‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصرف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصرف. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 أكتوبر 2017

مسائل صرفية متفرقة

نُشر في ملتقى أهل اللغة وتويتر وفسبك وآسك في أوقات مختلفة.
- خطّأ الزمخشري إبدال همزة (أئمة) ياءًا صريحة. ولنا أن نحتج له بحجتين: من النقل ومن النظر.
أما النقل فلأن من القراء العشرة من قرأ بالتسهيل، ولكن أكثر علماء القراءات على أنه بين بين لا ياء خالصة.
وأما النظر فلأنه إذا اعتُدّ بالكلمة بعد الإدغام (أئمّة) لا قبله (أأْمِمة) فحقها أن تلحق بباب (أإِنّ). وتسهيله بين بين لا بالياء الخالصة.
- س: هل يصح قولنا: (توضيت) بمعنى (توضأت)؟
ج: نعم. وقد سمع ذلك أبو زيد الأنصاري عن أبي عمْر الهذلي. وانظر تفصيل هذه المسألة في مقالتي "المساوئ أبالهمز هي أم بالياء؟".
- بعض المتأخرين يطردون قياسية تحويل الماضي إلى باب (فعُل) للمبالغة ثم يفرعون على هذا تحويل مضارعه أيضًا ويولدون له مصدرًا قياسيًّا كما أجاز بعضهم (السيولة) و(الخطوبة) و(الليونة) وغيرها. ولا أرى هذا صحيحًا، فالثابت عن العرب إنما هو تحويل الماضي فقط إلى باب (فعُل) في باب المدح والذم فقط على خلاف بين النحاة في قياسية ذلك.
- س: هل يجوز الجمع بين الساكنين في مثل (جاء مدرسُوْ الْجامعة) خشية التباسه بالمفرد إن حذفنا أول الساكنين؟
ج: نعم، يجوز ذلك. وقد جمعت العرب بين الساكنين في ما لا لبس فيه إمعانًا في البيان نحو (التقت حلقتاْ الْبطان) و(له ثلثاْ الْمال)، فلأن يكون ذلك في ما فيه لبس أولى وأوكد.
- يجوز في واو الجماعة المفتوح ما قبلها إذا لقيها ساكن نحو (رجوا الخير) خمس لغات:
١- الضم. وهو لغة قريش وأكثر العرب. وهو الأفصح، فتقول: (رجَوُ الخير).
٢- الكسر، (رجَوِ الخير).
٣- الفتح، (رجَوَ الخير).
٤- إبدالهما همزة، (رجَؤُ الخير)، لغة لقيس.
٥- حذف الواو وضم ما قبلها (رجُ الخير).
- لا يجتمع في حشو الشعر ساكنان إلا في عروض المتقارب. ولك أن تتخلص من ذلك بأحد ثلاثة أوجه:
١- إبدال أولهما همزة مفتوحة، (الضأَلّون). وهو أفصحها.
٢- حذف ثانيهما (الضالُون). ومنه:
* فنعلفها دوابَ المسلمينا *
٣- فك الإدغام (الضالِلون). ومنه:
* وإن رأيت الحجج الروادِدا *
أي الروادّ. وهما ضرورة.
- س: ما الصحيح في نطق (الترضى) في بيت الفرزدق:
*ما أنت بالحكم الترضى حكومته *
أهو (الْترضى) بالإظهار أم (التُّرضى) بالإدغام؟
ج: نصّ ابن هشام على أن اللام مدغمة، فتقول: (التّرضى)، وخطّأ الإظهار. وأرى الإظهار جائزًا أيضًا على أن تكون (ال) هذه بقية (الذي) الموصولة - وهو قول السيرافي والرضي، وهو الذي أراه راجحًا- إذ لازم هذا القول جواز الإظهار والإدغام كما في قوله: (هل تنقمون)، ووجوبُ رسمها مفصولة (ال تُرضى).
- س: يستعمل الزبيدي في "التاج" لفظ (قلاقة) كقوله: (في عبارة المصنف قلاقة ظاهرة)، فهل هو صحيح؟
ج: لا أراه صحيحًا لأن مصدر (قلِق) هو (القلق). وهو القياس أيضًا. ولم يُسمع (القلاقة). وكأنه قاسه على ضده، وهو (السلاسة). وإلحاق الشي بضده لا ينقاس، فلا يقال مثلًا: (فُرْح) حملًا على (حُزن).
س: أيّ أجود (أشرُف بزيارتك) أم (أتشرّف بزيارتك)؟
ج: (أتشرّف) أجود لأن بناء (فعُل) دالّ على الغرائز اللازمة، فإذا قلتَ: (أشرُف) فكأنك لم تكن شريفًا حتى زارك. أما إذا قلت: (أتشرّف) فكأن زيارته (شرّفتك) أي ضاعفتْ في شرفك الثابت لك أصلُه فـ(تشرّفتَ) بها، فبناء (تفعّل) هنا لمطاوعة (فعّله).
- لم أر من قال من العلماء بقياسية بناء (أفعولة). وقد استقريت كثيرًا من المسموع منه فظهر لي أنه ينقاس في ما يدل على لهو أو باطل أو نحوهما مثل أحجية وأحدوثة وأرجوحة وأرجوزة وأضحوكة وأكذوبة وألعوبة ونحوها. ومن المولّد الصحيح الأقصوصة والأنشودة.
- أجاز الجرمي والزجاج إبدال الهمزة ياءًا خالصة في نحو (قائل) و(بائع) و(رسائل). ونصّ كثير من العلماء على أن هذا لحن.
- أجاز ابن جني همز واو (داوود)، فتقول: (داؤود). ومنعه الأكثرون. قلت: ولكن قراءة القرآن بذلك خطأ إذ لم يقرأ به أحد. ويجوز حذف إحدى الواوين رسمًا فيُكتب (داود).
- قال ابن الحاجب (ت646هـ) في "شافيته": (وكوجوب الفتح في نحو رُدَّها، والضمِّ في نحو رُدُّهُ، على الأفصح. والكسر لُغيَّةٌ. وغُلِّط ثعلبٌ [(ت291هـ)] في جواز الفتحِ) أي في جواز أن يقال: (رُدَّهُ).
قلت: يريدُ قوله في "الفصيح": (وازررْ عليك قميصَك وزُرَّه وزُرُّه وزُرِّه). والحقّ أن ثعلبًا مسبوقٌ إلى حكاية الفتح، فقد ذكر ذلك قبلَه قطربٌ (ت بعد 210هـ) في "معانيه ل7783"، فليس هذا الأمر من تفرُّداتِه.
- يجوز في أعلام البلدان والأماكن التذكير على معنى المكان، والتأنيث على معنى البقعة فتقول (هذا العراق، وهذه العراق) و(هذا نجد، وهذه نجد).
- كل ما ليس في آخره علامة تأنيث ولم يُسمع عن العرب تأنيثه فإنه مذكّر لأن التذكير هو الأصل، وذلك مثل لفظ (المستشفى). وتأنيثه خطأ. فإن كثر استعماله ثاني متضايفين أولهما مؤنث نحو (شهادة البكلريُس) و(درجة البكلريس) جاز تأنيثه على هذه النية، وإذن يسوغ لك في (البكلريس) التذكير والتأنيث.
- بناءُ العرب مصدرَ (عبَرتُ الرؤيا) على (عِبارة) بزنة (فِعالة) دليل على أنها صناعة ومهنة لأنه يكثر مجيء هذا الوزن في هذا المعنى.
- (فَم) على زِنة (فَع). وفي تعيين اللام المحذوفة قَولان، أحدُهما أنَّها هاءٌ، والأصلُ (فَوْهٌ)، فلمَّا حُذِفت الهاءُ أبدِلت الواو ميمًا. والآخَر أنَّها ميمٌ، والأصلُ (فمٌّ). وهي لغةٌ حكَاها اللِّحياني (ت220هـ) وابن السكِّيت (ت244هـ)، وأنشدَ:
* يا ليتها قد خرجَت من فمِّهِ *
وليست بدَلاً من الواوِ بدليلِ قولِهم في الجمعِ (أفمَام). ولو كانَت بدَلاً لكانَ الوجه أن لا يعتدّ بها في الجمع.
وعلى ذلك يكون لهذه الكلمةِ جذرانِ (ف و ه) و(ف م م). وذكروا أيضًا جذرين آخَرين، وهما (ف م و) و(ف م ي) لقولهم: (هذا الفما) وتثنيته على (فموان) و(فميان). وهذا الاتفاق بينها في المعنَى مع افتراقِ أصولها سُنَّة معروفةٌ من سنن العربيَّة. وقد سماها ابن جنِّي (ت392هـ) في "خصائصه" (تصاقبَ الألفاظ لتصاقب المعاني).
وأما (فُوك) فوزنُها عندَ مَن يرى أن إعرابها بالحروفِ، وهو هشام (ت209هـ) ومَن تبِعه أو بالحركات الظاهرة على ما قبلَ هذه الحروف وأنَّ هذه الحروفَ إشباعٌ، وهو المازنيّ (ت247هـ)، هو (فُوْكَ) على مِثال لفظِها، وذلكَ أنها إذا كانت دليلاً على الإعراب فإنَّها تكونُ زائدةً كألف (الرجلان) وواو (المسلمون)، ولا يصِحّ أن تكونَ من بِنية الكلمة. وكذلك إذا كانت إشباعًا لحركة ما قبلها. وأمَّا مَن يرى أنَّ إعرابها بالحركاتِ المقدَّرة على هذه الحروف، وهو سيبويه (ت180هـ) وغيرُه فإنَّ وزنَها على مذهبِهم (فُعْكَ) لأنَّها أصلٌ.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

