‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب القدماء وشعرهم وأخبارهم وعاداتهم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب القدماء وشعرهم وأخبارهم وعاداتهم. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 16 يونيو 2020

شرح حماسية معن بن أوس المزني

نُشر في التلجرام في قناة (مختارات شعرية للحفظ) وفي فسبك وتويتر في 17/ 10/ 1441هـ.

* القصيدة([1]): 
قال معن بن أوسٍ المُزَنيّ([2]): [بحر الطويل] 
1- لعَمرُكَ ما أدري – وإني لأوجَلُ - ** على أيِّنا تَعدو المَنيّةُ أوّلُ 
2- وإنّيْ أخوكَ الدّائمُ العهدِ لم أَحُلْ ** إنَ ابزاكَ خصمٌ أو نَبا بكَ مَنزِلُ 
3- أحاربُ مَن حاربتَ من ذي عداوةٍ ** وَّأحبِسُ ماليْ إن غَرِمتَ فأَعقِلُ 
4- ستَقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتَني ** يمينَكَ، فانظرْ أيَّ كَفٍّ تَبَدَّلُ! 
5- وفي النّاسِ إن رَّثّتْ حِبالُكَ واصلٌ ** وَّفي الأرضِ عن دارِ القِلَى مُتحوَّلُ 
6- إذا أنتَ لم تُنصِفْ أخاكَ وجدتَّهُ ** على طَرَفِ الهِجرانِ إن كانَ يَعقِلُ 
7- ويَركبُ حَدَّ السَّيفِ مِن أن تَضيمَهُ ** إذا لم يكن عن شَفرةِ السَّيفِ مَزحَلُ 
8- إذا انصرفتْ نفسي عن الشّيءِ لم تَكَدْ ** إليهِ بوجهٍ آخرَ الدّهرِ تُقبِلُ 

* مناسبة الأبيات: 
كان معنٌ قد تزوَّج بأخت صديقه، فاتّفق أن طلقها معنٌ، فهجرَه صديقُه وحلَف لا يكلمه أبدًا، فقال معنٌ هذه الأبيات يعاتبه ويستعطفه. 

