعالى: ((من الجنة والناس)) مضافًا إليه على تقدير (من شرّ الجنة) لأنه إذا حُذِف المضافُ ونابَ المضافُ إليه مَنابه فإنه يخلفه في إعرابه، فلا يقال في (من الجنَّة): إن (الجنَّة) مضافٌ إليه، والمضاف (شرّ) محذوف. بل تكون (الجنَّة) على تقدير المعنى المذكور اسمًا مجرورًا بحرف الجرِّ. ومن ما يدلك على صواب ذلك نحوُ قوله تعالى: ((واسأل القرية))، فإنَّ (القرية) في الأصلِ اسمٌ مجرور بإضافة (أهل) إليه. فلما حُذِف هذا المضاف وكان منصوبًا على المفعولية أُعرِب المضافُ إليه إعرابَه. وقد يخطئ بعض المعرِبين من العُلماء وغيرِهم فيعرِب نحو قوله: (سرتُ حثيثًا) إما بأن يجعلَ (حثيثًا) نائب مفعول مطلق أو نعتًا لمفعول مطَلقٍ محذوفٍ - وذلك في قول غير سيبويه -. فأمَّا الأول فلا يصِح لأنَّه ليس من وظائف الكلمة بعدَ التركيب هذه الوظيفة. وأمَّا الثاني فممتنعٌ من حيث إنَّ التابعَ - كالمضاف إليه - يقومُ مَقام المتبوع إذا حُذِف. وآية ذلكَ أنك تعرب نحو (مررت بجالسٍ يضحَك) فتقول في (جالس): (اسم مجرور بالباء). ولو أنَّا لم نعطِه الوظيفة التي كانت لموصوفه المحذوف لقدَّرنا حذفَ الاسم المجرور بالحرف، وهذا لا يجوز البتةَ كما هو معلومٌ. كما أنا لو قدَّرنا ذلك لم يجُز أن نجعلَ جملة (يضحك) وصفًا لـ(جالس)، وإنما تكونُ وصفًا للاسم المحذوف. وهذا ما لا يَقول به من يقول في إعراب (حثيثًا): نعتٌ لمفعول مطلق محذوف.

الجمعة، 13 أبريل 2018

الرأي في تغيير بعض اصطلاحات النحو بحجة التأدب مع الله تعالى

في بنية النحو
نُشر أصله في ملتقى أهل اللغة في 1/ 9/ 1429هـ.
وضع الناس ألفاظ كلامهم وقوانينه بالنظر إلى ما يعرفونه ويقع عليه إدراكهم من المخلوقات. فمتى شئنا أن نخبر عن الله تعالى أو نصفه بشيء منها حملناه على الأشرف منها ثم لم يمنعنا هذا من أن نعرِّفها بما لا يُوصف به الله تعالى لأنّ الشيء إنما يعتبر بمعظمه ويُوسم بأكثره. ومن التكلّف أن نغيّر اصطلاحاتها أو تعاريفها حذرًا من ذلك. 
ومن أمثلة هذا: 
1- المفعول به في نحو (اتق الله). 
2- صيغ المبالغة في نحو (الله غفور رحيم) لأن المبالغة توهم تجاوز القصد. 
3- صيغ التعجّب في نحو (ما أعظمَ الله) لأن (ما) عند البصريين اسمٌ نكرةٌ بمعنى (شيء)، فمقتضى هذا أن يكون المعنى (شيءٌ أعظمَ اللهَ). وبهذا احتجَّ الكوفيون على البصريين. 
4- تخصيص (مَن) بأنها للمذكّر العاقل مع أنها تُطلق على الله تعالى وهو لا يوصف بتذكير ولا عقل. 
5- إذا قال الإنسان: (عسى) فمعناها الترجي. وقد وقعت في القرآن في مواضع كثيرة، والله تعالى لا يجوز عليه الترجّي. 
6- فعل الأمر في نحو ((ربّ اغفر لي))، والله تعالى لا يؤمر. 
7- أصل معنى (على) الاستعلاء مع أنه قال: ((فأجره على الله)) و((توكلت على الله)). 
وفي ذلك يقول أبو سعيد السيرافيّ في (شرح كتاب سيبويه) يحتجّ لكلمة (ما أعظمَ اللهَ): 
(وفيه وجه رابع . وهو أن الألفاظ الجارية منَّا على معانٍ لا تجوز على الله. فإذا رأينا تلك الألفاظ مُجراة عليه حملناها على ما يجوز في صفاته ويليق به، ألا ترى أن الامتحان منا والاختبار إنما هو بمنزلة التجربة، وإنما يَمتحِن ويختبِر منا من يريد أن يقفَ على ما يكون وهو غير عالم به، والله يمتحن ويختبر ويبلو بمعنى الأمر لا بمعنى التجربة وهو عالم بما يكون. 
ومن ذلك أن (لعلّ) يستعمله المستعمل منا عند الشكِّ، وإذا جرى في كلام الله فإنما هو بمعنى (كي). و(كي) يقع بعدها الفعل الذي هو غرضُ ما قبلَه، كقوله: ((وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون))، معناه: كي تفلحوا. فالفلاح هو الغرض الذي من أجله أمرَهم بالتوبة. ومثل هذا كثير).
قلت:
وإذا أبينا إلا تغيير بعض هذه المصطلحات كقول بعضهم: ("إن مَن" للعالم لا للعاقل و"اغفر لي" فعل دعاء لا أمر و"دعوت الله" منصوب على التعظيم) فإنه يلزمنا أن نطرُد هذا فنمتنع من تسمية (غفور) صيغة مبالغة، و(عسى) في كلام الله فعلَ ترجّ، و(على) في نحو ((فأجره على الله)) حرف استعلاء، ونمتنع من تسمية الأسماء المذكرة مذكرةً لأنها تُطلق على الله تعالى، وهكذا. وفي هذا مع التكلف المذموم تغييرٌ لحقائق الأشياء، وذلك أنك إذا قلت مثلًا في: (رب اغفر لي): اغفر: فعل أمر. فمرادك أن الأصل فيه أنه يؤمر به، وليس يجب أن يجري هذا المعنى في هذا الموضع وفي كل موضع. وإذا قلت: الرحمن: لفظ مذكّر. فإنك تريد أنه على قياس الأسماء المذكرة لا المؤنثة. ولا تريد أن مسمّاه، وهو الله تعالى، مذكّر. وقد ذكرتُ أنّ الله تعالى يُستعمل في وصفه والإخبار عنه من الصيغ أشرفُها وإن لم يكن موصوفًا بها.
والمكر معروف، والاستهزاء معروف، والسخرية معروفة، فهل نغير ما استقرّت عليه معانيها لأن الله تعالى وصف بها نفسه في القرآن؟