مسائل متفرقة في التصغير

نُشر في آسك وتويتر في أوقات مختلفة.
- س: ما تصغير كلمة (اضطراب)؟
ج: (اضطراب) على ستة أحرف قبل آخرها حرف لين، فيجب ردّها إلى خمسة أحرف لتصغَّر على بناء (فُعيعيل)، فتحذف همزة الوصل لأنها حرف زائد. وإنما كانت أولى بالحذف لأنك تحرك الحرف الثاني بعد التصغير فتسقط الحاجة إليها. ثم تردّ الطاء المبدلة من التاء إلى أصلها لزوال علة إبدالها طاءًا، وذلك أن من شروط إبدالها إسكانَ الضاد، وقد تحرّكت بالتصغير فاحتُمل التنافر بين إطباق الضاد وانفتاح التاء لحَجز الحركة بينهما، فتقول: (ضُتَيريب).
وثعلبٌ يرى إبقاء همزة الوصل وحذف الطاء لأنها أقرب إلى الطرف فيصغرها على (أُضَيريب).
والأول أصحّ.
- س: هل يجوز تصغير كلمة (رِواية) مع أنها مصدر؟ وما هو؟
ج: (الرِّواية) في الأصل مصدر (روَى يَروي). وقد منع بعضهم تصغير المصادر إلا إذا انتقلت إلى العلمية أو صارت اسمًا غيرَ مصدر. والصحيح جواز تصغيرها مطلقًا إن احتمل المعنى كما يجوز على الصحيح جمعها. ولا متعلَّق لهم في دلالتها على القليل والكثير لأن المتكلم قد يحتاج أحيانًا إلى النصّ على التقليل أو التكثير. وكما لا يمتنع أن تقول: (ضرب قليل) فكذلك لا يمتنع أن تقول: (ضُريب) لأن معناهما واحد.
فأما (الرِّواية) مرادًا بها القصة الطويلة فهي اسمٌ غير مصدر، أصله المصدر لأنها بمعنى اسم المفعول (المرويّة)، فيجوز تصغيرها بلا نُكر. وتُصغَّر على (رُوَيَّة). والأصل (رُوَيِّيَة)، فاجتمعت ثلاث ياءات إحداها ياء التصغير فوجب حذف آخرها. وهذا قانون مطرد من قوانين التصغير.
- س: ما تصغير كلمة (مَقال)؟
ج: تصغيره (مُقيِّل) لأنه رباعي فيُصغّر على موازن (فُعيعِل) فيكون (مُقَيْاِل) فتقع الألف بعد ياء التصغير، وياءُ التصغير تقتضي كسر ما بعدها، فتُبدَل ياءًا.
- القياس تصغير (شيخ) على (شُييخ) لأن عينه ياء. وأجاز الكوفيون تصغيره على (شُويخ). والصواب منعه لأنه لم يُسمع، ولم يبلغنا من نظائره إلا ألفاظ قليلة جدًّا قيل: إنها مسموعة. وفي ثبوتها شكّ.
- يُصغَّر (الذي) و(التي) على (اللَّذيّا) و(واللَّتيّا) بفتح اللام شذوذًا. ويجوز (اللُّذيّا) و(اللُّتيّا) بضمّها.

