‏إظهار الرسائل ذات التسميات البلاغة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات البلاغة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 31 يوليو 2017

مسائل بلاغية متفرقة

نُشر مفرّقًا في ملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- س: هل يصح قول بعضهم لمن يريدون ذمّه: (فلان ليس رجلًا) مع أنه رجل في حقيقة الأمر؟
ج: نعم، صحيح لأنَّ الناسَ إنَّما ينفونَ عنهُ معانيَ الرجولةِ وكمالَها لا حقيقتَها. وهذا مذهبٌ معروفٌ في كلامِ العربِ، قالَ سيبويهِ: (ومثلُ ذلكَ: مررتُ برجلٍ رجلٍ أبوه، إذا أردتَّ معنَى أنه كاملٌ) [الكتاب 2 / 29 تح هارون].
ولذلكَ نفى النبيُّ - عليه السلام - عن طائفةٍ من الناسِ الإيمانَ وأرادَ انتفاءَ كمالِهِ. وهذا بابٌ من البلاغةِ لطيفٌ دقيقُ المسلَكِ خفيُّ المأخذِ له شواهد كثيرة، منها قولُك إذا صادفتَ شعرًا ضعيفًا ساقِطًا: (هذا ليسَ بشعرٍ) معَ أنَّه مستوفٍ شروطَ الشعرِ الواجبةَ من الوزنِ والقافيةِ. ومنه أيضًا قولُك للكلامِ تُنكِرُه وتستجفيهِ: (هذا ليسَ كلامًا) معَ أنّك لم ترِد إخراجَه من جُملةِ الكلامِ، وإنَّما أردتَّ التهوينَ منه والحطَّ من شأنِهِ. ومنه قولُ شوقي:
ليسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ مِن ** همّ الحياةِ وخلّفاه ذليلا
وقبلَه قولُ عديِّ بنِ الرعلاءِ الغسانيِّ:
ليسَ من ماتَ فاستراحَ بميتٍ ** إنَّما الميْتُ ميِّتُ الأحياءِ
وقد يجوزُ أن يكونَ هذا من قَبيلِ حذفِ الصفةِ.
- س: ما الفائدة البلاغية من وصف الله تعالى النارَ بأنها ذات لهب في قوله: ((سيصلى نارًا ذات لهب)) مع أن النار لا تكون إلا كذلك؟
ج: : لما كانت البلاغةُ قائمة على مراعاةِ حالِ الخِطابِ ومراعاة حالِ المخاطَبِ وكانَ الخِطابُ في ما ها هنا خِطابَ تهديدٍ ووعيدٍ، وكانَ المخاطَبُ مُصِرًّا على كفرِه مقيمًا على محادّتِه لله تعالَى ورسولِه ناسبَ أن يُذكَر اللازمُ وإن كانَ ملزومُه مغنيًا عنه لِما يقعُ للمخاطَب أحيانًا من الغفلةِ عن تصوُّر الشيء بجميعِ لوازمهِ والذهابِ عن تعقُّلِ معناه حقَّ التعقُّلِ، فإذا ذُكِرت كانت كالتنبيه له وكانَت أبعدَ أثرًا في نفسه.
ولهذه الآيةِ نظائرُ، منها قولُه تعالَى: ((نارُ اللهِ الموقَدةُ))، والنار لا تكونُ إلا موقَدةً ، وقوله: ((وغرابيبُ سودٌ))، والغربيبُ هو الأسودُ الشديدُ السَّوادِ، ثم قولُ الأعشَى:
ما روضةٌ من رياضِ الحَزْنِ معشِبةٌ ** خضراءُ جادَ عليها مسبِلٌ هطِلُ
فوصفَ الروضة بالخضرةِ معَ أنَّ الروضةَ لا تكونَ إلا كذلكَ.
وهذا ضربٌ من الإطنابِ من طريقِ التصويرِ يدورُ معَ حالِ الخِطابِ والمخاطَبِ. ولا أعرِفُ البلاغيِّين ذكرُوه. وإذا أردتَّ أن تعرِفَ ما فيه من البلاغة فاحذف اللوازمَ من الشواهدِ السابقةِ ثم اذكرها ووازن بينَ أثرِ الحالينِ في نفسِك، فإذا أحسستَ أنَّ في ذكرِها فضلَ فائدةٍ فاعلمْ أنّ ذلك هو الداعية إلى ذكرها في الكلام.