الجمعة، 23 فبراير 2018

مسائل متفرقة في الضمائر

نُشر مفرّقًا في تويتر وآسك في أوقات مختلفة.
- الأصل أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور، فإن كان هذا المذكور مضافًا فالأصل أن يعود الضمير إليه لا إلى المضاف إليه. ومنه قوله تعالى: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)). وذلك أن المضاف هو المتحدَّث عنه، وهو الذي يتقلّب في مواقع الإعراب فيتسلط عليه الحكم، وإنما المضاف إليه كالتتمة له. ولكن يجوز أن يعود الضمير إلى المضاف إليه إذا أُمِن اللبس. ومنه قوله تعالى: ((فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا)). أي: أظن موسى. وبهذا التقرير ردّ بعضهم قول ابن حزم بأن الضمير في قوله تعالى: ((أو لحم خنزير فإنه رجس)) عائد إلى (خنزير) لا إلى (لحم). 
ونظير هذا مجيء الحال من المضاف إليه، فإن من النحويين من منع ذلك، ومنهم من أجازه بشروط، إذ الأصل أن تجيء الحال من المضاف لا من المضاف إليه.
- س: هل يجوز أن يقال: (أيهما أفضل كذا أم كذا) مع ما في هذا من عودة الضمير إلى متأخر عنه لفظًا ورتبة؟
ج: يُستثنى من منع عودة الضمير إلى متأخر عنه لفظًا ورتبةً مواضعُ، منها أن يكون الضمير مبدلًا منه عائدًا إلى بدله. ومنه قول العرب: (مررت به المسكينِ). والضمير في (أيهما) متصل بالمبدل منه، فيجري مجراه، فكما يجوز أن تقول: (ظفرت بهما العلمِ والمالِ) كذلك يجوز (أيهما أفضل العلم أم المال). وعلى هذا أراه جائزًا.
- س: ما وجه إخبار المتكلم الواحد عن نفسه بضمير الجمع كأن يقول: (وقد ذكرنا وقلنا)؟
ج: يُراد بذلك غالبًا إما حكاية قول يشاركه فيه غيره من أهل مذهبه فيكون كأنما يتحدث بألسنتهم لموافقتهم له، وإما على أن يجعل قارئ الكلام أو السامع له بمنزلة المشارك له، كأنه موافق له ومساير عليه، وذلك كما يقول المعلّم لطلابه: (قد ذكرنا في المحاضرة الماضية كذا وكذا) وإن كان هو المتكلم وحده. وكذلك شأن الكاتب.
- يجوز لك أن تشبع الفعل في نحو: (أنتِ صنعتي ذلك وأنتِ فعلتيه) سواء أتصلت به الهاء أم لم تتصل. وهي لغة عدي الرِّباب، حكاها أبو عبيد عن أبي عبيدة عنهم بإسناد عالٍ لا شكّ في صحته. ودقته. فأما إشباع (أنتي) هكذا فخطأ محض. ولم يثبته أبو عبيدة وهو الحاكي لهذه اللغة. وقد وقع في كتاب "البديع" لابن الأثيروغيره تصحيف لهذه الكلمة إذ جُعلت بالياء فانخدع بذلك بعضهم.
- يجوز أن تحرّك ميم الجمع في مثل قول الشاعر: (لا يفطنون لعيبِ جارِهِم) بالكسر (جارِهِمِ). وهو أقْيَس. وبه ضبطَ محمد محيي الدين عبد الحميد نظائر هذا في (شرح حماسة أبي تمام) للتّبريزيّ. ويجوز أن تحرّكه بالضم (جارِهِمُ). وهو أشهرُ وأجودُ.
- في ميم الجمع لغتان الإشباع والإسكان. ولم تُنسبا إلى قبيلة بعينها، قال الفراء: "والعرب مشتركون في جزم الميم ورفعها في قولهم: منهم ومنهمو، وعليكم وعليكمو، وكنتم وكنتمو. لا نعرفها خاصة في قوم بإحدى اللغتين، كلهم يقولون القولين". وقد جمع بينهما لبيد في قوله:
* وهمُ فوارسها وهمْ حكامها *
- س: ما فرق ما بين تاء الفاعل للمخاطبة نحو (ذهبْتِ)، وتاء التأنيث الساكنة نحو (ذهبَتْ)؟ 
ج: تاء الفاعل اسم ضمير له محل من الإعراب، وتاء التأنيث حرف لا محل له من الإعراب. 
والذي يدل على ذلك أن تاء الفاعل لا يليها فاعل لأنها هي الفاعل. فأما قولهم: (ذهبتِ أنتِ) فـ(أنت) توكيد، وليس فاعلًا بدليل أنه يجوز حذفه وإن لم يتقدمّ له ذكر. 
أما تاء التأنيث فيليها الفاعل، تقول: (ذهبَتْ هند). وقد يكون ضميرًا مستترًا نحو (هند ذهبَتْ) أي هي. 
فدلّ هذا على أنها حرف دالّ على تأنيث الفاعل وحسب لا اسم لأنها لو كانت اسمًا لوجب أن يكون لها محلّ من الإعراب، ولا محلّ لها كما بينّا. 
- إذا ولِيت هاء الغائب ساكنًا صحيحًا نحو (منْه، أصابتْه) فسيبويه يختار الإشباع (منْهو، أصابتْهو). وبه قرأ ابن كثير. والمبرّد يختار الاختلاس. وبه أقرأ أكثر القرّاء.
فأما إن كان الساكن حرف لين نحو (إليْه، عليْه) فسيبويه والمبرد متفقان على رجحان الاختلاس. 
- يجوز لك أن تقول: (الرجال قامُوا وقامُ) فتستغني بالضمة عن واو الجماعة. وهي لغة حكاها الفرّاء ونسبها إلى هوازن وعُليا قيس. 
- س: هل يجوز أن يقال: (فينِي حزنٌ) بإلحاق نون الوقاية؟ 
ج: لا يجوز هذا لأن نون الوقاية لا تلحق من حروف الجرّ إلا (مِن) و(عن) نحو (منّي) و(عنّي)، وإنما تقول: (فيّ) كما قال ابن كناسة: 
فيّ انقباضٌ وحشمةٌ، فإذا ** صادفتُ أهل الوفاء والكرَمِ 
أرسلتُ نفسي على سجيتها ** وقلتُ ما قلتُ غيرَ محتشمِ 
- إذا حكيتَ كلام متكلم عنك بضمير المخاطب فلك أن تبقيه ولك أن تحوله للمتكلم فتقول إذا ادعى إنسان أنك ظلمته: (قلتَ: إنك ظلمتني) و(قلتَ: إني ظلمتك). 
ومن الثاني قول الشميذر الحارثي:
فإن قلتم: إنا ظلمنا، فلم نكن ** ظلمنا، ولكنا أسأنا التقاضيا
وهم إنما قالوا: (إنكم ظلمتم) فحوله لضمير المتكلم.