الاثنين، 2 أكتوبر 2017

مسائل في الاشتقاق

نُشر في ملتقى أهل اللغة وتويتر في أوقات مختلفة.
- يجوزُ لكَ الاشتقاقُ من أيام الأسبوع إذا أردتَّ بيانَ الدخولِ فيهِنَّ. ويكونُ ذلكَ على بِناء (أفْعَلَ) اللازمِ، فتقولُ: (أسبتَ) و(آحَدَ) و(أثْنَى) و(أثْلَثَ) و(أرْبَعَ) و(أخمسَ) و(أجمعَ). وهنَّ قياسٌ. ولم يُسمَعْ منهنَّ إلا اثنتانِ: (أجمعَ)، رواها الفرَّاء في "معاني القرآن"، ولم أجِدها في المعاجم. وربَّما استعملُوها يريدونَ بها انقضاءَ جمعةٍ لا دخولَها مجازًا. والثانيةُ (أسبتَ) كما قرأ الحسنُ: ((ويومَ لا يُسبِتون لا تأتيهم)). وقراءة الجمهورِ: ((لا يَسبِتون)). وليست بقياسٍ وإنْ كانتِ الأكثرَ في الاستعمالِ.
وإنما أجَزْنا الاشتقاق من أيَّام الأسبوعِ لأنَّ من سُننِ العربِ أن يَشتقُّوا من غيرِ المصادرِ وإنْ كان ذلكَ لم يكثر كثرتَه في المصادر. وهو على ضربينِ شاذٍّ ليس له قاعِدةٌ تجمَعُ نِظامَه، ومقيسٍ مطَّرِدٍ يَجوزُ ارتجالُه عندَ قِيام الحاجة المعنويَّة. ومنه مجيءُ (أفْعَلَ) للدلالةِ على الدخولِ في زمانٍ أو مكانٍ.
فمِن أمثلة المكانِ قولُهم: (أجبلَ) و(أسْهَل) و(أحْزَن) و(أتْهَم) و(أنجَد) و(أغارَ) و(أخْيَف) و(أعْرَق) و(أعْمَن): إذا دخلَ في (الجبَل) و(السَّهْل) و(الحَزْن) و(تهامةَ) و(نجد) و(الغَوْر) و(الخَيفِ خَيْفِ منًى) و(العِراق) و(عمان).
ومن أمثلةِ الزمانِ قولُهم: (أشْهَر) و(أحْوَل) و(أخرَف) و(أربعَ) و(أشتَى) و(أعتمَ) و(أضحَى) و(أفجَر) و(ألْيَلَ): إذا دخلَ في (الشَّهر) و(الحولِ) و(الخريفِ) و(الربيعِ) و(الشتاء) و(العتَمة) و(الضُّحَا) و(الفجر) و(الليلِ).
وهذا هو متعلَّقُ القياس في هذه المسألةِ.
- من لطيف الاشتقاق تسميتهم عشيرة الرجل ورهطه الأدنين (أُسرة) تشبيهًا لهم بـ(الأُسرة)، وهي الدّرع الحصينة، لأنه يحتمي بهم.
ومن لطيف الاشتقاق أن (الفقير) فَعيل بمعنى مفعول، أي مفقور، كأن العوَز والإعدام قد أصاب فَقار ظهره حتى كسرَها.
ومن لطيف الاشتقاق أن (التأزير) و(المؤازرة) بمعنى المعاونة والمناصرة مشتقة من (الإزار) لأنها تشدّ المرءَ وتقوّيه كما يُشدّ الإزارُ على الحقوين.
- من غامض الاشتقاق أن (القَتْل) مشتق من (القَتَال)، وهو النفْس، فقولهم: (قتله) بمعنى (أصاب قتاله) كرأسَه إذا أصاب رأسه، وجلَده إذا أصاب جلده.
ومن غامضه أن (أربأ بك عن كذا) معناه (أرفعك عن كذا). وهو راجع إلى معنى (المَربأة)، وهي المكان المُشرف، و(الربيئةِ)، وهو الطليعة يكونُ عليها.
ومنه أنهم سموا رئيس القوم (عميدًا) لأن الناس يعمِدونه أي يقصدونه، فهو (فعيل) بمعنى (مفعول).
ومنه أن (الافتيات) في مثل قولهم: (الافتيات على ولي الأمر) هو من (الفوت) على الراجح. وروى ابن شُميل وابن السكيت همزه (الافتئات)، فكلاهما إذن صحيح.

الخميس، 28 سبتمبر 2017

في كتب الصرف

نُشر مفرَّقًا في آسك وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- س: ما أقدم كتب الصرف المطبوعة؟

ج: من أقدم كتب الصرف المطبوعة "التصريف" للمازني (ت247هـ) طُبِع مع شرحه العظيم "المنصف" لابن جنّي، و"دقائق التصريف" لابن المؤدب (ت نحو350هـ)، و"التكملة" لأبي علي الفارسي (ت377هـ)، و"التصريف الملوكي" لابن جني (ت392هـ)، و"شرح التصريف الملوكي" للثمانيني (ت442هـ)، و"رسالة الملائكة" لأبي العلاء المعري (ت449هـ)، و"شرح التكملة" و"العمد في التصريف" و"المفتاح في الصرف" ثلاثتها لعبد القاهر الجرجاني (ت471هـ)، و"نزهة الطرف في علم الصرف" للميداني (ت518هـ).
- "الوافية نظم الشافية" ليست للنيساري، وإنما هي لرجل اسمه قوام الدين محمد بن محمد السيفي القزويني، توفّي بعد 1133هـ. وقد أخبرتُ بهذا أستاذنا الدكتور حسنًا العثمان قبل سنواتٍ وذكرتُ له مرجعه وشاهده فوعد بإصلاح النسبة في الطبعة الثانية.
- "المغني في تصريف الأفعال" لعضيمة هو الكتاب الذي عقد حبالي بالصرف وحبّبه إليّ.
- س: هل "شرح ابن عقيل" للألفية مع "شرح ابن الناظم" للامية الأفعال مستوعبان لجميع أبواب الصرف؟
ج: هما مستوعبان لأغلبها. وفاتتهما أبواب كالقلب المكاني، وتقسيم الفعل إلى صحيح ومعتل، ومعاني أبنية الثلاثي المزيد فيه، وجمع الجمع، واسم الجمع، واسم الجنس الجمعي، والإلحاق، والتقاء الساكنين.