* شرح الأبيات: 
1- لعَمرُكَ ما أدري – وإني لأوجَلُ - ** على أيِّنا تَعدو المَنيّةُ أوّلُ 
- التفسير([3]): 
أ- اللفظ: لَعَمْرك: العَمْر بفتح العين معناه العُمر، أي مدةُ الحياة. ولا يُستعمَل في القسم إلا بالفتح. أوجَل: من الوجَل، وهو الخوف. ويجوز أن يكون في هذا البيت فعلًا مضارعًا، أي: وإني لأخافُ. أو أفعلَ تفضيل، أي: وإني لأخْوَفُ منك. وحذفَ (منك)، وهو جائز. أو صفةً مشبَّهة، أي: وإني لخائفٌ، فيكون بمعنى (وجِلٍ). وهو الراجح. ونظيره (أعمى) و(عمٍ)، غير أنهم لم يقولوا في مؤنثه: (وجلاء) كما قالوا: (عمياء). 
ب- التركيب: جملة (وإني لأوجلُ) معترضة بينَ الفعل (أدري) ومفعولِه الذي هو جملةُ (على أيّنا تعدو المنية أوّلُ). 
يقول: وحياتِك يا صاحبي لا أدري أيُّنا يفجؤه الموت قبل الآخر. وإني لخائف وجِلٌ من كلا الاحتمالين. 
- التأويل([4]): أراد أن يقول لصاحبه: اعلمْ يا صاحبي أن حالنا لا تخرج عن أحد أمرين: فإمّا أن أموت قبلك، وإما أن تموت قبلي، فإن متُّ قبلك لم تلبث أن تندم على صرمك لي وزهادتك في إخائي، وذلك أن الموت من ما ينزِع البِغضة ويقطع المنافسة ويوجب الشفقةَ ويدعو إلى التنويه بمآثر الميّت ويدلّ على حاقّ قدره وعلى مكانه الذي كان يسدّه ويملؤه. وقد ألمعَتِ الشعراءُ إلى هذا المعنى، فمنه قول تأبّط شرًّا: 
لتقرعنّ علي السِّنَّ من ندَمٍ ** إذا تذكّرتَ يومًا بعضَ أخلاقي 
وقولُ عَبيد بن الأبرص: 
لا أعرفنّك بعد الموت تندُبني ** وفي حياتيَ ما زوّدتني زادي 
وإن متَّ قبلي كان افتراقنا عن قِلًى لا ودَّ بعده، وعن هجرٍ لا وصل يمحو أثرَه، وعن سُخط لا مستعتَب منه، وكان آخرُ أمرنا بعد هذه العشرة الطويلة وهذا الإخاء الوثيق التدابرَ والشحناء، وإنما الأمور بخواتيمها. وإني لوجلٌ مشفق من كلا الأمرين اللَّذَينِ لا أدري أيُّهما يقع أولُ. 
- النقد([5]): أحسن الشاعر في استفتاحه القصيدةَ بهذا البيت، وذلك أنه ذكَّرَ صاحبه بفجاءة الموت ووشْكان الرحيل وحَتْم الافتراق، وأخَّرَ تعدادَ فضائله معه والتنويه بحسن بلائه وصدقِ إخائه إلى البيت الثاني، وذلك كي يستميل قلبه ويسكّن من نافر إقباله أوّلًا لأن للموت هيبةً ترتدع منها النفوس وتخشع لها القلوب. وعلِمَ أن ذكره هذا للموت مستلزمٌ للتذكير بسالف الإخاء، والتحذير من القطيعة والبغضاء. ولو ابتدأ الأبيات بعدِّ فضائله وشواهد أخوَّته لم يأمَن أن يَهيج ذلك صاحبَه فيغريَه بالمراء والمكابرة فيدافعَه عن بعض ما ادّعاه أو يوردَ عليه مثله أو أزيد منه. 
ومن محاسنه أيضًا لُطف الاعتراض بقوله: (وإني لأوجلُ)، إذ نبّه بذلك على أنه خائف من كلا الأمرين: أن يموت صاحبُه قبله، وأن يموتَ هو قبل صاحبه. واحترس بذلك من أن يُظنّ أنه يودّ لو مات قبل صاحبه فيعرفَ قدرَه بعد موته ويندمَ على ما فرطَ منه في حقّه، أو يُظنّ أنه يودّ لو مات صاحبُه قبله استعجالًا لفراقه والتماسًا لنسيان ذِكَراته معه وتشفّيًا منه لسوء جزائه، بل هو خائفٌ أن يموت صاحبُه قبله فيخسرَ مودته، وخائفٌ أيضًا أن يموت قبل صاحبه فلا يعرف صاحبه قدرَه إلا بعد موته. والصُّلح أحبّ إليه، والتراضي آثرُ عنده. وفي هذا استرقاقٌ بالغ وتلطُّف بديع. ثم أحسن أيضًا الإحسان كلَّه بأن جعل هذه الجملة معترضة في جوف قوله: (ما أدري على أيّنا تعدو المنية أولُ) ليعرِّف صاحبه من أول الكلام احتراسَه هذا ويبيِّن له إشفاقه من نزول الموت بأحدهما وينفيَ عنه ما قد يسبِق إلى قلبه من توهّم رغبته في مفارقة أحدهما الآخرَ بالموت. 
ومنه دقّة وصفه لمجيء الموت إذ جعله عدوانًا، وذلك قوله: (تعدو المنيّة)، فشبّهه في فجاءته وفي سرعة حلوله بالأسَد حين يعدو على فريسته وينقضّ في إثرها. ومعلومٌ لمن شاهد ذلك منه أنه يكون في غاية الفجاءة وسرعة الوثبة وعن تمام الاستخفاء وشدّة المخاتلة. ومن ذلك قول الفِند الزِّمّاني، في إحدى الروايتين: 
مشَينا مِشية الليثِ ** عدا واللّيثُ غضبانُ 
وأنكرها المرزوقيّ، وآثر عليها رواية (غدا). وفي ذلك نظر. 
وقولُ عبد يغوث الحارثي: 
وقد علمتْ عِرسي مُليكة أنني ** أنا الليثُ معديًّا عليه وعاديا 
وإنما أراد الشاعر من وراء ذلك حثَّ صاحبه على تلافي الأمر وعلى المبادرة إلى الصلح محاذرةً من أن يثِب الموت عليهما مغترَّينِ فيخطَفَ أحدَهما. 
ورُوي (تغدو المنيّة). والرواية الأولَى أشعر وأجود خلافًا للنمَريّ.  
ومنه براعة الإيجاز، فإنه استطاع أن يطوي في هذا البيت كلا الاحتمالين اللذين ذكرتُ، وذلك في قوله: (ما أدري على أيّنا تعدو المنية أولُ). وقد أغنته هذه اللمحة المقتضَبة عن الإسهاب في بيانهما إذ أمكنه أن يدلّ عليهما باللزوم. وفي هذا من حُسن الخطاب وتمام الرِّفق ومن حسم دواعي المنازعة والمجاذبة ما لا يخفَى. 
2- وإنّيْ أخوكَ الدّائمُ العهدِ لم أَحُلْ ** إنَ ابزاكَ خصمٌ أو نَبا بكَ مَنزِلُ 
- التفسير: 
أ- اللفظ: لم أحُلْ: لم أتحوّل أو أتغيّر، من (حال يحول حَولًا وحُئولًا). إنَ ابزَاكَ: أصله (إنْ أبزاك) فحُذفت همزة (أبزاك) ونقِلت حركتها إلى النون الساكنة قبلها. وهي لغة بعض الحجازيين. وأبزاك: أثقلك وأعياكَ. والظاهر أنه مشتقّ من بزِيَ الرجلُ يبزَى، فهو أبزَى: إذا تقدَّم صدرُه وتأخّر ظهره ودخلَ. وهو ضدُّ الأحدب، فكأن معنى (أبزاك) جعلكَ أبزَى بإثقال ظهرك بالتكاليف والمطالب، على تشبيهها بالمحسوس الذي يُحمل على الظهر. وهي قريبة من معنى (آده يئوده). وهذا أصحّ من تفسيره بـ(غلبك وقهرك). ومنه قول الفرزدق: 
إن كان أنفُكَ قد أبزاكَ محملُه ** فاركبْ أتانَكَ ثم اخطُبْ إلى زِيقِ 
نبا بك: إذا جعلك تنبو. والذي أراه أن الباء هنا بمعنى التعدية، فهي بمعنى (أنباك) كما قالوا: (ذهب به وأذهبه). ونبوّ المرء عن منزله هو أن يمتنع عليه القرار والاطمئنان فيه لأذًى أو همّ. 
ب- التركيب: يقول: أنا صاحبك الذي تعرف، لم أتغيّر عن ما عهدتَّني عليه من الغوث والنجدة متى ما أثقلك خصم أو أقلقك منزل. 
- التأويل: لما فرغ من تحذير صاحبه فجاءةَ الموت وتفريقَه بينهما، وبَعَثَه بالإيماء الرفيق على تذكُّر حسن صنيعه معه وصدقِ ولائه له رأى أن السبيل قد تمهَّدت له ليصرِّح بما أومأ إليه، فذكّر صاحبه بأنه أخوه الثابت الإخاء، الدائم المودّة، الحاضر النّجدة، وأنه لا يزال على ما عهِده عليه لم يتغيَّر، وأنه إن احتاج إليه في أوقات الشدّة وجده سريعًا إلى معونته منحازًا إلى صفِّه قائمًا بنصرته، وذلك إذا أعياه خصمه وثقُل عليه أو لم يطمئن به منزله من ما يجده فيه من الأذى والإهانة. ونظير ذلك قول لبيد في معلقته: 
ترّاكُ أمكنةٍ إذا لم أرضَها ** أو يَعتلقْ بعضَ النفوسِ حِمامُها 
وقولُ امرئ القيس: 
وإذا أَذِيتُ ببلدةٍ فارقتُها ** ولا أقيمُ بغير دار مُقامِ 
وقول عبد قيس البُرجميّ: 
واتركْ محلَّ السّوءِ لا تحلُلْ به ** وإذا نبا بك منزلٌ فتحوَّلِ 
- النقد: أحسن الشاعر في إيثاره التعريفَ حيث قال: (أخوك الدائم العهد)، ولم يقل: (أخٌ لك دائم العهد)، فكأنه يقول: إن يكن لك أخٌ دائم العهد معروف بذلك فأنا الأخ الدائم العهد. ولست أخًا منكورًا من جملة الإخوان وحسبُ. وأحسنَ أيضًا في تعبيره عن الوفاء بدوام العهد ثم في توكيده لذلك بقوله: (لم أحُلْ) مع أن دوام العهد مقتضٍ له ومغنٍ عنه، إذ أراد لِيقول لصاحبه: إن حُلتَ أنت عن العهد فقطعتني وتغيّرت عليّ أو توهّمت أني تغيّرت فأنا لم أحُلْ ولم أتغيّر. وهذا من التوكيد البليغ الموافق لموضعه. 
والرواية المعروفة (إنَ ابزاكَ خصمٌ). وروَى بعض العلماء (إنَ ابزاكَ خطبٌ). وأراها أصحّ وأسَدّ لأن الذي يُثقِل ظهرَ المرء ويُعييه هو الخطبُ، أي المصيبة أو المشكلة، وليس الخصم، إذ الخصم إنما يوصف بالمحاربة أو الإيذاء. على أنّ الكريم يأنَف أن يقول له قائل: (إن غلبك خصمك أو أعياك فأنا أنجدك)، ويأبَى أن يُنسب إلى ذلك أو يقِرَّ به لأن هذه صفة الأذلّة المستضعفين. هذا مع أن في انتحال هذا القائلِ النجدةَ والمعونةَ وادعائه أنه هو المخلّص له والمفرّج عنه إنزالًا لنفسه منزلةَ القويّ وإنزالًا لصاحبه منزلةَ المستضعَف الذليل. وهذا خطَل من القول، ونقضٌ للغرض من الأبيات، فبعيدٌ أن يكون هو ما قاله هذا الشاعر. 
3- أحاربُ مَن حاربتَ من ذي عداوةٍ ** وَّأحبِسُ ماليْ إن غَرِمتَ فأَعقِلُ 
- التفسير: 
أ- اللفظ: مالي: المالُ هنا الإبل. وكذلك هو معناه إذا أُطلق في كلام العرب. غرِمتَ: الغُرم ما يلزم المرءَ سدادُه من دين ونحوِه في غير جناية. أعقِل: أدفع العَقْل عنك، وهو الغرامة. 
ب- التركيب: يقول لصاحبه: أحاربُ من تحاربه من أعدائك. وإذا أصابتك غرامة منعت إبلي أن تخرج للمرعى وقضيتُ بها غرامتك. 
- التأويل: لما بيّن في البيت السابق صدق إخائه لصاحبه وصحّةَ وفائه وقيامَه بنجدته في أوقات الشدّة فسّرَ ذلك في هذا البيت فذكَر أنه يبذل له أنفس ما يُبذَل، وهو النفس والمال، فأما نفسُه فإنه يجود بها للمناضلة عنه والقتال معه. وأما مالُه فإنه يهُون عليه أن يؤديَه عن صاحبه متى أثقله المغرَم وطولِب بالأداء. 
- النقد: أحسن الشاعر في قوله: (أحارب من حاربت) إذ جعل نفسه تابعًا لصاحبه وجعل إرادته منقادة لإرادته، وجعل صاحبه هو المبتدئ للحرب المقتدحَ لزَندها، فهو له كما قال المتنخِّل الهذلي: 
إذا سدتَّه سدتَّ مِطواعةً ** ومهما وكلتَ إليه كفاهُ 
وهذا من ما يَزيدك شكًّا في الرواية السابقة (إنَ ابزاك خصم) لأنها تصوِّره بصورة البطل القويّ المخلِّص وتصوِّر صاحبه رجلًا ضعيفًا مقهورًا. وقولُه: (من ذي عداوة) ليس بالجيّد لأنه إن يكن صاحبه لا يُحارِب إلا ذا العداوة فهو حشو لا طائل منه. وإن كان قد يحارب غيرَ ذي العداوة فهو اشتراطٌ غير مستحسَن لأن غاية النصرة في مذهب الشعراء ممالأةُ الصديق لصديقه وإنجادُه والانضواء إلى صفّه من غير شرط ولا تردّد ولا سؤال. وعلى ذلك قول الحماسيّ: 
لا يسألون أخاهم حين يَندبُهم ** في النائبات على ما قال برهانا 
وقول الحماسي الآخر: 
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهمُ: ** لأيّة حربٍ أم بأيّ مكانِ؟ 
وهم يذكرون مثل ذلك في خِصال الكرم. ومنه قول الشاعر: 
لا ينكتُون الأرض عند سؤالهم ** لتطلّبِ العِلّات بالعِيدانِ 
وأسلَم من بيت معْنٍ وأحسنُ إيجازًا قولُ الحماسيّ الآخر: 
أخوكَ أخوكَ من يدنو وترجو ** مودّتَه وإن دُعيَ استجابا 
إذا حاربتَ حاربَ من تعادي ** وزاد سلاحُه منك اقترابا
إذ وضعَ (تعادي) موضع (تحارب) وبرَأ من التَّكرار والحشو. 
وقوله: (أحبس مالي) تخيُّر بارع للّفظ، إذ كان يمكنه أن يقول: (وأحبس المال) أو (مالًا)، ولكنه أضاف المال إلى نفسه بياء المتكلّم إمعانًا في الدلالة على تمام الإيثار، فهو يؤثر التفريج عن صاحبه من ماله الخاصّ. ثم لم يقل: (مالًا لي) أو (مِن مالي)، بل قال: (مالي)، فهو (ماله) كلُّه. وفي قوله: (وأحبس) تصوير بديع، إذ لم يقل: (وأدفع مالي عنك) لأنه أراد أن يكشف عن مقدار تقديمه لحظّ صاحبه على حظّ نفسه، فهو يمنع إبله أن تخرج للمرعى مع ما في هذا من فوات التمتّع بجمالهنّ وبهاء منظرهن الذي ذكره الله تعالى في قوله: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} [سورة النحل:6]، ومِن مغالبة المحبّة لهن والطمَع في نمائهن الذي جاء في قوله: {زُيّن للناس حب الشهوات} حتى قال: {والأنعام} [سورة آل عمران:14]، وتسمحُ نفسه عوضًا من ذلك بأدائهن عن صاحبه ابتغاءَ التنفيس عن كربه والقضاءِ لذمامه!
4- ستَقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتَني ** يمينَكَ، فانظرْ أيَّ كَفٍّ تَبَدَّلُ!
- التفسير: 
أ- اللفظ: تَبَدَّلُ: مضارع (تبَّدلَ). وأصله (تَتبدَّلُ)، فحُذفت إحدى التاءين جوازًا. وذلك كثير في القرآن وفي كلام الفصحاء نحو قوله تعالى: {نارًا تلظّى} [سورة الليل:14] أي: تتلظَّى، وقوله: {ولا أن تَبَدّل بهن من أزواج} [سورة الأحزاب:52] أي: تتبدّل. ولا تُستعمَل في الفصحى المعاصرة، ولكنها مستعمَلة في العامّيّة! 
ب- التركيب: يقول لصاحبه: إنك إن قطعتني في هذه الدنيا فكأنما قطعت يمينك، فانظر هل تجد من كفٍّ تحلّ محلّها وتغني غَناءها! 
- التأويل: لما صدّر أبياته بتذكير صاحبه بتفريق الموت بينهما واستفتح خطابه بالإيماء والكناية ثم تحوَّل بعد ذلك إلى التصريح والإبانة فعَدَّ عليه آيات إخائه وعرّفه صدقَ مودّته في الماضي والمستقبَل تجاسر قليلًا على الإيغال في التصريح بعد أن ألقَى إليه ما هو حقيق أن يستميل به قلبه وبعد أن اطمأنّ إلى نَفاق ذلك عليه وتأثّره به، فأدلّ عليه بعض الإدلال فحذّره عاقبة فراقه إياه في حياتهما كما حذَّره في البيت الأول عاقبةَ فراقه بعد موت أحدهما. وقوله: (إذا ما قطعتَني) يُراد به (إن استمررتَ على قطيعتي) لأنه قد كان قطعَه، فهو نظير قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [سورة الفاتحة:6]، يقول لصاحبه: إن استمررت على قطيعتي كنتَ كما لو قطعت كفّك اليمنى، لأن الكفّ أداة العمل ومحلّ التصرّف. وجعلَها اليمنى لأنها أشرفُ وأكثر نفعًا. ومن ذلك قول ابن الدمينة:
أبِيني أفي يُمنَى يديكِ جعلتِني ** فأفرحَ أم صيّرتِني في شِمالكِ([6])
فجعل اليمنى دليل الرفعة، والشِّمالَ دليل الضّعة. 
وقولُ الآخر: 
فأنت امرؤ كلتا يديكَ مفيدةٌ ** شِمالُك خيرٌ من يمين سِواكا
ثم سأله أن يفتِّش وينظر أيجد صديقًا يقوم مقامه ويغني عنه؟ وقد علم أنه لن يجد. 
- النقد: جمعَ الشاعر في هذا البيت إلى تحذير صاحبه الندمَ على صرمه بعد الموت تحذيرَه الندمَ على ذلك قبل الموت أيضًا، فسدّ عليه المخارجَ ولم يدع له متنفَّسًا يلوذ به ويُخلد إليه. وهذا بيانٌ عالٍ. وقد اختار الشاعر لفظَ (قطعتني)، ولم يقل: (هجرتني) أو (صرمتني) ليستوفيَ تشبيه الهجر بقطع اليمين، فكأنه يقول: (قطعك لي هو قطع ليمينك)، فانظر كيف تأتّى له أن يجمع بين اللفظين مع أن القطع الأول بمعنى الهجر، والقطع الثاني بمعنى البتر الحسِّي، ثم انظر كيف سخّر ذلك في إحكام التشبيه وعقد المشاكلة. ولو قال: (إذا ما هجرتنَي) لسقط شطرُ الحسن من هذا البيت. ومن محاسنه أيضًا اختياره لفظَ (يمين) دون (كفّ) لما ذكرتُ لك آنفًا من فضيلة اليمنَى وكثرة منافعها. ثم قال: (فانظر أيّ كفٍّ تبدّل) بصيغة الأمر فالاستفهامِ، فأمر صاحبه أن ينظر: هل من كفٍّ يستطيع أن يتبدَّلها بيمينه؟ وقد أيقن أن صاحبه لن يستطيع ذلك، ولكنه أحبَّ أن يكون هو المجيب عن ذلك وبعد النظر والبحث ليكون ذلك أدعى لتسليمه وإذعانه، وأنفَى لمكابرته.
5- وفي النّاسِ إن رَّثّتْ حِبالُكَ واصلٌ ** وَّفي الأرضِ عن دارِ القِلَى مُتحوَّلُ
- التفسير: 
أ- اللفظ: رثَّت: قدُمت فبلِيت وضعُفت. القِلى: البغض. ومنه {ما ودعك ربك وما قلى} [سورة الضحى:3]. مُتحوَّل: اسم مكان من (تحوَّلَ)، أي مكان يُتحوَّل ويُنتقَل إليه. 
ب- التركيب: يقول: إن ضعُف وصلك أو انقطع ففي الناس أبدالٌ منك. وإن ضاق عليّ المُقام بأرضك التي أجدُ فيها البغض والأذى انتقلت عنها إلى أرض غيرِها. 
- التأويل: كأن الشاعر حين عرَّف صاحبَه مقدارَ ما سيلحقه من الخُسْر بتفريطه في حقّه وتجافيه عن صلته توهّمَ أن صاحبه قد يقول في نفسه: (وأنت أيضًا يا معنُ سيلحقُك من ذلك ما يلحقني) فعطفَ عليه بهذا البيت فقال: أنت أشدُّنا خُسرًا لما جرّبتَه من موالاتي لك ومسارعتي إلى نصرتك. وأما أنا فإني وإن كرهتُ القطيعة وأحببت استئناف المودّة ومراجعة الصِّلة فلا تظنّنّ إن أبيتَ إلا قطيعتي أني لن أجد أخًا أعتاضه منك أو أصيبَ أرضًا تحملُني عنك. 
- النقد: قدَّم الشاعر في هذا البيت لفظَي (الناس) و(الأرض) ليوكّد معنى الاستغناء عن صاحبه إن أصرّ على الهجر والقطيعة. 
6- إذا أنتَ لم تُنصِفْ أخاكَ وجدتَّهُ ** على طَرَفِ الهِجرانِ إن كانَ يَعقِلُ([7])
- التفسير: 
- التركيب: يقول: إن لم ينصف المرء أخاه من نفسه ولم يقض حقوقه عليه فإنه لن يلبث أن يراه مائلًا إلى هجره ومختارًا لمفارقته على صحبته إن كان له عقل يحجزه عن الإقامة على الذلّ والرّضا بالظلم. 
- التأويل: بدأ الشاعر أبياته مترفّقًا بمخاطبة صاحبه حتى إذا ألقَى إليه ما تنهض به الحجّة عليه من تذكيره بأدلّة صدقه وآيات مودّته وتعريفه عظَمَ غَنائه لدَيه وشدّةَ حاجته إليه، هاجَه ذلك على الأنفة لنفسه أن تحمله المعاتبة والاستعطاف على إذلالها والإزراء بها فجنح إلى التعزُّز والتأبّي وإظهار الاستغناء وإلى الإمعان في التحذير فأخبر صاحبه أنه إن أقام على جفائه له وقلّة إنصافه معه فسيجده مُشفيًا على الهِجران صائرًا إليه، وذكرَ له أن هذا هو مقتضَى العقل. وإنما قال: (على طرَف الهِجران) ولم يقل: (على الهجران) أو (هاجرًا لك) ليبيِّن له أنه لا يزال مواصلًا له وأنه لمّا يهجره مع قلّة إنصافه له، وليدلَّه بذلك أيضًا على إمكان تدارك الأمر ومعاودة سالف الإخاء. 
- النقد: من محاسن هذا البيت أن الشاعر جعل الخطاب عامًّا فقال: (إذا أنت لم تنصف أخاك) ولم يقل: (إذا أنت لم تنصفني). و(أنت) هنا ليست خطابًا لمعيَّن في ما أرى، بل هي مثل (أنت) في مثل قول امرئ القيس في معلّقته، في إحدى الروايتين:
وأنت إذا استدبرتَه سدَّ فرجَه ** بضافٍ فُويق الأرضِ ليس بأعزلِ
يريد معنى (ومَن استدبرَه). ومنه أيضًا قوله تعالى: {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين} [سورة الكهف:17]، أي (ومن يرى الشمس حين إذٍ يراها تَزَاورُ). وإنما اختار الشاعر هذا الأسلوب ليجعل القضية عامّة والحكم شاملًا له ولغيره، وذلك كي يبرّئ نفسه من تُهمة الجنَف والتحيّز وليكون أدعى للرضا والقبول. ثم ذيّله بقوله: (إن كان يعقل) ليبيِّن سبب الإشراف على الهجران، وهو أن ذلك من ما يوجبه العقل من لزوم خصال الأنفة ومنابذة دواعي المذلّة والمهانة. وفي ذكره لهذه العلّة حسنُ تتميم للعذر. 
7- ويَركبُ حَدَّ السَّيفِ مِن أن تَضيمَهُ ** إذا لم يكن عن شَفرةِ السَّيفِ مَزحَلُ([8])
- التفسير: 
أ- اللفظ: تَضيمه: تظلمه. مَزحَل: اسم مكان من (زحَل يزحَل) إذا تنحّى وتباعد. ويقال: (زحَل له عن موضعه) إذا فسحَ. مِن أن تضيمه: معنى (مِن) هنا البدل، أي (بدلَ أن تضيمه). ومنه قوله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [سورة التوبة:38]. 
ب- التركيب: يقول: وإنّ المرء العاقل أيضًا ليحمله إباءُ الظلم وكراهيةُ الإقامة عليه على أن يفرّ منه وإن أفضى به ذلك إلى احتمال المشاقّ الممضّة التي في ركوبها من الإيلام والإضجار وامتناعِ الاطمئنان مثلُ ما في ركوب حدّ السيف إن هو لم يجد بدًّا من ذلك يَزحَل إليه. 
- التأويل: كأنّ الشاعر أجاب عن اعتراض خشي أن يَحيك في صدر صاحبه، وهو أن يقول صاحبُه: ولكنك إن اعتضتَ منّي صاحبًا غيري ومن أرضي أرضًا أخرى فإنك واجدٌ من مرارة فقدي مثلَ ما حذّرتَني من مرارة فقدك، فلستَ بأهوننا خسارة ولا أيسرنا ألمًا. فأجاب الشاعر عن ذلك بأن فصَل بين الأمرين، فبيَّنَ أنّ أمَرَّ من فقده هو لصاحبه بقاؤُه محتملًا للضَّيم، وأنه متى تبدَّل به غيرَه استحالت هذه المرارة حلاوةً عنده لأنها نقلتْه من مرارةٍ أشدّ منها. وأما هو - أي صاحبُه – فليس أمره كذلك لأنه لم يَلحقه ظلمٌ ولا ناله ضيمٌ من جهته. 
- النقد: من محاسن هذا البيت أنه شبَّه ما يلقاه المرء من احتمال الظلم براكبٍ حدَّ السيف، وذلك أنه لا يطمئنّ البتةَ ولا يقِرّ له قرارٌ، فهو لا يزال يتأذّى ويتململ ويتجافى. وهذا تشبيه بديع. ومنها أنه لما أعاد ذكر (الحدّ) عبّر عنه بـ(الشفرة) لأنهما وإن كانا مترادفين ففي كلّ واحد منهما من الظِّلال والوحْي ما ليس في الآخر، ففي عرضهما على خاطر المخاطب زيادةٌ في توكيد المعنى ومعونةٌ على استحضار صورة اللفظ. على أن في ذلك أيضًا تطرية للسمع ونفيًا للملالة وإتحافًا للمخاطَب. وذلك كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب، منه قوله تعالى: {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} [سورة المؤمنون:68]، و(جاء) بمعنى (أتى)، وقولُه: {أم تسألهم خرجًا فخراج ربك} [سورة المؤمنون:72] و(الخرج) هو (الخراج). ومنه قول طرفة في معلقته:
فما لي أراني وابنَ عمّيَ مالكًا ** متى أدنُ منه ينْءَ عني ويبعُدِ
و(النأي) هو (البعد). وقولُ عَديّ بن زيد، في إحدى الروايتين: 
وقدّمتِ الأديمَ لراهشَيهِ ** وألفَى قولَها كذبًا ومَينا
و(الكذب) هو (المين).
8- إذا انصرفتْ نفسي عن الشّيءِ لم تَكَدْ ** إليهِ بوجهٍ آخرَ الدّهرِ تُقبِلُ
- التفسير: 
- التركيب: (إليه بوجهٍ آخر الدهر تُقبل). قوله: (بوجه) متعلّق بـ(تُقبل)، أي: تقبل إليه بوجهٍ آخرَ الدهر. 
يقول: إذا عافت نفسي الشيءَ وأدبرت عنه فإنها لا تكاد تُقبل إليه بوجهها أبدًا مرّة أخرى. 
- التأويل: انتهَى الشاعر في هذا البيت إلى الغاية في تخويف صاحبه عاقبةَ إجحافه به وهضيمتِه له وبخسِه لحقِّه. وكأنه أحسّ أن صاحبه قد يستهين بما ذكره آنفًا من تحذيره لأنه ربما توهَّم أنه وإن صار إلى هِجرانه ومباعدته فإنه لا ينشَب أن يرجع إليه ولو بعد حين، فسدّ على صاحبه هذا المنفذ وأغلق عليه باب التعلُّل به فقال له: ولا تتوهَّمْ أني إن هجرتك لسوء صنيعك معي فإني سأعاود وصلَك يومًا، فإن طباعي تأبَى ذلك. واعلمْ أني لست سريعًا إلى القطيعة، ولكن متى اضطُررت إليها وحُمِلتُ عليها انصرفت نفسي عن الشيء وزهدتْ فيه، ومتى وقع ذلك منها فإنها لا تُقبل عليه بوجهها آخر الدهر ومنتهى أمد الحياة. 
- النقد: أجاد الشاعر في نسبته الانصرافَ إلى نفسه فقال: (إذا انصرفت نفسي) ولم يقل: (إذا انصرفتُ)، كأن ذلك أمر خارج عن سُلطان يده، فليس له إلا الطاعة والاتّباع. وهذا على حدّ قولهم: (لا تطاوعني نفسي). ومثلُه بيتُ اللاميّة المنسوبة إلى الشنفرَى:
ولكنّ نفسًا حُرّةً لا تقيمُ بي ** على الضّيمِ إلا ريثما أتحوَّلُ
فنسب إباء الضيم إلى نفسه. 
ثم قال: (عن الشيء) ولم يقل: (عنك) ليكون أبعدَ من التحيّز وأحظى بالقَبول إذ لم يخصُّه بهذا الأمر ولا قصرَه عليه، بل هو عامٌّ فيه وفي غيره، وليكون أيضًا أدلّ على اللزوم والثبات لجريانه في الجميع، فهو بمنزلة العادة الماضية والطبع الراسخ الذي لا يتغيّر ولا يزول.