الثلاثاء، 13 فبراير 2018

إعراب (جوعًا) في قوله: تموت الأسد في الغابات جوعًا

في المفعول لأجله
نُشر في ملتقى أهل اللغة في 21/ 5/ 1430هـ.
س: ما إعراب (جوعًا) في قول الشاعر: 
* تموت الأُسْد في الغابات جوعًا *؟
ج: تُعرَب كلمة (جوعًا) مفعولاً لأجلِه على الراجح، وذلك أنَّالجوع هو سببُ الموتِ. وأنا أبيِّن إن شاء الله كيفَ كان الجوعُ سببًا ثم أحقُّ المفعول لأجله أن يكون سببًا أم حقُّه أن يَّكون مسبَّبًا؟ ولِمَ لا يُعرَب حالاً؟ 
فأما كونه سببًا فجليٌّ، ولكني أذكرُه ليُستهدَى به إلى ما يُشكِل من الأمثلة الأخرَى فأقول: 
إنما كان الجوع سببًا لأمرينِ لا يتخلّفان في كل سببٍ، أولُهما أنَّ وقوعَ مسبَّبه، وهو الموت، إنما هو متعلِّق بوقوعه، فلما وُجِد الجوعُ وُجِدَ الموتُ. وثانيهما أنَّه متقدِّمٌ عليه في الزَّمَن، وذلك أنَّه لا يكونُ الشيءُ متعلِّقًا وجودُه بآخرَ حتى يكونَ ذلك الآخَر سابقًا له في الوجودِ كما تقضي بذلك البديهة العقليَّة. والجوعُ كما هو معلومٌ سابقٌ للموت. وهذا الأمر الثاني لازمٌ من لوازمِ الأوَّلِ. 
وهذه جملةٌ من الأمثلة نُجري عليها ما قدَّمنا من الكلام، فمنها قولُه تعالى: ((يجعلون أصابعَهم في آذانِهم من الصواعق حذرَ الموت))، فهل كان الحذرُ سابقًا للفِعل أم كان الفِعلُ سابقًا للحذرِ؟ 
لا ريب أنَّ الحذرَ هو السابقُ إذ هو الذي حملَهم على أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم. 
وقال: ((ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله)). وظاهرٌ أنَّ ابتغاءَه مرضاةَ الله هو الذي جعلَه يفعلُ ذلك، فهو إذن سابقٌ له. 
ومثالٌ آخر على ذلك قوله: 
* لا أقعدُ الجبنَ عن الهيجاءِ * 
وليس أحدٌ يقعد عن الحرب يريدُ بذلك الجبنَ، ولكنَّ الجبنَ هو الذي يُقعِد عن الحربِ. 
وتقول: (جئتُ رغبةً في التعلم) وأنت لم تجئ لترغبَ في التعلُّم، ولكنَّ الرغبةَ في التعلُّم هي التي جاءت بك، فهي سابقةٌ للمجيءِ. 
ولما كانَ المفعولُ لأجله هو الباعثَ على الفعلِ كان يجِب أن يكونَ من أفعالِ الباطنِ التي لا تظهر على الجوارحِ كالخوف والمحبة ونحوِها. ومنها الجوعُ، فإنَّه فِعلٌ كامنٌ لا تمثِّله الحواسُّ. 