الجمعة، 2 يونيو 2017

مسائل صرفية في التثنية والجمع

نُشرت في تويتر وفسبك وآسك في أوقات مختلفة.
- س: كيف أجمع كلمة (طواف)؟
ج: لك أن تجمع المصدر (طواف) على (أطوفة) و(طوافات) فتقول: طفت سبعة أطوفة وطوافات. ولك أن تجمع المصدر (طَوْف) على (أطواف) فتقول: سبعة أطواف (وهو الأجود لأنه مسموع). ولك أن تجمع اسم المرّة، وهو (طَوْفة)، على (طوْفات) [وفتح الواو لغة هذيل] فتقول: سبع طوَْفات. ويجوز أن يراد بالطواف هنا الدورة الواحدة، ويجوز أن يكون جمعًا للدورات السبع التي يتم بها الطواف. وإذا خُشي اللبس بينهما قيل للدورة الواحدة: (شوط)، وللسبع: (أسبوع). وتقول في جمعه: (طفت ثلاثة أسبوعات أو أسابيع).
- س: هل يجوز لغةً أن نجمع كلمة (قرآن)؟ وكيف جمعها إن جاز؟
ج: كلمة (قرآن) مصدر نكرة لـ(قرأ يقرأ) نُعت به القرآن الكريم على جهة المجاز المرسل من باب إطلاق المصدر مرادًا به اسم المفعول نحو (خلق الله) أي مخلوقه. ثم صار علمًا عليه بالغلبة. فلو أريد جمعه لقيل: (قَرَائِينُ) و(قُرْآنات).
- س: هل يصحّ في اللغة قولهم: (الأقصى ثالث الحرمين) مع أنه ليس حرمًا؟
ج: هذا جائز على جهة (التغليب). وقد مثل له سيبويه بقوله: (هذا خامس أربع نسوة). وكذلك (ثالث الحرمين)، فلا يوجب جعله ثالثًا لهما أن يكون حرمًا مثلهما كما لم يكن الرجل امرأة بكونه خامسًا للنسوة. وإنما هذا تغليب كما ذكرت. وبابه واسع.
- س: هل يجوز جمع (النتيجة) على (نواتج) كقولهم: (نواتج التعليم)؟
ج: (نواتج) صحيحة على أن تكون جمع (ناتج). ولا يجوز أن تكون جمع (نتيجة). ومعناهما واحد.- س: هل (القرطاسة) لواحد (القراطيس) صحيحة؟
ج: المعروف عن العرب استعمال (القرطاس) للواحد، و(القراطيس) للجمع، قال تعالى: ((ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس)) وقال: ((تجعلونه قراطيس)). ولم أجد من حكى (القرطاسة)، ولا أرى لها وجهًا.
- س: هل يجوز أن يقال: (هي إحدى طلبتي
ج: (الطَّلَبة) جمع (طالب). وهو وزن خاص بالمذكر، ولكن يجوز هذا الأسلوب على جهة التغليب. ومنه قوله تعالى: ((وكانت من القانتين)) مع أن (القانتين) جمع مذكر سالم، وقول العَرْجيّ: 
إني أُتيحت لي يمانيّة ** إحدى بني الحارث من مَذحِجِ
فقال: (إحدى بني) مع أن (البنين) في أصل الوضع خاصّ بالذكور. وعلى هذا لو قيل: (هي إحدى طلبتي) لجاز.
- س: زعم بعضهم أن (الأجاويد) تُطلق على كرام الخيل، ولا تطلق على كرام الناس، فما صحّة ذلك؟
ج: (الأجاويد) جمع (أجواد). و(أجواد) جمع (جَواد)، فهو إذن جمع الجمع. والجواد يطلق على الفرس الجيّد وعلى الرجل الكريم. وسُمع أيضًا (أجاوِد). وهو قياس عند الكوفيين لأنهم يجيزون حذف الياء من مماثل (مفاعيل) محتجين بقوله تعالى: ((وعنده مفاتح الغيب)) إذ (مفاتح) عندهم جمع (مِفتاح)، وأصله (مفاتيح).
على أنه لو لم يُسمع (أجاويد) في جمع (أجواد) بمعنى الرجل الكريم، فالكوفيون يجيزون إشباع مماثل (مفاعِل) قياسًا. وقولهم صحيح، وشواهده متوافرة، فتقول إذن (أجاوِد) و(أجاويد) بالمعنيين المذكورين.
- (الحليب) و(العصير) صفتان في الأصل، ولكنهما انتقلا إلى الاسمية، فلك أن تجمع (الحليب) على (أحلِبة) و(حُلُب). والأول مسموع عن العرب في قول الشاعر:
* شرّاب أحلبةٍ أكّال أحورةٍ *
وتجمع (العصير) على (أعصِرة) و(عُصُر). فأما (عصائر) فلا يصح أن يكون جمعًا لـ(عصير)، وإنما هو جمع لـ(عصيرة) بالتاء، أو (عُصارة).
- في قولهم: (اللهم اغفر لوالدينا) الوجه الجيّد الجمع (والدِينا) بكسر الدال. وتجوز التثنية (والدَينا) اتساعًا كقول الراجز: (في حلقكم عظم وقد شجينا) أي: حلوقكم.
- يجوز لك إذا ثنيت الممدود أن تُقرّ همزته وأن تقلبها واوًا أو ياءًا سواء أكانت الهمزة أصلًا أم غير أصل، نحو (بيضاءان،، بيضاوان، بيضايان).
- (الأخطبوط) كلمة يونانية الأصل، معناها ذو الأرجل الثمانية. وتجمع على (أخطبوطات) باتفاق و(خطابيط) على قياس مذهب سيبويه و(أخاطيب) على قياس مذهب المبرد. ويجيز بعضهم (خطابِط)، و(أخاطِب).
- س: ما توجيه عود ضمير الجمع على المثنّى في قوله تعالى: ((هذان خصمان اختصموا في ربهم)) لأن بعض الملاحدة يعترض على ذلك؟
ج: للَفظ (الخصم) في هذه الآية اعتباران: اعتبار التثنية لأن المراد (طائفتان)، واعتبار الجمع لأن في كل طائفة جمعًا لا فردًا واحدًا. وذلك من جهة أن (خصمًا) في الأصل مصدر، فيجوز أن يوصف به المفرد والمثنى والجمع، والمذكرُ والمؤنث بلفظ واحد كما قال: ((وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب)). فإن اعتُبرتِ التثنية قيل: (اقتتلتا). وإن اعتُبرَ الجمع قيل: (اقتتلوا). وعلى هذا الاعتبار جاءت الآية الكريمة. ونظيرها قوله: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)).
وهذان الاعتباران إنما يسوغان في المثنّى الذي مفردَه دالٌّ على جمع كـ(خصمان) و(طائفتان). فأما ما سوى ذلك نحو (هذان رجلان) فلا يصِحّ فيه إلا اعتبار التثنية فتقول: (اختصما). ولا يجوز أن تقول: (اختصموا) إلا على قول من يرى أن أقلّ الجمع اثنان.
- س: هل (الوالدان) و(الأبوان) و(القمَران) ملحقاتٌ بالمثنى لأنهنّ تثنية لفظين مختلفين، وهما (والد ووالدة) و(أب وأم) و(قمر وشمس)؟
ج: الصواب أنّ ما ثُنّي بعد تغليب أحد لفظَيه على الآخر كالأمثلة المذكورةِ ليس ملحقًا بالمثنّى لأنّ تثنيته إنما وقعت بعد ادّعاء صدقِ لفظ المغلَّب على الآخر وانطباقه عليه، وذلك لآخيّة معقودة بينهما سوّغت هذا التغليب على سبيل التجوّز.
وتأويل ذلك أن (الأمّ) مثلًا لا تسمّى أبًا في حقيقة اللغة، ولكنّها لما كانت أقربَ شيءٍ إلى الأب، وكان عملُها في الأبناء شبيهًا بعمل الأب من مبتدأ خلقِهم فولادتهم فتنشئتهم والحنوّ عليهم واستيجابِ برِّهم ونحوِ ذلك، وكانوا ربّما أرادوا الإخبار عنهما بخبر واحد يعمّهما من قبَل أن حكمهما في الغالب سواء، ادّعوا أن الأم (أبٌ) في هذا الأسلوب خاصةً لحاجتهم إلى هذا التغليب التماسًا للاختصار، ثم ثنّوا (أبًا) و(أبًا) فقالوا: (أبوان). وهكذا أمرُ سائر الأمثلة.