* بلاغة الأبيات: 
جمع الشاعر في هذه الأبيات المعدودة ألوانًا شتى من الخطاب، وتصرَّف في معانيها بوجوهٍ من التصرُّف، فقد بدأها بالإيماء الليِّن الموادع، ولم يزل يتدرّج حتى ختمها بالتصريح الجريء الصادع، وجمع فيها بين الإيجاز والإطناب، وبين الترهيب والترغيب، وبين الإطماع والإيئاس، وبين التعميم والتخصيص، ووفَّى المعنى حقّه، وقرَن إلى كل شيءٍ لِفقه، فخوّف صاحبَه عاقبة الهجر بعد موت أحدهما، وعاقبةَ الهجر في حياتهما، وعرَّف صاحبه حاجته إليه، ثم أحسن التنصُّل من لزوم حاجته إلى صاحبه، وأحكم عَقد الحجج، وسدّ مخارج الاعتذار، وفرَّق بين المختلفات، وأنزلَ التصوير في موضعه، واستعان بالتقديم والتأخير في محلّه، وتقلّبَ بين الإخبار والأمر والاستفهام للتوصل إلى غرضه، وألطفَ التفهُّم أيضًا لما قد يعتلج في صدر صاحبه، ثم أجاب عن هذا كلِّه بأوضح عبارة وأعذب بيان.