ولكن قد يأتي المفعولُ لأجلِه وظاهرُه أنه من أفعال الحواسِّ ويكون على تقدير مضافٍ محذوفٍ إذا كان معلومًا بالسِّياقِ كقولِك: (جئتُك ضربَ زيدٍ) تريدُ جئتُك ابتغاء ضربِ زيدٍ. وقد أجاز هذا من النحاة أبو عليّ الفارسيّ، وهو صواب لدليلِ القياس في الحذفِ ودليل السماعِ كقوله: ((ولا تمسكوهنَّ ضِرارًا لتعتدوا)) والضِّرار من أفعال الحواسِّ لا الباطنِ، وإنما ذلك على حذفِ مضافٍ مقدَّر بـ(ابتغاء)، فيكون حدّ الكلام (ولا تمسكوهنَّ ابتغاءَ الضِّرار) ويكون (ابتغاء الضِّرار) سابقًا للإمساكِ. 
ومنه أيضًا قولُه: ((والذين ينفقون أموالَهم رئاءَ الناسِ))، وذلك أن الرئاء فعلٌ حسيٌّ، فيكون التقدير: (والذين ينفقون أموالهم طلبًا لرئاء الناس). 
وتقول على هذا: (ضربت الابن تأديبًا له) أي: ضربتُه طلبًا لتأديبه لأن التأديب من أفعال الحواسِّ وليس هو السببَ الذي حملك على ضربِه، إنما الذي حملك على ذلكَ طلبُه. 
وأمَّا إعراب (جوعًا) حالًا فإنه لا يصح أن يُّعرب المصدر حالاً إلا إذا جعلتَ صاحب الحالِ هو المصدر نفسَه على جهة المبالغةِ كما قال تعالى: ((إنه عمَلٌ غيرُ صالحٍ)) وكما قالت العرب: (رجلٌ عدْل وصومٌ وضيفٌ وزورٌ وفِطرٌ...)، فتقول: (جاء زيدٌ فرَحًا) بفتح الراء، إذا أردتَّ أن تبالغَ في فرحِه فتجعله كأنَّه هو الفرحُ نفسُه. فأمَّا إذا لم يكن في المعنى ما يدعو إلى المبالغة فلا يجوز أن يأتيَ المصدرُ حالاً، وذلك أنَّه إنما جاءَ حالاً مجازًا لا حقيقةً، فأما في الحقيقة فهما شيئان متباينان، فالمصدرُ دالٌّ على المعنى وحده، والاسم المشتقّ دال على المعنى وصاحبه، فلم يكن العربُ ليضعوا هذا موضع هذا إلا لضربٍ من العَلاقة بينهما هو ما ذكرتُه لكَ. ولولا ذلكَ لم يجُز. 
أمَّا الآياتُ التي استُدلَّ بها على كثرة مجيءِ الحالِ مصدرًا فبعضها مفعولٌ لأجله كقوله: ((يدعون ربهم خوفًا وطمعًا)) وقوله: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا))، وبعضُها مفعولٌ مطلقٌ كقوله: ((ثم إني دعوتهم جهارًا)) لأنََّ الجهار نوعٌ من أنواعِ الدعوةِ. وبعضٌ قليلٌ يجوزُ أن يكون مفعولاً مطلقًا ويجوز أن يكونَ حالاً على جهةِ المبالغةِ إذا اقتضاها المَقامُ كقوله: ((من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً وأنتم لا تشعرون)) . وقلَّ أن يحتملَ المصدرُ الحاليَّة وحدَها دونَ غيرِها، وهذا كالمثال المتقدِّم ذكرُه: (جاء زيدٌ ضحِكًا) إذا أردتَّ أن تبالغَ في بيان ضحكِه. ولا يجوز أن يكون مفعولاً مطلقًا لأن الضحكَ ليس من أنواعِ المجيءِ. 
وإذن فليس الأمرُ كما زعموا من أنَّ المصادرَ جاءت أحوالاً بكثرةٍ. والعجيب أنَّهم مع ادِّعائهم كثرةَ ورودها لا يقيسونها، وقياسُها لازمٌ لهم.