- س: أيّ أبلغ (سأعود بعد قليل) أم (سأعود بعد حين)؟
ج: أما (سأعود بعد قليلٍ) فالزمنُ محدَّدٌ فيها.
وأما (سأعود بعد حين) فالزمن غير محدَّد فيها.
فالأولى تُستعمَل في مقامات الإخبار المجرَّدةِ التي لا يُراد بها غرضٌ من الأغراض المعروفة كالتهويل والتهديد ونحوها لأنه لم يجرِ فيها خروجٌ عن الأصلِ. وهي إذا استعمِلت فإنما تدلّ على القليلِ فحسبُ.
وأما الثانية فإنَّك حذفتَ الصِّفةَ منها. ولها استعمالان:
الأول: استعمال حقيقيٌّ. وذلكَ في ما لا تعرفُ مقدار الزمن فيه. ومنه قول أبي الطيِّب:
فإن الجرحَ ينفِر بعد حين ** إذا كان البناء على فسادِ
الثاني: استعمال بلاغيّ. وذلكَ إذا حذفتَ الصِّفةَ وأنت تعرفُها طلبًا للإبهامِ لما له من عمَل في جعلِ الذهنِ يذهبُ في استنباطه كلَّ مذهبٍ. ولذلك كان صالحًا استعمالُه في السياقات القائمة على الترقُّبِ أو التي تدعو إليه كسياق التهديد. ومنه قوله تعالى: ((ولتعلمُنَّ نبأه بعد حينٍ)).
وسياقِ التشويق كقولك للرجلِ يطلب خبرًا: (سأخبرك به بعد حين) تريد أن تشوِّقَه.
ولو ذكرتَ الصِّفة في هذه السياقاتِ لخلت من حسن البلاغة ولعادت كلامًا لا رُوحَ فيه.
فقد ظهرَ إذن أن فرقَ ما بين الجملتين أن الأولى مخصوصةٌ بالقليلِ، والثانية قد يُراد بها القليل وقد يُراد بها الكثير. وهي أيضًا في أكثر أحوالِها تُستعمل لأغراضٍ بلاغيّةٍ.
والله أعلمُ بمراده .
- س: ما الأجود في قولك:
أيامَ أهتزُّ ريَّانَ المُنى طربًا ** كالعود يهتزّ في أغصانه نضِرا
أن تُضبط الراء بالفتح (طرَبًا) أم بالكسر (طرِبًا)؟
ج: أختار وجه الكسر من أجل طلب مناسبتِها للكلمة التي في آخِر العجُز (نضَِرا) إذْ هي مكسورةٌ، والشعراءُ من مَّا تستحِبُّ ذلكَ. وقد ذكر ابنُ جني في "الفسرِ 2 / 6" شرحِه على ديوان أبي الطيِّب أنَّ من ما استدلَّ به على حصافة لفظ أبي الطيِّب وصحَّة صنعته ودقَّة فكره أنه سأله يومًا عن قوله:
وقد عادتِ الأجفانُ قرْحًا من البُكى ** وعادَ بهارًا في الخدود الشقائقُ
فقال ابن جنِّي: أقرحَى ممالٌ أم قرحًا منوَّنٌ جمع قرحةٍ؟
فقال أبو الطيب: قرحًا منوَّنٌ. ثم قال: ألا ترى أنَّ بعدَه:
وعادَ بهارًا في الخدود الشقائقُ 
يقول كما أنَّ (بهارًا) جمعُ (بهارة)، وإنما بينهما الهاءُ، فكذلك (قرحًا) جمع (قرحة)، وإنما بينهما الهاءُ، يوفِّق بذلك بين أجزاء الكلام.