___________________
([1]) كتبتُ شرحَ هذه القصيدة استجابةً لطلب أخي الشيخ سليمان العبودي من أجل نشرها في قناة (مختارات شعرية للحفظ) على هذا الرابط: https://t.me/poetry_sn.
([2]) هو معْن بن أوس المُزَنيّ، شاعرٌ مجيد فحل من مخضرمي الجاهلية والإسلام. له مدائح في بعض الصحابة. كان معاوية يفضّله ويقول: (أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى. وأشعر أهل الإسلام ابنه كعب ومعن بن أوس). رحلَ إلى الشام والبصرة. وكُفّ بصرُه في أواخر أيامه. مات في المدينة عام 64هـ. وهذه الأبيات من مختار أبي تمام في «ديوان الحماسة» والبصريِّ في «الحماسة البصرية».
([3]) المراد به بيانُ ظاهر المعنى بشرح دلائل منطوقه إفرادًا وتركيبًا، أي بيانُ معنى ما قاله الشاعر باللفظ.
([4]) المراد به بيانُ باطن المعنى أو معنى المعنى أو ظلالِ المعنى، فهو تغلغلٌ إلى تعرُّف ما يريد الشاعر أن يقوله من ما لم يصوِّره لفظه. وتأويل اللفظ في اللغة: تفسير ما يئول إليه معناه.
([5]) المراد به ذكرُ محاسن البيت ومساويه، وغُررِه وعُرَرِه. وكذلك أصلُ معنى (النقد) في اللغة. ولفظَا (الغُرر) و(العُرر) في استعمال المتقدّمين قريبان من لفظَي (الإيجابيات) و(السلبيات) في كلام المحدَثين. وانظر «البيان والتبيين 2/ 22».
([6]) (الشِّمال) للجهة المعروفة بكسر الشين. وفتحُها خطأ شائع. أما إذا أريد بها الرِّيح فإنها بالفتح (شَمال).
([7]) (الهِجران) بكسر الهاء. وضمُّها خطأ شائع.
([8]) تَضيمه: بفتح التاء من (ضامَه ضَيمًا). ولا يجوز ضمّها.

الخميس، 27 يوليو 2017

مواضع من معلقة امرئ القيس يكثر خطأ الناس فيها

في رواية الشعر والأدب
نُشر في تويتر في 8/ 11/ 1433هـ وملتقى أهل اللغة في 9/ 11/ 1433هـ.
1- (بسقط اللّوى بين الدَّخول فحومل). (الدَّخول) بفتح الدال لا بضمها. وهو موضع.
2- (وإن شفائي عبرة مُهَراقةٌ). (مُهَراقة) بفتح الهاء هنا وجوبًا لأن لّا يختلّ الوزن. وإسكانها في غير هذا الموضع لغة. 
3- (حتى بلّ دمعيَ مِحْمَلي). (مِحْملي) بكسر الميم. على بناء اسم الآلة. 
4- (فجئت وقد نضَت لنومٍ ثيابَها). (نضَت) بتخفيف الضاد لا بتشديدها، أي: خلَعت وألقَت. وهي الثابتة عن المتقدمين الثقات. وذكر أبو العلاء في "رسالة الغفران" أن من المعلمين من ينشدها بالتشديد، ولكنه لم ينسبه إلى عالم، وضعّفَه.
5- (وما إن أرى عنك الغَواية تنجلي). (الغَواية) بفتح الغين. 
6- (ومن يحترث حرثي وحرثكَ يُهزَل). (يُهزَل) بضم الياء وفتح الزاي على صيغة المبني للمجهول. والصحيح أن هذا البيت والثلاثة التي قبله لتأبط شرًّا. 
7- (كما زلّت الصفواء بالمتنزِّل). (المتنزِّل) بكسر الزاي المشددة. وهو مضبوط في كثير من الكتب بفتحها. ولم أجد له وجهًا من السماع أو القياس. 
8- (دراكًا ولم يَنضَِح بماء فيُغسَل). (يَنضَِح) بفتح الياء لا بضمها، أي: يعرق، ذكر هذا ابن قتيبة في "المعاني الكبير" مرويًّا عن شيخه أبي حاتم عن الأصمعي. ويجوز في الضاد الكسر والفتح، نصّ على ذلك أبو بكر البطليوسي في "شرح الأشعار الستة". ولم أر من احتجّ بهذا النقل الصريح.
9- (وأيسرُه على السِّتَار فيذبُل). (السِّتَار) بتخفيف التاء لا بالتشديد. 
10- (من السيل والغُثاء فَلْكة مغزَل). (فَلْكة) بفتح الفاء. ويجوز الكسر. ولا تُضَمّ.