الأحد، 14 يناير 2018

إعراب (نحو) و(مثل) ونظائرهما

نُشر في ملتقى أهل الحديث في 2/ 12/ 1429هـ وفي ملتقى أهل اللغة في 6/ 12/ 1429هـ.
لـ(نحو) و(مثل) ونظائرهما حالتان:
الأولى: أن تأتيَ بعد تمامِ الكلامِ.
الثانية: أن تأتيَ قبلَ تمامِ الكلامِ.
فإن جاءت بعدَ تمامِ الكلامِ كقولِك: (الفاعل مرفوعٌ نحو" ذهبَ الرجلُ") فيجوزُ فيها الوجهانِ الرفعُ والنصبُ.
أما النصبُ فلأنَّها كلمةٌ واقِعةٌ في جملةٍ مكمِّلةٍ لجملةٍ قبلَها، وما كان كذلكَ جازَ نصبُه سواءٌ أكانَت الجملةُ توكيديَّةً نحوَ (هذا ابني حقًّا). ومنه قوله: ((وعدَ الله لا يخلف الله وعدَه)) وقوله: ((صنع الله الذي أتقن كلَّ شيء)) أو تشبيهيةً نحوَ قولِ امرئ القيس:
نطعنُهم سلكَى ومخلوجةً ** كرَّك لأمينِ على نابلِ
وقولِ عُروةَ بنِ الورْدِ العبْسيّ:
وإن بعُدوا لا يأمنون اقترابَهُ ** تشوُّفَ أهلِ الغائبِ المتنظَّرِ
أو تمثيليةً. ويدخُلُ في التمثيليةِ موضِعُ المسألةِ (نحو) و(مثل). وتُعرَبُ في هذه الأنواعِ مفعولاً مطلَقًا عاملُه فِعلٌ محذوفٌ حذفًا واجبًا، وتقدِّرُه من جنسِ المصدرِ، فعلى هذا تقدِّره في موضِع المسألة (ينحو). وهذه الأنواعُ يجمعُ بينَها أنَّها تفصيلٌ لكلامٍ مجمَلٍ قبلَها فيهِ دَليلٌ عليها ولو باللزومِ، ألا ترَى أنَّك لو سمعتَ قائلاً يقولُ: (الفعل المضارع يُجزم إذا دخلت عليه "لم") ثم سكَتَ لأمكنكَ أن تستخرجَ لذلكَ مِثالاً وإن لم يكن لك بذلك سابقُ علمٍ إذا عرفتَ معنَى الجزْمِ. فإذا قالَ بعدَها: (نحوَ لم يذهبْ) لم يزِد إلى علمِك علمًا، ولكنَّه أطنبَ وفصَّلَ ودرأ الرِّيَبَ وحملَ عنك مئونةَ النظرِ في اللوازمِ، فلذلكَ امتنعَ ذِكر الفعلِ فيها إذ كان ذكرُه لغوًا.
ويجوزُ أن تعربَه حالاً وتُئوِّله بمشتقٍّ نكرةً كما أولتَه في قولِك: (مررتُ برجلٍ مثلِك) أي مماثلٍ لكَ.
أما إعرابُها مفعولاً بهِ لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه (أعني) فلا يصِحُّ لأنَّه تقديرٌ غيرُ جارٍ على كلامِ العربِ ولا موافقٍ أقيستَها. ولو أجزناه لجاز أن يقال: (جاء رجلٌ محمدًا) على تقديرِ (أعني محمدًا).
وأما الرفعُ فعلى أن تعربَه خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه (وذلك) أو (وهذا). وإنما جازَ حذفُ المبتدأ هنا للقرينةِ المقاليَّة لأنَّ في ما تقدَّم من الكلامِ دَليلاً عليهِ. وقد قرئ: ((ذلك عيسى بن مريم قول الحقِّ)) برفعِ (قول) ونصبِهِ، فالرفع على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والنصبُ على أن يكون مفعولاً مطلَقًا لفعلٍ محذوفٍ. وقرئ أيضًا: ((صبغة الله))  برفع (صبغة)  ونصبها. وقرئ أيضًا: ((وابن السبيل فريضة من الله)) برفع (فريضة ونصبها)، كلُّها على التقدير المتقدِّمِ.
فإن جاءت قبلَ تمام الكلامِ فإنك تعربُها بحَسَب موقِعِها، تقولُ: (الاسمُ مثلُ زيدٍ دالٌّ على ذاتٍ)، فتعربُ (مثل) نعتًا لـ(الاسم) وإن كانَ غيرَ موافقٍ له إذ (مثل) و(غير) و(نحو) من الكلمات الموغلة في الإبهامِ، فلا يُشترَط فيها ذلكَ، ألا ترى أنك تقولُ: (مررت برجال مثلِك) و(رجلين مثلِك) على تأويلِها بمشتقّ نكرةٍ موافقٍ. وحكى سيبويه من الصفةِ: (ما يحسن بالرجلِ مثلِك أن يفعلَ ذاك). وتئوِّلُه بالمعرفةِ المشتقّة، أي بالرجلِ المماثلِ لك. ومنه قوله: ((صراط الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم)). ويجوز أن تجعلَه بدلاً من (الاسم). ويجوز أيضًا أن تجعلَه حالاً على تأويلِه بالنكرةِ.
وتقولُ أيضًا: (هذا الشيءُ مثلُ ذلك الشيء) فتعربُ (مثل) خبرًا. وتقولُ: (سرتُ نحوَ البيت) فتعربُ (نحو) ظرفَ مكانٍ. وعلى هذا القياسُ.