وقرأتُ أيضًا في "تثقيف اللِّسان 280" لابنِ مكِّيّ الصقِلِّيّ: (وقد يترك الأحسن لما هو أحسن منه كما قال عبدُ المحسن الصوريُّ حينَ قُرِئ عليه من شعرِه:
يا حارِ إن الركبَ قد حارُوا ** فاذهبْ تحسَّسْ لِمَنِ النارُ
قال: إني لأعلمُ أن كسرَ الراء أحسنُ [يريدُ كسرَ راء (حارِ) على لغة من ينتظِر]، ولكن لا يُقرأ عليَّ شِعري إلا باختياري، فإني لا أختارُ في هذا الموضعِ إلا (يا حارُ) بضمِّ الراءِ.
وإنما اختارَ عبدُ المحسنِ ذلك ليجانِس أولُ القسيمِ آخرَه).
- الذي يظهر لي في بلاغة (مثل) في قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) هو أنك إذا قلتَ للرجلِ يعمل الخطأ: (مثلك لا يفعل هذا) ففي ذلك تعليل للحكم وتبيان لوجه المنع وتعليق له بصفاته لا بذاته. ولو قلتَ: (أنت لا تفعل هذا) لظنَّ أن امتناع ذلك بالنظر إلى ذاته. وليس في هذا كما ترى حجَّة على المخاطب ولا إقناع له. وربَّما ظنَّه تحيُّزًا وتحكمًا. ومثل هذا قول جرير يهجو الفرزدقَ:
نفاك الأغرُّ ابن عبد العزيز ** ومثلك يُنفَى مِن المسجدِ
يريد أن مَن اجتمع فيه مثل صِفاتك كان حقًّا أن ينفَى من المسجدِ.
وهذا أبلغُ من التجريدِ من وجوه:
الأول: ما فيه من إيجازِ القِصَر حيث حكمتَ على المثيل بدلالة اللفظ وحكمت على المراد الإخبارُ عنه بالكناية لأنه إذا ثبت الحكمُ للشيء ثبت أيضًا لمثيله. فلهذا كان معنَى قول جرير: (ومثلك ينفى ...) هو (هذا الجنس حقّه أن ينفى...).
الثاني: تعليل الحكم وظهوره بمظهر الإنصافِ إذ تكونُ بيَّنت أنَّ الحكمَ حقّ لكلّ مَن اجتمعت فيه هذه الصفات.
الثالث: ما فيه من الكناية التي تثبِت الحكم ثم يفهمُه المخاطَب من غير تصريحٍ به، ألا ترى أن قولك: (مثلك لا يفعل هذا) أدعى للقَبول وألطفُ موقعًا في النفس من قولك: (لا ينبغي لك أن تفعل هذا)،وذلك لخلوِّه من التصريح.
وليس منها المبالغة التي ذكرها بعضهم لأنه فهِم أن المثلية تقتضي فرعية المحكوم عليه به. وليس الأمر كذلك، فالمثلية تقتضي التساوي لأن معنى (مِثل) هو (مماثل)، و(المماثلة) على بنية (المفاعلة) التي يكون الفاعل والمفعول فيها سواءًا في الفاعلية والمفعولية كـ(المضاربة) ونحوها. أما الذي يقتضي الفرعية فهو التشبيه، وذلك إذا قلتَ: (هذا يشبه هذا).
فإذا أجرينا هذا على قوله تعالى: ((ليس كمثله شيءٌ)) كان المعنى أن الخالقَ المتفرِّد بالكمال والبقاء لا يمكن أن يكون مثلَه شيءٌ من خلقِه، كأنه قال: (كلُّ مَن كان خالقًا امتنع أن يكون له مثيل. والله هو الخالق وحدَه، فلا يمكن أن يكون له مثيل). ولو قال: (ليس مثلَه شيء) لم ينبِّه على العلة التي استحقَّ بها امتناع المثلية وصار نفيًا محضًا مجرَّدًا عن الدليل بعيدًا عن الإقناعِ. وهذا كقوله في سورة النحل: ((أفمن يخلق كمن لا يخلق))  ولم يقل: (آلله كمثل معبوداتكم الأخرى)، فنبَّه على العلة كما ترى بألطف مسلك، وذلك أن هذه السورة مكيَّة، وهذا الخِطابُ أدنى أن يوافق حالَ كفَّار قريش لما اقترن به من الحجة المنطقيَّة.
فإن قلتَ: أليس مقتضى هذا إثبات المثيل لله؟
قلت: كلا، فهذه كنايةٌ، والكناية لا يجِب ثبوت ملزومِها.
- في كلام العرب ألفاظ ظاهرها الشَّتم، ولكنهم يستعملونها في معرِض التعجُّب والاستحسان، وذلك كقولهم: (قاتله الله) و(لا أبا له) و(ويل أمّه). فكيف جاز أن تدُلّ على هذا المعنى وتوضع في هذا الموضع؟ وما تفسيرها؟
الذي يظهر لي أنه لما كانت شدّة استحسان الشيء قد تتناهى إلى أن تنال من المستحسِن حتى تكاد توفي به على العطَب وحتى تكرُبه وتغمَّه لما ينوبه من التحيّر في أمر هذا المستحسَن، وذلك كما يقول المحِبّ لمحبوبه أو لشيء يُعجبه: (قتلتَني وعذَّبتَني)، فلمّا كان كذلك أنزلوه منزلة العدوِّ لما يصيبهم من أذى العُجْب به والعجَب منه فدعوا عليه بما يدعون به على العدو. وهذا إسرافٌ منهم في حُسن الإبانة وبراعة الدلالة على المعنَى الكامن في نفوسهم. وهو من باب الاستعارة المكنيّة.

لمَ عُرّفت (السفينة) في سورة الكهف ونُكّر (الغلام) و(القرية)؟

نُشر في ملتقى أهل اللغة في 1/ 5/ 1430هـ.
قالَ تعالى: ((فانطلقا حتى إذا ركِبا في السفينة خرقَها قال أخرقتَها لتغرقَ أهلَها))  [آية 71]، فعرَّفَ (السفينة).
وقالَ: ((حتى إذا لقيَا غلامًا فقتلَه)) [آية 74]، وقالَ: ((حتى إذا أتيَا أهل قريةٍ استطعما أهلَها)) [آية 77]، فنكَّرَ (الغلام) و(القرية).
فكيف فرَّقَ بين هذه الثلاثةِ؟ وكيف عرَّف (السفينة) ولم يتقدَّم لها ذكرٌ؟
ينبغي أن نعلمَ أولُ أنَّ التعريفَ والتنكيرَ مبحثٌ نحويٌّ متصِلٌ بعلم المعاني من قِبَل دورانِ الكلمةِ بينَ هاتين الحقيقتينِ دورانًا ربَّما أشكلَ الفصلُ فيه على المتكلِّم غيرِ البصيرِ بمواقعِ الكلام ووجوهِ الخِطابِ ودقائقِ الأحوالِ، ينبيك بهذا قولُ امرئ القيس بن حُجْرٍ:
مِسحٍّ إذا ما السابحات على الونَى ** أثرن الغبار بالكَديد المركَّلِ
فقد روى جمهور الرُّواة (الغبار)، وروى الأصمعيُّ (غُبارًا).
وقولُه:
فعنَّ لنا سِربٌ كأنَّ نِعاجَه ** عذارى دوار في مُلاءٍ مذيَّلِ
فقد روى جمهور الرواة (ملاءٍ)، وروى الأصمعيُّ (الملاءِ).
ولا شكَّ أيضًا أنك ترى مقدارَ الاختلافِ بينَ نُقَّاد القصائدِ، فمنهم من يدَّعي أن التنكير في موضعٍ مَّا للتحقيرِ، ومنهم من يقولُ: هو للتعظيمِ. ومنهم من يقول: هو لا يفيدُ هذا ولا ذاك. ثم لا تجدُهم يُبدونَ لك عن معيارٍ منصوبٍ تستطيعُ أن تحتكم إليه وتقف عنده.
من أجل ذلك كانَ معرفةُ الفصلِ فيه من آياتِ البلاغةِ التي لا يُهدَى إليها إلا مَن راضَ نفسَه بمحاسنِ الكلامِ وعوَّدَها طُرُقَ الإصابةِ وأوتيَ من الذوقِ ولُطفِ الحِسِّ ما يقوم في نفسه مقام الأصولِ الموضوعةِ والقواعدِ المستحدَثةِ.