الأربعاء، 14 يونيو 2017

تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة

في رواية الشعر والأدب
نُشر أصله في المجلة الثقافية في 9/ 7/ 1430هـ، و16/ 7/ 1430هـ. ونُشر ملحقه في بعض المنتديات.
كنتُ قرأتُ المقالين اللذين صَدَّر بهما الشيخُ أحمدُ شاكر كتاب "الشعر والشعراءِ" لابن قتيبةَ . وهما مقالانِ كتبَهما السيد صقر ينتقدُ بهما تحقيقَه . فرأيتُه أنكرَ بعضَ الرِّواياتِ الصحيحةِ الثابتة، فأحببت أن أبين ما عرفتُه منها في هذه المقالة دالًّا على مواضعها من كتب العلماء.
1- قال السيد صقر (1 / 10):
(وقال الآخر:
أرأيت إن بكرت بليلٍ هامتي ** وخرجت منها باليًا أثوابي
...
وهو خطأ، والصواب:
... ** وخرجت منها عاريًا أثوابي
... لأن الإنسان لا يخرج من الدنيا باليَ الأثواب، بل يخرج منها عاريًا).
قلتُ :
هذا ليس خطئًا كما ذكرَ، فقد رواها كذلك أبو عليّ القالي (ت356) في "أماليه 2 / 279" . ويمكنُ أن يخرَّج على وجهينِ ذكرَهما أبو عبيد البكريُّ (ت487) في "اللآلي 2 / 922":
أحدُهما: أن الأكفانَ لا تكون إلا من ما بلِيَ عادةً.
الآخر: أن يكون هذا مجازًا مرسَلاً عَلاقتُه المستقبليَّةُ، أرادَ أنَّ مصيرَها للبِلى كما قالَ تعالى: ((إني أراني أعصر خمرًا)) وكما يقال: قتلتُ القتيلَ. و يشهدُ لهذه الروايةِ قولُ النابغة الجعدي:
أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي ** وخرجت منها باليًا أوصالي
وهو شاهدٌ للسماعِ لأنه اهتدمَ هذا البيتَ لم يغيِّر فيه إلا الكلمة الأخيرة، وشاهدٌ للقياسِ لأن المرء لا تبلَى أوصالُه حالَ خروجه من الدنيا، وإنما تبلَى بعد ذلك.
2- قالَ السيد صقر (1 / 13):
(كقول العباس بن مرداس السلمي:
وما كان بدرٌ ولا حابسٌ ** يفوقان مرداسَ في مجمعِ
وكذلك وردَ مرةً أخرَى ...، وهو خطأ. والصواب: (وما كان حصنٌ ولا حابسٌ) [ثم أخذ يعدِّد المصادر التي فيها هذه الرواية]).
قلت :
ما خطَّأه ليس بخطأ، فقد رواهُ كذلكَ ابنُ سعدٍ (ت230) في "طبقاتِه 4 / 272" ومسلمٌ (ت261) في" صحيحه، رقم 1060" . وهو في "العقد الفريد 5 / 357" لابن عبد ربه (ت328) عن أبي حاتمٍ السجستانيّ.
وله وجهٌ من النظرِ، فإن عيينةَ هو ابن حصن بن حذيفة بن بدرٍ، فـ(بدرٌ) جدُّه وإن كنت أرى أن الأرجحَ روايةُ (حصن) حتى يقابِلَ (حابسًا) و(مرداسًا) لأنهما أبوان وليسا جدَّينِ، ولكن لا يجوز أن تُقدَّم روايةُ نسخةٍ على أخرَى إذا كانت الأولَى أوثقَ عند المحقِّق وكانتِ الرِّوايةُ التي فيها محتملةً مقبولةً. وللمحقِّق أن يعلِّق في الحاشية بما يشاءُ.
3- قال السيد صقر (1 / 14):
(وقدَّمتِ الأديمَ لراهشَيهِ ** وألفى قولها كذبًا ومينا
هكذا جاء في الطبعتين: (وقدَّمتِ الأديمَ). وهو خطأ، والصواب: (وقدَّدتِ) ).
قلتُ :
هذه الرّواية ليست خطئًا، فهي رواية أبي زكرياءَ الفراء (ت207) في "معاني القرآن 1 / 37" وأبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى (ت 210) في "الديباج 112" وابنِ سلامٍ الجمَحيِّ (ت231) في "طبقات فحول الشعراء 1 / 76". ونقلَ كلامَه أبو عبيد الله المرزبانيُّ (ت384) في "الموشح 155" بهذه الرواية. وهي أيضًا روايةُ أبي بكرٍ الأنباريِّ (ت328) في "الزاهر في معاني كلام الناسِ 1 / 157" وقدامةَ بنِ جعفر (ت337) في "نقد الشعر 182" والجوهريِّ (ت393) في "الصحاح 7 / 60" والشريفِ المرتضى (ت436) في "أماليه 2 / 258"  والزمخشريِّ (ت538) في "المستقصى في أمثال العرب 1 / 243" وغيرِهم.
وهذا البيتُ لعَديِّ بن زيد العِباديِّ يصِف فيه خبرَ جَذيمةَ الأبرشِ مع الزبَّاء عندما دعته إليها وأوهمتْه أنها ستتزوجُه وتَدينُ له، فلما جاءَ غدرت به وقدَّمت الأديمَ (وهو الجلد المدبوغ) فجعلته تحت ذراعيه حتى لا يسيلَ الدمُ ثم قطعت راهشَيْهِ (وهما عرقان في باطن الذراعِ تراهما ظاهرينِ) حتى ماتَ.
بل إنَّ رِواية (قدَّمت) أبلغُ من (قدَّدت)، فهي تصوِّر جَذيمةَ وهو قادِمٌ إلى الزبَّاءِ يطمعُ أن تقدِّم له نفسَها ومُلكَها كما وعدته، فإذا هي تقدِّمُ له الأديمَ لتقتلَه . وهذه مفارقةٌ بلاغيَّةٌ بديعيَّةٌ تعملُ على إبراز مفاصلِ الحدثِ ومواضعِ العجَب منه بأجلَى صورةٍ، ألا ترى أن ذلك أدلّ على مقدار الخيبة والخُسْر اللذينِ مُنِِي بهما. ونظيرُ هذا اللون من البلاغة قوله تعالى: ((إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً)) وقوله: ((هذا نزلهم يوم الدين)).
4- قال السيد صقر (1 / 27):
(ودكين هو القائل:
...
وإن هو لم يُضْرِعْ عن اللؤمِ نفسَه ** فليس إلى حسن الثناء سبيل
قال الشيخ في شرحه: (أصلُ الضَّرَعِ – بفتح الراء – الذل والتخشع، يقال: ضرع له وإليه: استكان وخشعَ، فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ويغلبها) قلتُ [القائل السيد صقر]: والصواب: إن هو لم يَضرَح عن اللؤم نفسَه. جاء في اللسان ..." الضرح: التنحية. وقد ضرحَه: أي نحَّاه ودفعَه").
قلتُ :
بل الصواب ما ذكرَه الشيخُ شاكر. وأما ما ذكرَه السيد صقر فمردود من ثلاثة أوجهٍ:
الأول: أنَّ لفظَ "الضَّرْح" لا يصلح في هذا الموضعِ لأن معناه عندَ التحقيقِ ليس التنحية كما نقلَ إذ التنحية إبعادُ الأشياء الكبيرة الجِرم برفقٍ، وإنما الضَّرْح إبعادُ الأشياء الصغيرة الجِرم بعنفٍ، فاللفظان يشتركان كما ترى في جنسِ الإبعاد، ولكنهما يفترقانِ في ما وراءَه،  يشهدُ لهذا قولُ الشاعرِ:
فلما أن أتين على أُضاخٍ ** ضرحْنَ حصاه أشتاتًا عِزِينا
وقول الفرزدق:
كأنَّ نَجاء أرجلِهنَّ لمَّا ** ضرحْنَ المروَ يقتدحُ الشَّرارا
وقولُ صاحب "العينِ" – وقد أبانَ -: (والضَّرْح: الرمي بالشيءِ)، فهو إذن بمعنى الرمي أو الطرحِ وليس بمعنى التنحية والدفعِ. والذي في "اللسان" منقولٌ عن "الصحاح" وقد تجوّز صاحب "الصحاح" في تفسير هذا المعنى. ومتى ثبتَ هذا أوجب لنا العلمَ بأنه لا يقال: (ضرح الإنسان نفسَه عن اللؤم) كما لا يقال: (رمَى الإنسان نفسَه عن اللؤم) لا من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز.
الثاني: أنَّا لو صححنا رواية (يضرَح) كما رأى السيد صقر لكان المعنى: إذا المرء لم يجانب اللؤمَ لم يستطع أن ينال ثناء الناس عليه. وهذا معنًى قريبٌ ساذج. وإنما أرادَ الشاعر أنه إذا لم يهِنِ المرء نفسَه ويذلَّها ويصبِّرها عن مقارفة أسباب اللؤمِ لم يجِد له مثنيًا. وهذا معنًى معروفٌ عندَ العربِ، منه قولُ الخنساء:
نهينُ النفوسَ وهونُ النفو ** سِ يومَ الكريهة أبقى لها
وقولُ الآخرِ:
أهينُ لهم نفسي لأكرمَها بهم ** ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وقد أخذ دكينٌ بيتَه من قول عبد الملك الحارثي:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمَها ** فليس إلى حسن الثناء سبيلُ
وضيمُ النفس وإهانتها متقاربان. وفي هذا مرجِّح لرواية (يُضرِع).
الثالث: أنَّ أبا بكر الدينوريّ (ت333) روى هذا البيتَ في "المجالسة وجواهر العلم 4 / 316" برواية (يُضرِع) . ويظاهرُه أيضًا ما رواه ابن قتيبة نفسُه في "عيون الأخبار 3 / 599"، فإنها فيه (يصرع)، فلعله وقعَ في الحرفِ تصحيفٌ من النُسَّاخِ. وإنما كان ظهيرًا للرواية التي صححناها لأنه دال على أن الحرف الأخير لا يخرج عن أن يكون عينًا أو غينًا ولا سيَّما أن التقارب الذي بينَهما أدنى من التقارب بينهما وبين الحاء، على أنه لم يروِ هذا اللفظَ بالحاءِ أحدٌ من العلماء في ما أعلمُ، وإنما هو اجتهاد من السيد صقر رحمه الله.
وتفسير الشيخ شاكر لـ(أضرع) ليس مستقيمًا كلَّ الاستقامة، فإنه ذكر أن (الضَّرع) الاستكانة والخشوع ثم عدل عن هذا في التفسير فقال: (فالمراد هنا إن لم يمنع نفسَه عن اللؤم ويغلبها). والصواب: إن لم يُذِلَّ نفسَه عن اللؤم، أي مباعدًا لها عن اللؤم، كما تقدَّم. ويصدِّق ذلك قول العرب في المثل: (الحمَّى أضرعتني لك) أي  أذلّتني لك.
5- قال السيِّد صقر (1 / 21):
(من شعر هشام أخي ذي الرمة:
حتى إذا أمعروا صفقَي مباءتهم ** وجرَّد الخُطْبُ أثباجَ الجراثيمِ
...
شرحَ الأستاذ [يعني شاكرًا] البيت الأول بقوله: (أمعروا: أكلوا. الصفقتان: الناحيتان. المباءة: منزل القوم حيث يتبوءون. الخُطْب: جمع أخطَب، وهو الحمار تعلوه خضرة). [قال صقر] وهو خطأ لأن الشاعر لم يرِد بالخُطْب الحميرَ، وإنما أراد النوق التي كانت ترعَى...).
قلتُ:
تكلف الأستاذان تفسير معنى (الخُطب) فلم يصنعا شيئًا لأن هذه الكلمة مصحَّفة عن (الحَطْب) بالحاء المهملة، مصدَر (حطَبَ)، فصواب البيت:
* وجرَّد الحَطْبُ أثباجَ الجراثيم *
والأثباج هنا: الأعالي.
والجراثيم: جمع جرثومة، وهي الترابُ يكون أصلاً للشجرة ويكون مرتفعًا عن ما حولَه.
يريد أنهم لما أكلوا ما قِبَلَهم من النبات ورعَوا ما حولَهم من المرعَى وجرَّد الاحتطابُ أصولَ الشجر من الشجر على حينِ إدبار من الربيع وإقبال من الصيفِ ردُّوا الجمالَ فانصرفوا إلى أعدادِهم ومياههم التي كانوا عليها وقد سمِنت جمالُهم كما قال في بيت بعده:
عركركٍ مهجر الضؤبان أوَّمَه ** روضُ القِذاف ربيعًا أيَّ تأويمِ
و(أوَّمَه): سمَّنه.
وكما قال الشماخ:
تربعَ أكنافَ القَنانِ فصارةٍ ** فماوانَ حتى قاظَ وهو زهومُ
أي: سمين.
ويصحِّح بيتَ هشام المتقدِّمَ قولُ ذي الرمَّة أخيه:
به عرصاتُ الحيِّ قوَّبن متنَه ** وجرَّد أثباجَ الجراثيم حاطبُهْ
وهو ثابت على الصواب في "العباب" و"التكملة" و"تاج العروس" ومعدولٌ عنه في "التهذيب" و"اللسان".
وفي هذه القصيدة أخطاءٌ كثيرةٌ من التصحيفِ والتحريفِ ورداءة الشرحِ تركتُ التعرُّض لها لأنها ليست داخلة في حدِّ ما ذكرت.
فهذه بعضُ التعقيبات على بعض نقَداتِ السيد صقر كرهت أن أطويَها، يدفعُني إلى ذلك ما قاله السيد صقر: (وإني على نهجي الذي انتهجتُ منذ أول كتابٍ نشرتُ أدعو النُقَّادَ إلى إظهاري على أوهامي فيها وتبيين ما دقَّ عن فهمي من معانيها أو ندَّ عن نظري من مبانيها وفاءًا بحقِّ العلم عليهم وأداءًا لحقّ النصيحة فيه).
* مُلحق في تفصيل بعض هذه التعقيبات:
1- هل رواية "باليًا أثوابي" خطأ؟
قال السيد صقر (1 / 10):
(وقال الآخر:
أرأيت إن بكرت بليلٍ هامتي ** وخرجت منها باليًا أثوابي
...
وهو خطأ، والصواب:
... ** وخرجت منها عاريًا أثوابي
... لأن الإنسان لا يخرج من الدنيا باليَ الأثواب، بل يخرج منها عاريًا).
فقلت في أصل الموضوع:
هذا ليس خطئًا كما ذكرَ، فقد رواها كذلك أبو عليّ القالي (ت356) في "أماليه 2 / 279" . ويمكنُ أن يخرَّج على وجهينِ ذكرَهما أبو عبيد البكريُّ (ت487) في "اللآلي 2 / 922":