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

إعراب بعض الأعلام المشكلة

[نُشر أصله في كتاب "مجيء أبو في موضع نصب أو جر على الحكاية" لإبراهيم المديهش في ذي القَعدة عام 1437هـ]
- س: هل ثبت عن العرب قديمًا إلزام (أبو) الواو رفعًا ونصبًا وجرًّا؟
ج: زعم ذلك كثير من المتأخرين. واحتجوا بأنهم وجدوا بخطّ علي رضي الله عنه: (علي بن أبو طالب) ووجدوا أيضًا بخطّ بعض المتقدّمين نحوًا من ذلك في ما شاكلَه من الأعلام. وقد غلِطوا في ذلك، فإنهم كانوا يرسمونها واوًا ويقرءونها بحسب إعرابها، نصّ على هذا الفراء. وناهيك به، قال: (وبلغني أن كتاب علي بن أبي طالب رحمه الله كان مكتوبًا "هذا كتاب من علي بن أبو طالب" كِتابها (أبو) في كل الجهات، وهي تُعرب في الكلام إذا قرئت) "معاني القرآن 3/ 114". وهذا نصّ بيّن كافٍ. ويُفهمه أيضًا قول ابن قتيبة: (ولذلك كانوا يكتبون "علي بن أبو طالب" و"معاوية بن أبو سفيان" لأن الكنية بكمالها صارت اسمًا. وحظّ كل حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجرّه حرفٌ من الأدوات والأفعال، فكأنه حين كُنّي قيل: أبو طالب. ثم تُرك ذلك كهيئته وجُعِل الاسمان واحدًا) "تأويل مشكل القرآن 257". وقد احتجّ بهذا النصّ بعضهم على صحة إلزام (أبو) الواوَ. ولعله حجة عليهم، فإن الظاهر أن ابن قتيبةَ يقصر ذلك على الخطّ دون اللفظ، ولهذا قال: (يكتبون).
ولو كان الأمر كما ادَّعوا لعرفه المتقدّمون. ولو عرفوه لنقلوه، وذلك لكثرة ذكر أبي طالب وأبي سفيان وأبي لهب وأمثالهم.
ولو كان عليّ بن أبي طالب إنما كتبها بالواو لأنه كان يلزِمها الواو في جميع أحوال الإعراب لكانت هذه لغته. ولو كانت لغته لكانت لغة قريش ولغة النبي ص على الأقلّ. ولو كان الأمر كذلك لكان حكم كنية أبي لهبٍ كحكم كنية أبي طالب. ولو صحّ هذا لقرأ جميع القراء أو أكثرهم ((تبت يدا أبو لهب وتبّ)) لأن القرآن نزل على لسانهم في الغالب. وهذا علَم، وحقّ الأعلام أن تُحفظ ولا تغيّر. ونحن لا نجد أحدًا قرأ بذلك إلا ما حكاه ابن خالويه من أنه قُرئ بذلك من غير أن ينسبها إلى قارئ بعينه.
فأما هل يجوز أن نُلزم العلم في زماننا الواو إذا كان لا يعرف إلا بها مثل (أبو ظبي)؟  فهذه مسألة أخرى. وأجدني أميل إلى تصحيح ذلك لأنه صار جزءًا من العلمية وتغييره قد يخلّ بذلك. ومثله قولك: (أرسطو) و(خوفو) بالواو وإن لم يكن في العربية اسم معرب آخره واو قبلها ضمة، وذلك حفاظًا على صورة العلم من التغيير. 
وقد يشهد لهذا لزوم الواو في نحو (سورة المؤمنون) للعلة نفسها.
[نُشر في آسك في 4/ 1/ 1437هـ]