وسأذكرُ إن شاء الله حقيقةَ هذا البابِ وأبيِّن علاقتَه بالبلاغةِ ثم ألتفِت إلى الآية الكريمة فبيتي امرئ القيس المتقدِّمين.
الأصلُ في الكَلِم هو التَّنكيرُ، وذلك أنَّ الألفاظَ الموضوعةَ لتكونَ دلائلَ على الأشياءِ إنما وُضِعت لتكونَ شامِلةً لكلِّ فردٍ من أفرادِ الجنسِ ما توفَّرت فيهِ حقائقُ معيَّنةٌ لا تقومُ ماهيَّتُه إلا بها، فإذا قلتَ: (كتاب) دخلَ في هذا كلُّ ما كانَ مؤتلِفًا من أوراقٍ على نحوٍ معلومٍ ولم يستبن فردٌ منها عن فردٍ، فاحتاجت العربُ إلى الفصلِ بينها وتمييز بعضها من بعضٍ فلجأت إلى طرائقَ مختلِفةٍ كلُّها يجمعُها اسمُ التعريفِ، منها التعريف بـ(أل)، فألحقتها أوائلَ الكلِمِ لتَدلَّ على أنَّ هذا الشيءَ معروفٌ عندك أيُّها المخاطبُ وأن لك به سابقَ علمٍ وأنه ليس كسائرِ الأفرادِ. والسبيلُ إلى معرفةِ هذا الفرْد المعرَّفِ أن يكونَ أوَّلاً مشارًا إليهِ كما لو قالَ لك قائِلٌ: (اقرأ الكتاب) وأعطاكه بيدِه، فهو معرِفةٌ عندَك بالحالِ. فإن عِدمتَ هذا ففتِّش عن الكلمةِ المعرَّفةِ في ما مضى من الكلامِ، فإذا وجدتَّها سبقت فهي المراد تعيينُها. ومن ذلك قوله: ((كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً * فعصى فرعون الرسولَ))، فإنَّ قولَه: (الرسول) مقتضاه أنَّه معروفٌ لديكَ، فلمَّا عدِمتَ دَِلالة الحالِ انتقلتَ إلى الكلامِ. فإذا عدِمتَ دَِلالة الكلامِ ولم تجِد لها ذكرًا سابقًا انتقلتَ إلى دَِلالة العهدِ، فقد يكونُ بينَك وبينَ المتكلِّم عهدٌ فيها كما لو قال لك: (قد وجدتُّ الرجلَ) يريد رجلاً قد حدَّثك عنه من قبلُ. فإذا وجدتَّ المخاطبَ عرَّف لك الكلمةَ ولا حالَ تشيرُ إليها ولا كلامَ تقدَّمها ولا عهدَ بينك وبينه فيها فاعلمْ أنَّه أرادَ تعريفَ فردٍ غيرِ معيَّنٍ، وهو ما يسمّونه تعريفَ الجنسِ. ولا يكون إلا مجازًا. ويأتي الحديث عنه مفصَّلاً.
فـ(أل) إذن لا تفارقُ التعريفَ في أصل وضعها. ولا يصِحُّ تقسيمُها إلى جنسيَّةٍ وعهديَّةٍ ثم تقسيمُ الجنسيَّة إلى دالَّة على الحقيقة ودالَّة على الاستغراقِ ثم تقسيمُ العهديَّة إلى ذكريَّة وعلميَّة وحضوريَّةٍ، بل كلُّها للتعريفِ، وحقيقتُها واحدةٌ لا تختلِف، وإنما الاختلافُ بينَها في المراجِع التي يرجِع إليها التعريفُ وحسبُ. وهي في هذا تُشبِه الضمير، فكما أنَّ رجوعَه قد يكون إلى اسم يتقدَّمه وقد يكون إلى المفهوم من فعلٍ سابقٍ له وقد يكون إلى ما لا ذكرَ له في الكلامِ، وهو مع ذلكَ لم يُقسَّم من هذا الوجه فكذلك المعرَّف بـ(أل).
فأمَّا ما استحَقَّ التعريفَ من الكَلِم فلا يجوز تنكيرُه بحالٍ ولو مجازًا، وإنما تنكِّرُه العربُ باسم الإشارةِ مع التعريفِ بأل، فأمَّا التعريفُ بأل فللتمييز من سائر الأفراد. وأما الإشارة فلبيانِ أنَّه نكِرةٌ حتى معَ تعريفِه، فهو يحتاج إلى تعريفٍ آخَرَ.