وفي هذا يقول ابن هشام: (والذي أراه أن النحويين [يعني المتقدمين] يسمون هذا النوع [يعني نحو القمرين] مثنًّى، وإن لا لذكروه في ما حُمِل على المثنّى [أي أُلحِق به]. وإنما غايته أن هذا مثنًّى في أصله تجوّز).
على أني لا أرى صحّة دعوى الإلحاق بالمثنّى وجمع السلامة برمّتها لأن اللفظ إذا نُحِلَ حكمًا من الأحكام فإنه ينبغي أن يُعدَّ من أهلِه وأن يحمل اسمَه غيرَ مدافعٍ سواءٌ أكانَ أصابَ هذا الحكم باستحقاقٍ منه لاستيفائِه شروطَ القياس أم بغير استحقاق. ولا يجوز أن يُتبعَ المنَّ ويعيّرَ الإلحاقَ ويُحطّ درجةً عن نظائرِه الجارية على القياس، لأنه لما أُجري عليه حكمُها صارَ مثلَها ولم يمتنع عن الخضوع لشيء من قانونها.
ونديدُ هذا صوغُ أفعل التفضيل من ما اختلّ فيه شرطُ القياس كصوغه من المبنيّ للمجهول نحو (أزهَى)، فإنك لا تسمّيه ملحقًا بأفعلِ التفضيل. وكذلك ما جُمِع على بناء من أبنية جموع التكسير شذوذًا كجمع (كلب) على (كَليب) لأن (فَعلًا) لا يُجمع في القياس على (فَعيل)، فإنك تسمّيه جمع تكسير لا ملحقًا به.
وشبيهٌ بذلك أيضًا ما ناب مَناب المصدر فانتصب مفعولًا مطلقًا نحو (ضربتُه عشرين ضربةً)، فإنك تسمّيه مفعولًا مطلقًا لا نائب مفعول مطلق ولا ملحقًا به. وهكذا.
- س: هل يقال حلَقات إذاعية أو حلْقات؟ بسكون اللام أو فتحها؟
ج: لا يجيز النحاة في (حلَقات) ونحوها من ما هو جمع لـ(فَعْلة) اسمًا إلا الفتح ولا يكادون يذكرون خلافًا في هذا، غير أني وجدت قطربًا وأبا بكر الأنباري وابن المؤدب وأبا العلاء المعرّي يجيزون الإسكان (حلْقات) ويجعلونه لغة لا ضرورة. ونسب ابن عصفور إجازة ذلك أيضًا إلى الفرّاء.
وابن جنّي يجيزه في المعتلّ اللام فقط نحو (ظبْيات).
- يجوز لك في تثنية (ذات) أن تقول: (ذاتا) و(ذوَاتا) نحو (هما ذاتا حُسن وذوَاتا حُسن). والثانية لغة القرآن كما قال تعالى: ((ذواتا أفنان)) و((ذواتي أكل)).
- س: ما جمعُ (قاضي القضاة
ج: يُستغنى فيه بجمع المضاف فيقال: (قُضاة القُضاة). فإن أريد المحافظة على هذا اللقب من تغيير صورته لوقوع اللبس بذلك فيجوز أن يقال: (ذوُو قاضي القضاة أو أصحاب قاضي القضاة أو المتسمون بقاضي القضاة) أو تقول مثلًا: (جاء رجال كلٌّ منهم قاضي القضاة) ونحو ذلك.
- س: وجدتّ أحدهم يقول: (مُسلِمة هذا الزمان) يريد (مسلمِي هذا الزمان)، فهل هذا جائز؟
ج: نعم، هذا جائز سماعًا وقياسًا.
أما السّماع فقول حماس الدِّيلي:
* ولحِقتنا بالسيوفِ المُسلِمهْ *
أي المسلمون، قال ذلك في فتح مكة.
وأما القياس فإنّ الفرقة من الناس متى استقلّت بمذهبٍ أو اتّصفت بصفة لازمة لها تُزايلُ بها غيرَها جاز لَحاق التاء لاسمِها إن كان من المشتقّات التي يصِحّ دخول التاء عليها. وذلك على تقدير موصوف لها بمعنى الفرقة أو الجماعة. ومنه (الرافضة) و(الخارجة) وجمعُهما (الروافض) و(الخوارج). وقالوا أيضًا: (المرجئة). و(المُلحِدة) وكثيرًا غير ذلك.
- كل اسم مختوم بتاء التأنيث يجوز جمعه جمع مؤنث سالمًا. واستثنى بعض النحاة من ذلك ألفاظًا معدودة، وهي شفة وشاة وامرأة ومِرآة وأمة وفُلة. والراجح أنه لا يستثنى من هذا الإطلاق شيء لأن القياس إذا اطرد جدًّا حتى لم يشذ عنه إلا أفراد قليلة فإنه يجوز استعماله وإن جاء السماع بخلافه.
- س: هل يجوز جمع المصادر؟
ج: في جمع المصادر خلافٌ بين النحاة، فمنهم من أجاز قياسه إذا اختلفت أنواعه، ومنهم من لم يُجزه البتةَ. والصواب جواز جمعه مطلقًا لكثرة السماع الوارد فيه عن العربِ سواءٌ أردتّ به التكثير أم التنويع. ولا حجّة للمتعلّقين بالمنع بدلالته على القليل والكثير لأن في جمعه فائدةً ليست في الإفراد، وهي النصّ على الكثرة ونفي احتمال القلّة والإغناء عن الحاجة إلى نعتِه بما يدُلّ على الكثرة، فبدَلَ أن تقول: (عندك وهْم كثير) تقول: (عندك أوهامٌ) وإن كانت هذه الأوهام من نوع واحد. وبدَلَ أن تقول: (أنا ذو غمّ كثير) تقول: (أنا ذو غموم). وكلاهما مسموع عن العرب.
ويشهد لهذا جمعهم أسماء الجنس الإفرادية مع كونها تدل على القليل والكثير كالماء والتراب واللبن ونحوها.
وأما قول من قال: إنه لا يُجمع إلا إذا خرج من المصدرية إلى الاسميّة، فهذا قَيد لا تحصيل له لأن ذلك قد يضِح في نحو جمعهم الصيد والبَعث على صيود وبعوث إذ كانا بمعنى اسم المفعول، فهما يدُلّان في الحقّ على ذاتٍ لا حدثٍ، وكذلك في العِلم لأنه بمعنى اسم المفعول وإن كان معنًى لا ذاتًا، ولكن هذا لا يُطيع لك في نحو الهمّ والغمّ والوهم والظنّ فإنها دالّة على أحداث محضةٍ ولا تدل على ذواتٍ ولا هي بمعنى المشتقّات.
- الصحيح أن (الأحباب) جمع (حِبّ) لا حبيب، و(النُّحاة) جمع (ناحٍ) لا (نحويّ)، و(الكُماة) جمع (كامٍ) لا (كميّ) و(العُداة) جمع (عادٍ) لا (عدوّ) و(الدلائل) جمع (دلالة) لا (دليل).
- س: كيف أقول في القطعتين من الأحذية اللتين يلبَسهما الشخص الواحد في يمنى قدَميه ويسراهما؟ أأقول: (حذائِي) أم (حذاءايَ) أم (أحذيتي)؟
ج: الأصل أن تقول: (حذاءَايَ) بالتثنية، ولكن يجوز الإفراد فتقول: (حذائِي) والجمعُ فتقول: (أحذيتي). ونظيرها (العين)، فإن لك أن تقول: (بكت عينِي وعيناي وأعيني أو عيوني)، قال امرؤ القيس في الإفراد:
فقلت له: لا تبكِ عينُك، إنما ** نحاول ملكًا أو نموتَ فنُعذرا 
وقال زهير: 
كأن عينِي وقد سال السليل بهم ** وعبرةٌ ما همُ لو أنهم أَممُ 
وقال امرؤ القيس في التثنية: 
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ** بسهميك في أعشار قلب مقتّلِ 
وهذا مقيس في كلّ اثنين مصطحبين عملُهما واحدٌ. 
وقال الآخر في الجمع: 
تقتّلني منها عيونٌ كأنها ** عيونُ المها ما طرفهنّ بحادجِ 
وذلك أن أقلَّ الجمع اثنان على الراجح. 
وكذلك تقول أيضًا: (نظّارتي) و(نظارتاي) و(نظّاراتي) للقطعة الواحدة التي فيها عدستان.