- س: ما الأوجه الجائزة في إعراب نحو (محمود شاكر)؟  
ج: يجوز فيه وجهانِ: 
الأول: البدَل. وكذلك أسماء الأسَرِ. وهو بدَلٌ يعُمّ كلّ أفراد الأسرةِ لأنك تقول لكلّ منتسب إلى أسرة شاكرٍ: (قال شاكرٌ وفعل شاكرٌ)، فهو بدل كلّ من بعضٍ. 
الثاني: الإضافة إن كان مفردًا كما في (محمود شاكر). وقد وجدت بيتًا رواه المفضَّل يشهد لهذا مع أن عموم القياس كافٍ في تصحيحه، وهو قول الحُصين بن الحُمام: 
جزَى الله عنّا عبد عَمْرٍ ملامةً ** وعُدوانَ سَهمٍ ما أدقّ وألأما! 
وعُدوان هو ابن سَهم. 
فعلى هذا تقول: (قال محمودٌ شاكرٌ) و(محمودُ شاكرٍ).
[نُشر في ملتقى أهل اللغة في 18/ 2/ 1433هـ وفي المجلة الثقافية في 24/ 3/ 1433هـ]
- هذه الأسماءُ (شوقِي وحمدِي ورمزي وحُسني وجِنِّي [والد أبي الفتح عثمان بن جنِّي. وهو منقول عن الرومية، وليس منسوبًا إلى (جِنٍّ)] وأمثالُها أسماءٌ منقولةٌ من الأعجميَّةِ إمَّا بلفظِها وإمَّا بطريقةِ تركيبِها، وذلك أنَّه ليس في العربيَّةِ اسمٌ معرَبٌ مختومٌ بياءٍ في جميع أحوالِه، فإذا أردتَّ أن تحكيَها باللِّسانِ العربيِّ وجبَ عليكَ أن تجريَها مُجرَى الأسماءِ العربيَّةِ.
وأنت حينَ إذٍ بينَ أمورٍ ثلاثةٍ:
أحدُها: أن تلحِقَها ببابِ قاضٍ فتقولَ: (جاءَ شوقٍ ورأيتُ شوقِيًا ومررتُ بشوقٍ). وهذا ضعيفٌ مرذولٌ لأنه يوجِبُ إحالةَ الاسمِ عن وجهِهِ والإخلالَ بصورتِه بالحذفِ.
والثاني: أن تلحِقَها بالمختومِ بياءِ النّسب فتقولَ: (جاءَ شوقيٌّ ورأيتُ شوقيًّا ومررتُ بشوقيٍّ). وهذا أيضًا يقتضِي تغييرَ صورةِ الاسمِ بالزِّيادةِ.
والثالثُ: أن تلحِقها بالمسمَّى بالمضافِ إلى ياءِ المتكلِّمِ نحو رجلٍ سمَّيته بـ(غلامي). وهذا أشبَه بالصَّوابِ إذْ كان أحفَظَ للاسمِ من التصرُّف والتغييرِ، فتقول: (جاءَ شوقِيْ ورأيتُ شوقِيْ ومررتُ بشوقيْ) وتعرِب الياءَ بالحركاتِ المقدَّرةِ على آخِرِه التي منعَ من ظهورها الحكايةُ. وإنَّما لزِمتَ الحكايةَ ولم تجعَلْ آخِرَه مُعْتَوَرًا للإعرابِ لأنه معمولٌ فيه قبلَ التسميةِ، وما كان معمُولاً فيه قبلَ التسميةِ فإنه يَبقَى على حالِه بعدَ التسمية إذا كانَ عامِلُه بعضَ الاسمِ وكان ثابِتًا غيرَ محذوفٍ، قال أبو بِشر رحمه الله: (ولو سمَّيتَ رجلاً بـغلامه أو غلامهما لم تحرّف واحدًا منهما عن حاله قبلَ أن يكون اسمًا ولتركتَه على حالِه الأوَّلِ في كلِّ شيء) [الكتاب 2/ 227]، وقالَ أبو العباس المبرّد رحمه الله: (إذا سمَّيتَ رجلاً لِتَقُمْ أو لم تقُمْ أو إن تقُمْ أقُمْ، فالحكاية لأنه عامل ومعمول فيه إذا جئتَ بالعاملِ معه) [المقتضب 1/ 35] وقد يجوز لك أن تفتَح الياءَ فتقولَ: (جاءَ شوقيَ ورأيتَ شوقيَ ومررتَ بشوقيَ) كما تقولُ: (جاءَ غلاميَ ورأيتُ غلاميَ ومررتُ بغلاميَ) لأنَّك لما ألحقتَه بنحو (غلامي) جازَ لك فيه ما يجوز في يائه من الفتحِ والإسكانِ إلا أنَّ الإسكانَ أعْدَلُ وأبقَى لصورةِ الاسمِ. وهو مقصَدٌ من المقاصِدِ المرعيَّةِ في العربيَّةِ.
[نُشر في تويتر في 22/ 8/ 1434هـ]
- (ابن سيده) و(ابن ماجه) ونحوهما لا يجوز في رأيي إلزام أواخرها السكون، بل يجب أن تخضع لقانون العربية فتعرب إعراب ما لا ينصرف. ويجوز إبدال هائها تاءًا.
[نُشر في ملتقى أهل اللغة في 28/ 3/ 1432هـ وفي المجلة الثقافية في 12/ 4/ 1432هـ]
- س: ما الأوجه الجائزة في (الاثنين) علمًا على اليوم؟
ج: يجوز في (الاثنين) علَمًا أربعةُ أوجهٍ، وهي باختصار: 
الأوَّل: إعرابُه بالألفِ رفعًا وبالياءِ نصبًا وجرًّا لأنَّ لفظَه لفظُ المثنَّى، تقولُ: (الاثنانِ [الرفع] – الاثنينِ [النصب]– الاثنينِ [الجرّ]). 
الثاني: إلزامُه الألفَ وإعرابُه بالحركاتِ الظاهرة على آخِرِه لأنَّ مدلولَه واحدٌ، تقولُ: (الاثنانُ – الاثنانَ – الاثنانِ)، قالَ الشاعرُ: 
ألا يا ديارَ الحيِّ بالسبُعانِ ** أملَّ عليها بالبِلَى المَلَوانِ 
و(السَّبُعان) اسم موضع. وهو تثنية (سبُع). 
الثالث: إلزامُه الياءَ وحكاية كسر النونِ فيه، تقول: (الاثنينِ – الاثنينِ – الاثنينِ). وإنما جازَ هذا لكثرةِ ذكرِه مضافًا إليه في نحو (يوم الاثنينِ)، فلما أوقَعُوه موقِع رفعٍ كرِهُوا أن ينقلُوه عن مَّا ألفُوه. ومثلُ هذا (المؤمنونَ) للسورة المعروفة، فإنَّه كثُر دورانُها في كلامِهم مرفوعةً، فلما أدخلوا عليها (سورة) وأضافوها إليها لم يشاءوا أن يغيِّروا صورتَها فقالُوا: (سورةُ المؤمنونَ). وتقولُ أيضًا: (هذا كتابُ الاختيارين للأخفش الأصغر). فإذا حذفتَ كلمة (كتاب) ووقعتِ (الاختيارين) في موضعِ رفعٍ جازَ لك أن تقولَ: (هذا الاختيارينِ). وهكذا في حالِ النصبِ والجرّ. 
الرابعُ: إلزامُه الياءَ مع تركِ حكايته وإعرابُه بالحركات الظاهرة على آخِره، تقولُ: (الاثنينُ – الاثنينَ – الاثنينِ)، وذلكَ أنه طالَ عليهم استعمالُه محكيًّا حتى نسُوا أصلَه واعتدُّوه مفردًا على وَفق مدلولِه، يدلُّك على هذا قولُهم: (البحرينُ – البحرينَ – البحرينِ) للبلد المعروف. وأصلُ هذا قولُهم: (بلد البحرينِ) ثمَّ (البحرينِ)، ثمَّ (البحرينُ). وذلك في حال الرفع. 
وكلُّ هذه الأوجه صحيحٌ إن شاء الله. والمتَّفق عليه منها الوجه الأول ثمَّ الثاني. أما الثالث والرابع فاجتهادٌ منِّي.