وأمَّا ما استحقَّ التنكيرَ من مَّا لا يُراد بهِ فردٌ معيَّنٌ فلا يُعرَّف إلا لغرضٍ بلاغيٍّ كما سيأتي.
واعلمْ أنه لا يمكن أن يأتيَ التنكيرُ لغرضٍ بلاغيٍّ البتةَ لأن التنكيرَ هو الأصلُ وهو الذي اقتضاهُ المعنَى. ومن شرط صحَّة العلَّة أن يتعلَّق الحُكْم بها وجودًا وعدمًا. وهذه لو أبطلنا العلَّة فيها، وهي إرادة الغرضِ البلاغيّ لما زالَ الحُكْم، وهو التنكيرُ.
وهذا الذي ذكرتُ من أحكام التعريف بـ(أل) إنما هو نبذة مختصرة مهَّدتُّ بها لما بعدَها. ونأتي الآنَ إلى الآية الكريمةِ فننظر لِمَ عُرِّفت (السفينة) دونَ (الغلام) و(القرية)؟
ليس في هذه الآية دليلُ حالٍ ولم يجرِ للسفينة ذِكر فيعودَ التعريف إليها، فيبقَى إذن احتمالانِ:
الأول: أن يقال: إنَّ في قوله قبلُ: ((وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سرَبًا)) [آية 60، 61] ما يُشبِه الذكر للسفينةِ، ذلكَ أنَّه ذكرَ أن موسى عليه السلام بلغَ البحرَ. وهذا يجعلُ السامعَ كالمنتظرِ لذكر ما يحملُهم في البحرِ، وهو السفينةُ، فعلى هذا يكون مرجِعُ (أل) مفهومًا من ذِكْر غيرِهِ، فلذلك عرَّفَها. أما الغلام والقرية فلم يتقدَّم قبلَهما ما يؤذِن بذكرِهما.
الثاني: أن لا يكونَ ثمَّةَ مرجِعٌ لـ(أل) فيكون تعريفُها تعريفًا لفردٍ منها غيرِ معلومٍ لدى السَّامعِ من طريقِ المجازِ (استعارة مكنيَّة)، كأنَّه يخبِرُك أنَّ هذا الشيءَ معروفٌ لديك ويدعوك إلى تذكُّر صفاتِه، كأنَّه قالَ: (أرأيت هذا الشيءَ المعروفَ بعظمتِه وبحملِه الأثقالَ والبشرَ، فإنَّ الخضِر خرقَه). وذلك كثيرٌ في مقامات التهويل أو التعظيم. وإنما ذلك ليبيِّن عِظم ما فعلَه من خرقِها في عين موسى عليه السلام. وآية ذلك أنه قال بعدُ: ((لقد جئت شيئًا إمرًا))، والإمر أشدُّ من النُّكر. ولهذا عرَّف (السفينة) ولم يعرِّف (الغلام) إذْ كان خرْق السفينة سببًا لهلاكِ نفوسٍ كثيرةٍ وقتلُ الغلام إنما هو هلاك نفسٍ واحدةٍ. هذا مع كونِ أصحابِ السفينة محسنينَ بحملِهم فيها بغير أجرٍ كما قيلََ وكونِهم مساكينَ أيضًا كما ذكرَ الله بعدُ.