أحدُهما: أن الأكفانَ لا تكون إلا من ما بلِيَ عادةً.
الآخر: أن يكون هذا مجازًا مرسَلاً عَلاقتُه المستقبليَّةُ، أرادَ أنَّ مصيرَها للبِلى كما قالَ تعالى: ((إني أراني أعصر خمرًا)) وكما يقال: قتلتُ القتيلَ. و يشهدُ لهذه الروايةِ قولُ النابغة الجعدي:
أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي ** وخرجت منها باليًا أوصالي
وهو شاهدٌ للسماعِ لأنه اهتدمَ هذا البيتَ لم يغيِّر فيه إلا الكلمة الأخيرة، وشاهدٌ للقياسِ لأن المرء لا تبلَى أوصالُه حالَ خروجه من الدنيا، وإنما تبلَى بعد ذلك.
ولمزيد من البيان أقول:
ليس يجوز أن تُخطّأ رواية ما لافتقارها إلى بعض التأويل أو لاشتمالها على قدر من الغموض. ولو فعلنا ذلك لكان لنا أن نبطلَ كثيرًا من رواياتِ الشعرِ. ولو جازَ هذا وأشباهُه لكانَ لي أن أقول مثلًا:
إن الصوابَ هو رواية (باليًا أثوابي) . وأما رواية (عاريًا أثوابي) فمغيَّرة منها. ودليل ذلك أربعة أمور:
الأول: أنَّها روايةُ أبي عليّ القالي خاتمةِ الحفَّاظ، بل روايةُ شيخِه أبي بكرٍ الأنباريِّ الحافظِ الكبير في "الزاهر 1 / 461". هذا غيرُ ورودِها في "الشعر والشعراء".
الثاني: أنَّ الرّوايةَ الأخرَى روايةَ (عاريًا أثوابي) أولُ مَن رواها – في ما أعلمُ – أبو تمَّام في "الوحشيات 256"، ومعلومٌ عن أبي تمامٍ تغييرُه للرِّواية.
الثالث: أنَّ الأصلَ في الرِّواية وفي كثير من الأشياء أن يُحمَل الغريب منها على المعروف والمغمور على المشهور والخفيُّ على الواضح. و(باليًا أثوابي) أدنَى أن تكونَ هي الأصلَ لخروجِها عن الظاهر ثمَّ غُيِّرت إلى (عاريًا أثوابي) وليس العكس.
الرابع: أنَّ هذا البيتَ إنما هو اهتِدامٌ لبيت النابغة الجعديّ:
أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي ** وخرجت منها باليًا أوصالي
حيث نسخَه ولم يغيِّر فيه إلا الكلمةَ الأخيرةَ. وليس لبيت النابغة إلا هذه الرّوايةُ. وهبْنا غيَّرنا (باليًا أثوابي) فماذا نصنع بهذا البيت؟ أوليست أوصالُ المرء لا تبلَى إلا بعد مدَّة من دفنِه؟
فهل نبطلُه ونخرجه من عِداد الشِّعر؟
وبعدُ،
فهذا كلامٌ أردتّ أن أبيِّن به أنا لو أسلمنا تراثَنا إلى أذواق المحقِّقين واستحساناتِهم لوجدنا من يخطِّئ ما صحَّحَه السيد صقرٌ ويصحِّح ما خطَّأه. وبذلك يصبحُ التراثُ نهبًا للأيدي لأنّ العقولَ تختلِفُ والأذواقَ تتبايَنُ، وكل إنسان بعقلِه واثقٌ وبذوقِه راضٍ معجَبٌ.
2- تحقيق مادة (الضرح).
ذهب ابن فارس إلى أن هذه المادة أصلان . والذي يظهر لي أنها ثلاثة أصولٍ هذا بيانُها:
الأصل الأول:
إبعاد الأشياء الصغيرة الجِرم بعُنف (أي بشيء من الجهد). وإن شئتَ تعريفَها بمرادفها قلتَ: (هي بمعنى الرمي أو الطرح).
ومن صور استعمالها حقيقةً:
1- ضرْحُ الحصَى كما قالَ الشاعر:
فلما أن أتين على أُضاخٍ ** ضَرَحْنَ حصاه أشتاتًا عِزِينا
2- ضرْحُ السَّهم كما قالوا: (قوسٌ ضَروح) إذا كانت شديدةَ الرمي للسهم.
3- ضرْحُ القذَى كما قال أبو تمام:
شوقٌ ضرحتُ قذاتَه عن مشربي ** وهوًى أطرتُ لِحاءَه عن عُودي
ومن صور استعمالها مجازًا:
1- ضرْحُ الرجُلِ كما قالوا: (اضطرحوا فلانًا) إذا رمَوه في ناحية، وتكون كأنك شبهتَه بالأشياء التي ترمَى كالحصَى ونحوها. وهذه استعارة مكنيَّة. وفيها من البلاغة وحسن التصوير ما لا يخفَى. وفي "اللسان" ط بولاق وصادر في هذا الموضع تصحيفٌ، قال: (وجائز أن يكون اطَّرحوه افتعالاً من الطرح)، والصواب (الضرح) كما في "التهذيب" وكما يدل عليه تمامُ الكلام.
ومنه ضرحُ النيَّة لصاحبِها كما قالوا: (نيَّة ضرَح).
2- ضرْحُ الشَّهادة كما قالوا: (ضرحت شهادة فلان) إذا رميتَها  ولم تعتدَّ بها. وهي استعارةٌ مكنيَّة أيضًا.
3- ضرْحُ العارِ ونحوِه من المعاني غيرِ الحسيَّة كما قال ابن الرومي:
سلاحي لِسانٌ لا يُفَلّ وجُنَّتي ** أديمٌ صحيحٌ يضرَح العارَ أملسُ
وهي استعارة مكنيَّة أيضًا.
4- ضَرْحُ الكَلام، فقد قالوا: ضارحَه بمعنى سابَّه وشاتمَه، على جهة الاستعارة التصريحية التبعية، كأنَّه راماه بالحجارة.
5- الرَّمحُ بالرِّجْل كما قالوا: (فرس ضروحٌ). وذلك أنَّ من لوازمه غالبًا الضرحَ. ومنه قول الأفوه الأوديّ:
والخيرُ لا يأتي ابتغاءٌ به ** والشَرُّ لا يُفنيه ضَرْحُ الشّموسْ
وهو مجاز مرسَلٌ عَلاقته اللازميَّة.
تصاريفُه (المسموعُ منها من مَّا لا يوجِبه القياس إيجابًا):
يقال: ضرَحه يضرَحه، من باب (فتح) ضَرْحًا (وهو مصدرٌ قياسيّ) وضِراحًا (وهو خاصٌّ بالرَّمح بالرجلِ. وهو قياسيّ في ذلك لدَِلالته على الامتناع كالإِباء والنِّفار والفِرار والشِّماس، ذكرَه سيبويه).
فانضرحَ (وذلكَ في المعاني المجازيَّة خاصَّةً).
واضطَرحه (ويكثر استعمالُه في رمي الرجُلِ لثِقَلِه، فزادوا في المبنَى لزيادة المعنَى).
وضارحَه مضارحة (وهو مصدر قياسي) وضِراحًا (والأصح أنه سَماعيّ).
وفي "اللسان" ط صادر تصحيفٌ أدَّى إلى زيادة تعدية هذا الفعل بالهمزة، وذلك قوله: (وأضرحه عنك أي أبعده)، والصواب - نصًّا لا تفسيرًا -: (واضرحْه عنك أي أبعِدْه) كما في "الصحاح" وكما يَدلّ عليه سائرُ المادَّة.
وصيغة المبالغة من (ضرَحَ) ضَروحٌ (وهي قياسية)
وضرَحٌ (وهي على غير قياس متلئبّ، ولا تدخل التاء على مؤنثها)
وقالوا: (رجلٌ ضَريحٌ). وهو فعيلٌ بمعنى مفعول كما قالوا: جريح بمعنى مجروح وقتيل بمعنى مقتول. والمراد أنَّه كالمرميِّ بعيدًا.
وقالوا: (رجلٌ ضَرَح) بمعنى (فاسد). و(ضرَح) هنا نائبٌ هنا عنِ المفعول كحسَب وعدَد وقنَص ووَلَد إلا أنَّه لا يَزال باقيًا على وصفيَّته. وتأويلُه : المرميّ لفساده.
التفريعات الاشتقاقية على الأصل الأول :
خصَّصتِ العربُ سببًا من أسبابِ الضَّرْح بمعنى الرَّمي من طريق التغيير بالزيادة فقالوا: (أضرحَه) بمعنى أفسدَه، وذلك أنَّ الفسادَ سببٌ من أسباب الرَّمي إذْ كان معنًى من المعاني اللازمة التي لا تُجاوِز صاحبَها. فلمَّا بقِيَ على أصلِه ثلاثيًّا مجرَّدًا احتاجوا إلى بناء آخرَ يدلُّون به على إيقاعِ الفسادِ فأخذوا بالقياسِ الغالبِ، وهو التعديةُ بالهمزةِ، فزادوا (أفعلَ) لهذا الغرضِ.
على أنَّ في ثبوت هذا المعنَى نظرًا لأنَّ مرجعه إلى المؤرِّج السَّدوسيِّ، وقد قال الأزهريّ في "التهذيب": (وكلّ ما جاء عن المؤرّج فهو من مَّا لا يعرَّج عليه إلاّ أن تصحّ الرواية عنه) . ولا ندري مَن رَوى هذا عنه.
تصاريفُه:
يقال: أضرحتُ فلانًا والسوقَ ونحوَها فضرحَ يضرَح (من باب فتح) ضُروحًا (وهو مصدر قياسي) وضَرْحًا (وهو سَماعي عند أكثرهم في اللازم).
الأصل الثاني:
الشَقُّ. وغلَبَ على شَقِّ القبر.
تصاريفُه:
يقال: ضرحَه يضرَحه (من باب فتح) ضَرْحًا فانضرح.
وقولهم: (ضريح) للقبرِ فعيلٌ بمعنَى مفعول. وهو اسمٌ غيرُ وصفٍ. وقد زادوا التاء في آخِره توكيدًا للنَّقلِ فقالوا: (ضريحة) كما قالوا: (طبيعة) و(خليقة).
الأصل الثالث:
اللونُ الأبيضُ، يقال: نسرٌ مَضْرحيٌّ وصقرٌ مَضْرحيٌّ كما قال طرفة:
كأنَّ جناحَي مَضرحيٍّ تكنَّفا ** حِفافَيه شُكّا في العسيبِ بمِسردِ
فحذفَ الموصوفَ لدلالة الكلام عليه.
ورجلٌ مضرحيٌّ كما قال جرير:
بأبيضَ من أميةَ  مَضْرَحيٍّ ** كأنّ جبينَه سيفٌ صَنيعُ
فأتَى بـ(مَضْرحي) بعد (أبيضَ) توكيدًا كما تقول: (أبيض يقََق). والبياضُ من ما تمتدح به العربُ كما قال زهيرٌ:
أغرّ أبيضُ فيَّاضٌ يفكِّك عن ** أيدي العناةِ  وعن أعناقِها الرِّبَقا
وكما قال أبو طالب:
وأبيض يُستسقَى الغَمامُ بوجهِه ** ثِمال اليتامى عصمة للأراملِ
إذْ كان رمز الصفاء والنقاء. وهم لا يريدونَ بهذا وصفَه بالبياضِ حقيقةً، وإنما يريدونَ أنه طاهرٌ لم يخالطه دنَسٌ كالشيء الأبيض، فهو استعارة تصريحية تبعية. ومتى وافقَ هذا بياضًا في الممدوح كانَ أبلغَ وأوفقَ.
تصاريفه:
لم يجئ منه إلا (مَضْرَح) و(مَضْرَحِيّ). والياء في آخرِه ليست ياء النسب وإن كانت على صورتِها، فهي كـ(كرسيّ) و(بُخْتي) إلا أنه مشتقٌّ غيرُ جامد.
الأعلام:
ذكروا من الأعلام (الضُّراح) – وهو بيت في السماء -، وقيل: (الضريح)، و من أسماء الرجال (ضَراح ) و(مضرِّح) و(ضارح) و(ضُريح) و(مَضْرحي).
حواشٍ على ما تقدَّم :
1- تعريف الضَّرْح بالدفع غير صالحٍ إذ هو من تعريف الشيء بالمبايِن له، ذلك أنَّ طريقةَ (الدفع) غيرُ طريقة (الضَّرْح)، فالدفعُ – في حقيقته - إزجاء الشيء من غير قبضٍ له، و(الضَّرْح) – والرميُ مثلُه – غالبًا ما يكون عن قبضٍ. وأما قوله تعالى: ((فادفعوا إليهم أموالهم)) فمضمَّن معنَى (أوصلَ).
والمفعول في (الدفع) قد يكون صغيرًا كما تقول: دفعتُ الكأسَ. وقد يكون كبيرًا كما قال الحماسيّ:
دفعناكم بالكَفِّ حتى بطِرتمُ ** وبالرَّاحِ حتى كان دفعُ الأصابعِ
والضَّرْح كما سلفَ لا يكون مفعولُه – في الحقيقة – إلا صغيرًا.
2- تعريف الضَّرْح بالتنحية غيرُ صالحٍ أيضًا. وقد تقدَّم في أصل الحديث بيان ذلك.
3- فسَّر بعضُ اللُّغويِّين الانضراح والضَّرْح بالتباعد والاتِّساع. وهذا تفسيرٌ غيرُ دقيق إذ هو تفسير باللازمِ، وهو أخصُّ من المعرَّف، ذلك أنَّ الانضراح والضَّرْح في أحد معنييه هو الانشقاق – كما بينتُ -، والشيء إذا انشقَّ تباعدَ طرفاه واتَّسَع وسَطُه، ولكنَّه ليس تباعدًا مطلَقًا، كما أنك لا تقول: (انشقَّ الشيء) ولا (شققتُه) تريد (بعُد) و(أبعدتُّه). 
4- المضارحة التي زادَها بعضهم وذكرَ أنها بمعنَى المقابلة لا أعلمُ لها دليلاً من السَّماع، وإنما المضارحة المراماة حقيقةً أو مجازًا، فلا يصِحّ أن تفسَّر بالمقابلة بإطلاق، فلو قيلَ: (المقابلة بالرمي أو السبّ ونحوه) لكانَ مقارِبًا.
5- لا يَدلُّ الضَّرْح بمعناه المجازيِّ على الإبعاد، وإنما معناه الرَّمي. ولذلك لا يكون مفعولُه إلا مكروهًا منبوذًا كالعار والشرّ والخلقِ السيئ أو ما يَجري مَجراه، ولا يقال: ضرحَ الإنسانُ نفسَه.
خلاصة القول :
بما تقدَّم تفصيلُه يتبيَّن أنَّ الضَّرْح بجميع أصوله وتفريعاته لا يأتي بمعنى البُعدِ بإطلاقٍ لا حقيقةً ولا مجازًا. وإذا كان كذلك كانَ ما اقترحه السيد صقر غيرَ صوابٍ. وزدْ على امتناعِ معنى الضَّرْح هنا ما اعتضدتُّ به من ضَعف معنى البيت لو سلَّمنا أن (يَضْرَح) بمعنى يُبعِد، وما احتججتُ به من ثبوتِ الكلمة في "المجالسة وجواهر العِلْم": (يُضرِع)، وفي "عيون الأخبار": (يَصْرَع). ولا مدخلَ لـ(يَضرَح) بينها.