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

(فيْ الابتداء) بحذف الياء أم (فيْ لِابتداء) بإثباتها؟ حكم الساكن قبل لام التعريف المحركة لالتقاء الساكنين

في التقاء الساكنين
نُشر في المجلة الثقافية في 12/ 2/ 1438هـ.
إذا اتصلتْ (أل) باسم مبدوء بهمزة وصلٍ نحو (الانتهاء) و(الاستغفار) و(الاسم) و(الاثنين) فهل تُعَدّ لام (أل) متحركة فتُحذف همزة الوصل منها عند الابتداء بها ولا يُتخلّص من سكون ما قبلها إذا كان ساكنًا، أم تُعدّ ساكنة مراعاة لأصلها فتثبت همزة الوصل عند الابتداء بها ويُتخلّص من التقاء الساكنين؟
جواب ذلك أنه يجوز في المسألة الوجهان المذكوران:
الوجه الأول: أن تعتدّ اللام ساكنةً في الحكم وإن كانت متحرّكةً في الحالِ، فينبني على ذلك أمران:
أحدهما: أن تُثبت نطق همزة الوصل في الابتداء فتقول: (الانتهاء) (الاستغفار) (الاسم) (الاثنين) ولا تحذفها مع ذهاب الغرض الذي جيء بها من أجلِه، وهو التوصُّل إلى النطق بالساكن، وذلك بتحرّكِه، لأنك تقدِّر بقاء سكونه إذ كان ذلك هو الأصل.
ثانيهما: إذا وقع قبلها كلمة آخرها ساكنٌ أجريتَ عليه حكم التقاء الساكنين من تحريك نحو (منَ الانتهاء)، (عنِ الاستغفار)، (واجبٌ [= نِ] الاحترامُ) أو حذفٍ نحو (في الاسم) بحذف ياء (في) نطقًا.
الوجه الثاني: أن تعتدّ اللام متحرّكةً لا ساكنة كما هو ظاهر حالها، فينبني على ذلك أمران:
أحدهما: أن تحذف همزة الوصل في الابتداء فتقول: (لِانطلاقُ) (لِاستغفارُ) (لِاتّجاهُ) (لِاسمُ) (لِاثنين).
ثانيهما: إذا وقع قبلها كلمة آخرها ساكنٌ لم تُجرِ عليه أحكام التقاء الساكنين، فتقول: (منْ لِانتهاء)، (عنْ لِاستغفار)، (واجبٌ [=نْ] لِاحترامُ)، (فيْ لِانطلاق) بإثبات ياء (في) نطقًا، تفعلُ ذلك لأن اللامَ في تقديرك متحرّكةٌ لا ساكنةٌ.
والحجّة لذلك السّماع والقياس.
أما السّماع فقد حكى الفرّاء (ت207هـ) أن (العرب تقول: قمْ لَان، وقمِ الَانَ، وصُمِ الاثنين، وصُمْ لِاثنين)(1)، فذكر جواز الوجهين. وحركة لام (الاثنين) حركة التقاء الساكنين، فهي من جنسِ حركة (الابتداء) و(الاستغفار) ونحوهما.
وأجاز بعض القرّاء الابتداء بـ(الاسم) في قوله تعالى: ((بئس الاسم)) بإثبات الهمزة مراعاةً للأصل، وبحذفها مراعاةً للعارض(2). وحكمُ (الاسم) و(الاثنين) حكمُ (الابتداء) و(الاستغفار) ونحوِهما لأنّ حركة اللام فيهنّ لالتقاء الساكنين.
وأما القياس فإنه يؤيِّد الوجه الأول، وهو اعتداد اللام ساكنةً، من طريقين:
الطريق الأولى: القياس على الأصول. وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن أصلَ لام (أل) السكون. وهذا هو معقِد جِبِلّتِها ومبتدأ نشأتِها وقانون استعمالها في عامّة أحوالِها وجمهرة تصرّفاتِها كـ(القمر) و(الشّمس) ونحوها. وبكَرهٍ ما أخرجوها عن أصلِها هذا في نحو (الانتهاء) و(الاستغفار) و(الاثنين) فحرّكوها بالكسر، إذِ اضطرَّهم إلى ذلك شدّة الخَلّة وتضايقُ المحَلّة بالتقاء الساكنين. كما أخرجوها عن أصلها أيضًا في نحو (الَان) تخفيف (الْآن) و(الُولى) تخفيف (الْأُولى) و(الِيمان) تخفيف (الإيمان) فحرّكوها بالفتح والضمّ والكسر بعد نقل حركة المحذوف بعدها إليها.
الوجه الثاني: أن هذا التحريكَ مع عُروضِه وكونه اضطرارًا لا اختيارًا هو أيضًا قليلٌ إذْ لا يكون إلا في المبدوء بهمزة وصلٍ من الأسماء، وهي الأسماء العشرة، على أن من النحاة من منع لحاق (أل) لبعضها كـ(امرئ) و(امرأة)، ومصدرُ الخماسي كالابتداء والانتهاء، ومصدرُ السداسي كالاستغفار. وإلا في ما وليَ (أل) فيه همزةٌ كـ(الَان) ونحوها. وهذه الألفاظ مع قلّتِها هي لغةٌ لا يتكلّم بها إلا بعض العرب من من مذهبُه تخفيف الهمز، فقد رأيتَ أن الألفاظ التي تُحرّك فيها (أل) ضئيلةٌ جدًّا إذا قِيست بعامّة الأسماء سواءٌ أكانت اللام فيها قمريّة ظاهرة أم شمسية مدغمةً.
الطريق الثانية: القياس على النظائر. وذلك أن العلماء حكَوا جواز الوجهين مراعاةِ الأصل ومراعاةِ العارض في الساكن قبل (أل) المتحركة بحركة الهمزة المحذوفة بعدها كـ(الَحْمر) في (الأحمر)، فيجوز أن تقول مثلًا: (مِنَ الَحمر) و(مِنْ لَحمر). ومن من ذكر ذلك الفرّاء في نصّه المنقول آنفًا، والأخفش (ت215هـ)(3) وغيرُهما. وقد التزم ورشٌ في القراءة بمراعاة الأصل في نحو ((عنِ الَاخرة))، ((منَ الَرض))، ((وألقَى الَلْواح))، ((قالوا الَان))(4). ويجوز أيضًا إثبات همزة الوصل عند الابتداء بها مراعاةً للأصل نحو (الَحمر)، وحذفُها مراعاةً للعارض نحو (لَحْمر). وهما وجهان جائزان لورش وغيرِه(5).
ولا فرقَ مؤثرًا بين حركة التقاء الساكنين وحركة النقل، فكلاهما حركةٌ عارضةٌ. وإذْ بلغَنا عنهم مراعاة الأصل ومراعاة العارض في (أل) إذا تحرّكت بحركة النقل كذلك ينبغي أن يكون حكمها إذا تحرّكت بحركة التقاء الساكنين.
وزعم ابن جنّي (ت392هـ) أنّ بين حركة التقاء الساكنين وحركة النقل فرقًا، فأجاز في ما حركته حركةُ نقلِ كـ(الَان) الوجهين، ولم يُجز في ما حركته حركةُ التقاء ساكنين إلا مراعاةَ الأصلِ، فلا يجوز على رأيه أن تقول: (فيْ لِانتظار) بإثبات ياء (في) ولا (منْ لِابتداء)، قال: (لأن حركة التقاء الساكنين أضعف من الحركة المنقولة من الهمزة المخفّفة لأن حركة الهمزة المخففة في الحقيقة قد كانت ملفوظًا بها في حرف صحيح مقدَّر، فلما حذفتَه نقلتَه إلى ما قبله... وحركة التقاء الساكنين لا تلزم لزوم هذه لأنه إذا زال أحدهما زالت معَه)(6).
وهذه التفرقة منه بين الضربين مدفوعةٌ بحكاية الفرّاء عن العرب استعمالَ الوجهين، وذلك قولُهم: (صمِ الاثنين، وصمْ لِاثنين). والسماع حاكم على القياس*.