وزعمَ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور أنَّ لامَ (السفينة) للعهد الذهنيِّ [التحرير والتنوير 6 / 375] ومثَّل لها بـ((وأخاف أن يَّأكله الذئب))، وذكرَ في هذه الآية الأخيرة آيةِ يوسفَ أنَّها لتعريف الجنسِ [السابق 5 / 231]، فإن كان يريدُ بلام (السفينة) العهدَ الذهنيَّ كما قال في موضعها فإما أن يكون قصدُه بالعهدِ الذهنيِّ أن يكونَ بين المتكلِّم والمخاطَب عهدٌ سابِقٌ فيه فيكونُ الشيخُ لم يبيِّن في لامِ السفينة كيفَ هذا العهدُ أوَّلاً، ويكونُ هذا المعنى ثانيًا غيرَ صالحٍ إجراؤُه في الآيتين، ويكون قد ناقضَ كلامَه ثالثًا لأنَّ لامَ الجنس أو الحقيقة غير لامِ العهدِ. وإن كان قصدُه بالعهد الذهنيِّ أن يكونَ المتكلِّم يريدُ بهِ فردًا مبهمًا من أفراد الحقيقة من حيث عهدُه إيَّاه في ذهنِه فهذا أوَّلاً معنًى لا يصِحّ لأنَّه حين إذٍ ليس معرفةً حقيقةً ولا مجازًا، وثانيًا لو قدَّرنا أنَّه معرفةٌ في ذهنِ المتكلِّم فليس بمعرفةٍ عند المخاطبِ، والتعريفُ إنما هو للمخاطبِ لا للمتكلِّم كما أنك لا تأتي إلى رجلٍ خالي الذهن وتقول له: (اشتريتُ الكتاب) وقرأتُه إذا كان لا يدري أيُّ كتابٍ هذا الكتاب. ولا ينفعُك أن يكون معروفًا عندكَ إذا كانَ مجهولاً عندَه. ومثل هذا الضميرُ، فإنَّك لا تقول لخالي الذهنِ أيضًا: (جاء إليَّ فأكرمته) إذا كان لا يعرفُ هذا الذي أضمرتَ عنه. وثالثًا يكون ناقض كلامَه السابقَ إذ جعلَ لام (الذئب) للجنس، والجنسُ كما ذكرتُ غيرُ العهدِ. ويكون رابعًا غيرَ مزيلٍ للإشكالِ ولا كاشفٍ عن وجه البلاغةِ إذ لِمَ لمْ يُعرَّف (الغلام) أيضًا  (القرية) بهذا القصد؟
وإن كان يريدُ بلام (السفينة) الجنسَ فهو أولاً لم يبيِّن وجه البلاغة فيهِ ولا علةَ التفرقة بينه وبين (الغلام) و(القرية)، وسمَّاه بغير اسمِه ثانيًا، ولا يصِحُّ ثالثًا أن يسمَّى تعريفًا للجنس لأنَّ المعرَّف إنما هو فرْد من أفرادِه.
وزعمَ الدكتور فاضل السامرائيُّ أن سبب تعريف (السفينة) أنَّه جاءت سفينةٌ مارّةٌ فناداها الخضرُ وموسى فعرفوا الخضرَ فحملوهما بدون أجر [لمسات بيانية في نصوص من التنزيل 41]. أما الغلام فإنهما لقياه في طريقهم وليس غلامًا محددًا معروفًا. والردُّ على هذا هو ما ذكرنا آنفًا من أن مقتضى التعريفِ أن يَّكون معروفًا للمخاطبِ لا للمتكلِّم.
وأمَّا بيتا امرئ القيس فأولهما قولُه:
مِسحٍّ إذا ما السابحات على الونَى ** أثرن الغبارَ بالكَديد المركَّلِ
وهذه هي الرِّواية الحُسنى، فقد أراد أن يصِفَ سرعةَ جريِ فرسِهِ وأنَّه إذا كان بينَ الجِيادِ السابحاتِ وقد بلغَ منهنَّ الإعياء مبلغَه وجعلن يُثرن الغبارَ لسرعةِ جريهنَّ وكرمِهنَّ وجدتَّ فرسَه ينصبُّ في جريه انصبابًا ولا يقصِّر عنهنَّ. و كانت (الغبار) بالتعريفِ أحسنَ وأبلغَ لأن هذا موضِع تهويلٍ وتوكيدٍ، كأنَّه يريدُ أن يردَّك إلى تذكُّره بحقيقتِه، فكأنه يقول: إنهنَّ يُثِرن الغبارَ المعروفَ من غيرِ تجوُّزٍ. وهذا أبلغُ في الدّلالة على سرعة جريِهنَّ ثم الدلالة على سرعة جريِ فرسِهِ.
وأما الآخَر فقولُه:
فعنَّ لنا سِربٌ كأنَّ نِعاجَه ** عذارى دوار في ملاءٍ مذيَّلِ
وهذه هي الرِّواية الحُسنَى، وذلك أن الشاعرَ أرادَ أن يصفَ قطيعَ البقرِ الذي صادفه في صيدِه فشبَّهَه بالعذارى إذا لبِسنَ ملاءًا، وهو ضربٌ من اللِّباس يُلتحَف به، وكان هذا المُلاء مذيَّلاً أي سابغًا في حالِ طوافهنَّ حولَ دَوَار، وهو صنم من أصنامهم. وذلك أنَّ البقرَ تكون بيضَ الظُّهور سود القوائم، وكذلك العذارى في الملاءِ المذيَّل، وأنَّ البقرَ يلوذ بعضها ببعضٍ، وكذلكَ العذارى حولَ الصنمِ.
وإنما كان التنكير هنا أحسنَ لأنَّ المَقام ليس مَقام تعظيمٍ أو نحوِه، وإنما هو وصفٌ مجرَّد لا مبالغةَ فيه، وليس ذِكرُ (المُلاء) على العذارى بالذي يدعو إلى العجبِ، وليس تعريفُه بالذي يخدُم غرضَ الشّاعر ومقاصِده في شعرِه. والبلاغة ليست كلُّها في المبالغة أو التهويلِ، وإنما البلاغة أن تضعَ كلَّ شيءٍ موضعَه وتخاطبَ كلَّ امرئٍ بما يعقلُه.

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

المدعوّ فلانًا

نُشر في ملتقى أهل اللغة في 18/ 6/ 1433هـ والمجلة الثقافية في 3/ 7/ 1433هـ.
(المدعوُّ) اسمُ مفعول من (دعَا). ويكونُ ما بعدَه منصوبًا لأنّه مفعولٌ ثانٍ، تقولُ: (هذا المدعوُّ محمدًا). وهو لفظٌ عربيٌّ فصيحٌ معناه: (المسمَّى). ومنه قولُ الشاعرِ:
أما الإماءُ فلا يَدعونَني ولدًا ** إذا ترامَى بنو الإموانِ بالعارِ
وقول الآخَر:
دعاني الغواني عمَّهنَّ وخلتُني ** ليَ اسمٌ، فلا أدعَى به وهْو أوَّلُ 
وقد جرَى استعمالُها في عُرفِ الناس واصطلاحِهم على النكرةِ المجهولِ، كأنهم أرادوا أن يُبالغوا في الدلالةِ على نكارتِه من طريقِ الانتفاءِ من إثباتِ اسمِه والبَراءةِ من القَطْعِ بمعرِفتِه والتعويلِ في ذلك على ما يدعوه به الناسُ الذينَ يعرِفونَه. ولو كانَ معروفًا مشهورًا وكانَ من أهلِ النباهةِ والذِّكر لم يَحتج المتكلّم إلى أن يُحيلَ معرِفة اسمِه إلى الناس ولكانَ له من ثقَتِه بثبوتِ هذا الاسمِ ما يحمِله على أن يكِلَ نسبتَه إلى نفسِه. ولذلك لا يُوصَف بهذه الكلمة إلا من كانَ نكرةً مغمورًا. وهو في هذا حقيقة. أو مَن يُرادُ تحقيرُه وتنكيرُه وإلحاقُه بالدهْماء والسُّوقة ومَن لا يؤبَه له. وهو حين إذٍ مَجازٌ. ويجوزُ حملُه على وجهين بَلاغيّين: 
الأول: أن يكون كنايةً. وذلك من قِبَل أن كلمةَ (المدعوّ) قد أضحت من لوازِم التنكيرِ والتحقيرِ، فبدلَ أن تقولَ: (الرجل النكرة الذي لا يُعرَف فلانٌ) تقولُ: (المدعو فلانًا). وهو لازِمٌ عرفيٌّ لذلك. 
الثاني: أن يكون استعارةً مكنيَّةً. وذلك على أن تكونَ أردتَّ تشبيهَه بالنكرةِ المغمورِ ولم تصرِّح بهذا المشبَّه به، وإنما ذكرتَ شيئًا من خصائصِه، وهو وصفُه بـ(المدعوّ).