على أن هذا القياس نفسَه لا يُسلّم به، إذْ كما أنّ حركة التقاء الساكنين تزول إذا زال أحد الساكنين فكذلك حركةُ النقل تزولُ إذا رُدّ المحذوف في لغة من يهمز، بل إنّ ردّ المحذوف أكثرُ وأفشَى وأعرفُ من زوال أحد الساكنين، فما أكثر ما يقال في (الَرض): (الْأرض)، ولكنا لا نجد لام (الِابتداء) و(الِاسم) تسكن إلا إذا قُطعت همزة الوصل بعدها في ضرورة الشعر فقيل: (الْإبتداء) و(الْإسم). هذا مع أن حركة النقل ليست لها صورةٌ واحدةٌ لأنها تكون فتحة وضمّة وكسرة كما مضى بيانُه، وحركة التقاء الساكنين لا تفارق الكسرةَ. فإن لا تكن حركة التقاء الساكنين أقوى وأشدّ لزومًا من حركة النقل فإنهما بمنزلةٍ سواءٍ.
وتفسير عِلّة هذا الوجه، وهو مراعاة الأصل، أنّ العربَ لما وجدوا هذا التحريك عارضًا لا دائمًا، وضرورةً لا اتّسًاعًا، وقسرًا لا اختيارًا لم يشملوه بعنايتهم ولم يحطّوا إليه رحالَهم ولم ينوِّلوه من الحدَب والحَفاوة إلا بالقدرِ الذي يرونه مجزئًا عن نفعه لهم وقيامه بخدمتهم، وأعناقُهم معَ ذلك صُوْرٌ إلى أصلِه ونفوسُهم متطالّة إليه وأفئدتهم لا تنفكّ تنازِعهم إلى سرعة مراجعته والأوبة إليه. وكأنهم أرادوا بذلك أن يحطُّوا العارض دون الأصلِ درجةً إذْ كان وجودُه تابعًا لوجودِه ومنوطًا به، فنصبوا بالصّدود عنه وقلّة الحفْلِ به دَليلاً على منبِتِه ومَنبهةً على أرومتِه. كما كرِهوا أن يسوُّوا الأثيلَ التليدَ بالطارِف الجديد، ويعدِلوا القديمَ الثابتَ بالمستأنَفِ الحادثِ، ويعلِّقوا أحكامَهم على ما يعلمونَ سرعةَ تحوُّله ووشْكانَ رحيلِه. وهذا شاهدٌ على بعد غورهم ونفاذ فطنتهم(7).
وقد علمتَ أيضًا أن الكلم التي تُحرك لام (أل) فيها هي مع عروضِها قليلةٌ غير غالبةٍ، فعرفوا أنهم لو اعتدّوا بهذا القليلِ العارضِ لأحوجهم ذلك إلى أن يتحّولوا عن قديم إلفهم وينقضُوا مستحصِد عادتِهم فيغيِّروا حكم ما يتقدَّمها من تحريكٍ أو حذفٍ، ويسقطوا همزةَ الوصل منها إذا ابتدءُوا بها، وفي النُّقلةِ ومفارقةِ العادةِ العناءُ والنّصبُ والاستهانةُ بالإخاء والحُئولُ عن العهدِ. فساموا هذا القليلَ الفاذَّ حكم الجمهور الأعظمِ من ما تلحقُه أل، وأهلكوه فيه لغوًا ولم يعبئوا بتحرّك لامه إذْ كان هذا قليلًا نادرًا. وسهَّل لهم ركوبَ هذه الخطّة أنَّهم لو لم يفعلوا ذلكَ لاحتاجوا إلى أن يردّوا ما اعتادُوا إسقاطَه ويعودوا إلى الافتقار إلى ما عرفوا من أنفسهم القدرةَ على الاستغناء عنه فيرجعوا بذلك إلى مرارةِ الثّقَلِ بعد أن ذاقُوا حلاوةَ الخِفّةِ ويعانُوا مشقَّة الصعود وقد جرَّبوا راحةَ النزولِ، وذلك حين يقولون: (فيْ البيت أو في الدّار) بحذف ياء (في) نطقًا إلى ما لا يُحصى من نظائرِ هذا كثرةً وذيوعًا ثم إذا صاروا إلى ما أوّله همزة وصل قالوا: (فيْ لِابتداء) بإثبات الساكن قبل (أل). وهذا ثقيلٌ مستكرَهٌ.
وقد وجدنا العربَ تطّرح العِلّة التي قد خلا في سُنَنها الاعتداد بمثلِها وبناءُ الأحكام عليها، وذلك إذا كانت أفرادُ هذه العلّة قليلةً معدودةً، ألا تراهم احتملوا ثِقَلَ الواو في مضارع المثال من (فعُل يفعُل) كـ(وضُؤ يَوضُؤ) و(وسُم يَوسُم) فلم يحذفوها مع أنهم أبوا احتمالها في (فعَل يفعِل) كـ(يعِد) و(يجِد)، وذلك لقلّة أفراد الأوّل وكثرة أفراد الثاني.
ومن ذلك أيضًا أنهم يكسرون نون (مِن) إذا وليها ساكنٌ نحو (مِنِ ابنِك) جريًا على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، ولكنهم يمتنعون من ذلك إذا كان هذا الساكن لام (أل) نحو (مِنَ البيت) فيفتحونها. فأساغُوا ثِقَل توالي كسرتين في الضرب الأول لقلّتِه، وبهظَهم ذلك في الضرب الثاني لكثرتِه وذيوعِه ففرّوا منه إلى الفتح.
ومن أجلِ القلّة أيضًا شحُّوا على الاسم الخماسيِّ ببناءِ تصغيرٍ مخصوصٍ به، وألحقوه بالرباعيّ، وكان حذْفُ حرفٍ منه وإن كان أصليًّا آثرَ عندهم وأحبّ إليهم من افتراع بناء مستقلٍّ له، وذلك لقلّة المستعمَل منه.
وهم كثيرًا ما يجعلون القليلَ بمعنى المعدوم ويوقعونه موقِعه كما قال تأبط شرًّا:
قليلُ التشكّي للمهمّ يصيبُه ** كثير الهوى شتّى النوى والمسالكِ
لا يريد أنه يتشكَّى أحيانًا، وإنما يريد نفي تشكّيه البتةَ.
وكأن الذي حملَهم على ذلك أنهم لما كانوا إذا أرادوا المبالغة في الإثبات جاءوا بلفظ (كثير) توهّموا أنّ ما يقابِله من اللفظ، وهو (قليل)، يفيد ضدّ هذا المعنى، وهو المبالغة في النفي كما هي العادة في الألفاظ المتقابلة كـ(العظيم والحقير) و(الكبير والصغير) ونحوها. ومدَّهم في هذا الوهم قربُ ما بين القليل والمعدوم في المعنَى.
وأما الوجه الثاني، وهو اعتداد اللام متحرّكةً، فإن تأويلَه من جهة القياس حملُه على نظيرِه، وهو ما كانَت حركة اللام فيه للنقلِ كـ(الَان) و(الَرْض). وقد ذكرنا آنفًا أن العربَ يراعون فيه الأصالة والعُروض. ومن شواهد مراعاة العُروض قول عنترة:
وقد كنتَ تُخفي حبّ سمراء حقبةً ** فبُحْ لَانَ منها بالذي أنت بائحُ
وذلك أن الاعتداد بالعارض وإن لم يكن قياسًا مطّردًا وسنةً متّبَعةً فإن العرب من ما يحفِلون به في بعض المسائل كما قالوا في (رُوْيا) مخفف (رؤْيا): (رُيّا)، كأنّهم وجدوا في مراعاة الأصلِ مشقّةً وعنَتًا، ومحافظةً وجمودًا، فآثروا النظرَ إلى الحال على تكلُّف ملاحظة المآل. وكلا الوجهين حسنٌ إلا أنّ الاعتداد بالأصلِ هو الكثير الغالب والسائر المنقاد. ولولا أنّا سمِعنا اعتدادَهم بالعارض في هذه المسألة وفي نظيرها لما جازَ لنا القياس عليه.
فقد ظهر إذن جواز هذين الوجهين في هذه المسألة بشهادة السماع والقياس. وأعلى الوجهين وأفصحهما هو الوجهُ الأوّل لما بينتُ لك.

_______________________________

(1) معاني القرآن 3/ 102. وقد وقع فيه بعض التحريف. وانظر أيضًا الحجة لأبي علي الفارسي 6/ 239. وصواب هذه العبارة فيه (اضرب اثنين، وأكرم ابنين) هو (اضربَ الاثنين، وأكرمَ الابنين). وهي موضع الشاهد.
(2) النشر لابن الجزري 2/ 440، تح أبو الجود.
(3) في معاني القرآن له 1/ 113. وانظر أيضًا كتاب الادّغام لأبي سعيد السيرافي ص116، والحجة لأبي علي الفارسي 6/ 238، والتكملة له ص230، تح كاظم المرجان.
(4) النشر 2/ 441.
(5) النشر 2/ 440.
(6) الفسر 3/ 88، تح رضا رجب. وقد عرفتُ موضع هذا الكلام من الأستاذة عائشة بنت علي في الحديث 6650 في ملتقى أهل اللغة. وانظر أيضًا الخصائص 3/ 90، تح النجار. 
(7) وانظر مسألة الاعتداد بالأصل والعارض في مقالتي (تقويم التقييم) المنشورة في ملتقى أهل اللغة في الحديث 7444، ففيها شيء من البسط والبيان.
ثم وجدت بعد ذلك بسنواتٍ كلامًا عتيقًا لأبي الحسن الأخفش في كتابه "العروض ١٦٠" يوافق ما ذكرته من إجازة معاملة اللام في نحو (الانتظار) على أنها ساكنة - وهو الأجود - أو متحركة. وينبني على ذلك حكم حذف الهمزة والتخلص من الساكن قبلها. وكلامه نصّ على معاملة المصدر كـ(الانتظار) معاملة الاسم كـ(الاثنين).