رأي في نسبة لامية العرب للشنفرى

في رواية الشعر والأدب
أصله تعليق على نقاش جرى في ملتقى أهل اللغة في هذه القضية، وذلك في 13/ 6/ 1433هـ.
اللامية المنسوبة إلى الشنفرى هي من القصائد الجِيادِ المحبَّرَة، لا أنازع في ذلك، ولكنِّي أرى أنها مصنوعةٌ، صنعَها خلفٌ الأحمرُ (ت180). وكانَ أقدرَ الناس على قافيةٍ. وهذا رأيٌ مسلوكٌ وقولٌ مطروقٌ. ويشايِعُه شواهدُ كثيرةٌ بعضُها يتَّصِل بالرِّواية وبعضُها يتَّصِل بالمتنِ. وشرحُ ذلك طويلٌ لا يسعُه هذا الموضعُ. وجملةُ القولِ أنَّ هذه القصيدةَ لا تكادُ تعرَف عندَ الرعيلِ الأوَّلِ من الرُّواةِ، وقلَّما وجدتَّهم يستشهِدون بشيءٍ منها. وإنما اشتهرت وذاعت من بعدهم. ولو كانَت للشنفرَى وهي ما علمتَ من طولٍِ وجودةٍ لعرضوا لها ودلُّوا عليها. ولم نرَهم فعلُوا ذلك. وأمرٌ آخَر، وهو أنَّ أبا عليٍّ القاليَّ (ت356) روَى في أماليه عن شيخِه ابن دريدٍ (ت321) أنها لخلَفٍ الأحمرِ. وابن دريدٍ بصريٌّ، فلا يُظنُّ به البَهْت والطَّعنُ على خلَفٍ. كما أنكرَ نسبتَها أيضًا أبو رِياشٍ القيسيُّ (ت339).
فأمَّا متنُ القصيدةِ فإنك لتقرؤها فتعجَب من طولِها مع ترتيبِ معانيهَا وأنَّ التحوُّلَ فيها من معنًى إلى معنًى لا يكونُ إلا بعدَ استيفائه على نحوٍ لا يشبِه شعر الشنفرَى ولا يكادُ يشبه شعرَ الصعاليك ولا شعرَ الجاهليين عامَّةً. وكأنَّ واضعَها أرادَ أن يُفرِغ فيها جميعَ ما يعرِفه من أحوالِ الصعاليكِ وطرائقِ معيشتِهم وضروبِ أخلاقهم. ولذلكَ لا تجِد لها مناسبةً ولا ترَى فيها أخبارًا، والأعلامُ المذكورةُ فيها قليلة بالنسبة إلى الأعلام المذكورة في تائيته، إذ نجد في كل نحو 14 بيتًا علمًا واحدًا، أما تائيته فإنا نجد في كل نحو 3 أبيات منها علمًا، وذلك أن عدّة أبيات تائيته 36 بيتًا، وفيها 13 علمًا بالتكرار. وهي مع ذلك أعلام خاصة كأميمة وأم عمْر وحَلي ومشعل والجبا وسلامان ومفرج والبريقين وغيرها، وعدة أبيات اللامية 68 بيتًا، وليس فيها إلا 5 أعلام بالتكرار اثنان منها لقبه (الشنفرى)، وواحد (الشعرى) نجمٌ معروف، وواحد (أحاظة) بلد في اليمن ليس من مواضع الشنفرى، جرَّه إلى ذكرِه طلب التشبيه لا لصلةٍ له به. فبين القصيدتين كما ترى بونٌ بعيدٌ يلقي الشكَّ على هذه القصيدةِ.
هذا مع أنَّ الصنعةَ اللفظيَّة ظاهِرةٌ فيها، إذْ ترَى فيها كثيرًا من البديعِ وعطفِ اللفظِ على اللفظِ والتقسيمِ وقِلَّةِ الزِّحاف أيضًا.

وبحسبِك أن توازِن بينها وبينَ تائيتِه الثابتةِ النسبةِ إليه بشيءٍ من التأمُّلِ والأنَاةِ لتتعرَّفَ مقدارَ اختلاف ما بينهما في المعانِي والألفاظِ وغيرِها. وهو أمرٌ سيوصِلُك بلا شكٍّ إلى أن قائلَهما ليس واحدًا.

***
قد علِمنا احتيالَ أبي إبراهيم حينَ سمَّى هذا التذاكرَ والمباحثَة (مناظرةً) ثمَّ جعلَ يحشُّها وينفُخ فيها إذْ علِمَ أنَّ له غُنمَها وعلينا غُرمَها. وما هذه بمناظرةٍ. وما أردنا أن تكونَ كذلك لأنَّ المناظرةَ لا بُدَّ أن يتفقَ عليها المتناظران ثمَّ لا بُدَّ أن يكون رأيُ كلٍّ منهما الذي يخالف به الآخَرَ بيِّنًا معروفًا. ولم يكن شيءٌ من هذا في ما ذكرْنا.
ولو شئنا أن نجعلَها مناظَرةً لأحْوَجنا ذلك إلى أن ننقطعَ عن شغولِنا ونفرِّغَ أنفسَنا لبحثِها ودرسِها وتقصِّي شُعَبِ القولِ فيها لأنَّ هذه المسألةَ، أعنِي نسبةَ القصيدةِ لا يكادُ يفي بها مجلَّدٌ كبيرٌ في ما أرى. ولستُ أستحسِنُ التسرُّع في الأحكامِ إلا بعدَ التروِّي والتثبُّت الشديدِ. وليس هذا في طاقَتي الآنَ.
غيرَ أني أقولُ: إني عجِبت للإخوةِ الكرامِ كيف انصرفوا عن القولِ في تحقيق نسبةِ القصيدةِ - وهو قطبُ الكلام ولبُّ القضيَّة - إلى القولِ في خلَفٍ ووصفِ حالِه. وذلك أنَّا لو برَّأنا خلفًا من وضعِها وقامَ الدليلُ الصَّريح والشاهِد العَدْلُ على ذلك لما امتنعَ أن يكون واضعُها غيرَه ولجازَ أن تكونَ لغيرِ الشنفَرَى من المولَّدين.
على أن الحكمَ بوضع خلَفٍ لهذه القصيدةِ لا يقتضِي أن يكونَ كذَّابًا، فقد يكذِب الرجل الصادقُ في بعضِ أحوالِه وأوقاتِه لعلَّةٍ تعرِضُ ولا يسمَّى كذَّابًا ولا يخرِجه هذا من اسمِ الصدقِ، إذْ كان هو الأغلبَ عليه والألزمَ له. وقد يجوزُ أن يضع الرجلُ القصيدةَ ولا ينسُبها إلى أحدٍ ثمَّ يلتبِس الأمرُ على مَن بعدَه فينسُبها إلى غيرِه ثم لا يكونُ بذلك كاذبًا لأن خطأ النِّسبة لم يأتِ من جهتِه. وليسَ كلُّ تعديلٍ لأحدٍ مقبولاً بالجملةِ كما أنَّه ليس كلُّ جرحٍ مقبولاً كذلك. وللنفوسِ أسرارٌ وخلائقُ خفيَّةٌ قد يهتدِي إلى معرِفتها الناسُ وقد تخفَى عليهم وتوصَد دونهم. وليس من سَدادِ الرأيِ أن نسلِّم بمقالةٍ من المَقالاتِ لحجَّة مَّا حتَّى نعرِضَها على غيرِها من المقالاتِ ولا سيَّما إذا كانَت كثيرةً وكانَ ظاهرها يوهِم التدافعَ والاختلافَ.


وأنا أعلَمُ أن هذا كلامٌ مجمَلٌ، ولكن عذرِي أنِّي لا أجِد الوقتَ لتفصيلِه وبيانِه.
***
ثم كُتبت هذه التعليقة في 8/ 8/ 1440هـ ونُشرت في تويتر وفسبك.
وقد أعدت النظر في لامية العرب قبل أيام وأطلت المكث عليها وقايستها بصحيح شعر الشنفرى وصحيح شعر خلف فما زادني ذلك إلا ثقة بأنها منحولة على الشنفرى وأنها بشعر خلف أشبه وتكشّف لي فيها من آيات الصنعة ما لم أذكره في هذه الكلمة الموجزة.
وهذا بحث وقفت عليه البارحة فرأيته أجادَ في تفصيل أدلة نسبة لامية العرب ونسبةِ أختها (إن بالشعب الذي دون سلع) إلى خلف وأتى على كثير من ما في نفسي، على هنوات فيه وشيء من الخلل في إقامة بعض الحجج لا يقدح في عمود القضية:

الأحد، 4 يونيو 2017

في عادات القدماء ومعاني شعرهم

نُشر مفرّقًا في تويتر وآسك وفسبك في أوقات مختلفة.
- قال أبو حيان: (أصل الكُنى اعتبار ما وُلد للإنسان... وهذا موجود في العرب، يكنون حتى بالإناث، فكنوا حاتمًا بأبي سفّانة...).
قلت:
ولكن منهم أيضًا من كان يعيب الاكتناء بأنثى، فقد حُكي أن حسان لقي الحطيئة فقال: ما كنيتك؟ قال: أبو مليكة. قال: ما كنت قطّ أهون عليّ منك حين اكتنيت بامرأة.
- ذكر أبو الفرج في "الأغاني" أن الغناء العربي لم يكن معروفًا في زمن عمر رضي الله عنه إلا ما كان من النصب والحداء. وهما جاريان مجرى الإنشاد إلا أنهما يقعان بتطريب وترجيع يسير.
قلت: لعله يريد أن ذلك لم يكن ظاهرًا في مجتمعهم وإن كان موجودًا سواءًا الناي ونحوه وذوات الأوتار كما قال لبيد:
وصَبوح صافية وجذب كرينةٍ ** بموتّر تأتاله إبهامها
وقال الحماسي:
والكُثر والخفض آمنًا ** وشِرَع المِزهَر الحَنون
والشِّرَع: الأوتار.
- المطاعم قديمة، ففي ترجمة إسماعيل بن يسار في "الأغاني" أن أباه كان يصنع طعام العُرس ويبيعه.
- ذكر الجاحظ في "البيان والتبيين" أن الناس قد يلبسون الخِفاف في الصيف إذا دخلوا على الخلفاء والأمراء لأن ذلك أشبه بالاحتفال والتعظيم.
- الظاهر أن الأرآم التي تُذكر في الشعر القديم قد انقرضت لأن العلماء يصفونها بأنها خالصة البياض، وأنه لا يخالط بياضها شيءٌ. وهذه صفة لا نجدها في شيء من الظباء الموجودة اليومَ.
- س: هل يجوز التفدية بالهيّن الدُّون كقولهم: (يفديك كلُّ جبان)؟
ج: الأصل في التفدية أن تكون بالشريف الغالي كقولهم: (فداك أبي وأمي) وكقول أبي الغول الطهوي:
فدت نفسي وما ملكت يميني ** فوارسَ صدّقت فيهم ظنوني
وكقول الأعشى:
فدًى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ** وراكبها يوم اللقاء، وقلّتِ
ولكن قد تكون التفدية بما يُظنّ أو يَظنّ نفسَه غاليًا وهو هيّن رخيص، وذلك كقول الشاعر:
ولا تبعَد أبا هند، ولكن ** فِداكَ العاجز الجِبس البخيلُ
وقد يكون منه قول حسان:
أتهجوه ولست له بكفءٍ؟ ** فشرّكما لخيركما الفداءُ

- اتخاذ نعل خاصّ للكنيف أمر قديم، قال الواساني (ت 394):
فانتفا لحيتي وجزّا سبالي ** وبنعل الكنيف فاستقبلاني
- ذكر ياقوت في ترجمة أبي هفان في "معجم الأدباء" أن اسمه الكنيف عند أهل بغداد المستراح، وعند أهل البصرة المتوضأ، وعند أهل الكوفة الكنيف، وعند أهل الحجاز الحشّ. وذكر ابن عبد ربّه في "العقد الفريد" أن أهل اليمن يسمون الكُنُف المراحيض، وأهل مكة يسمونها المخارج، وأهل الشام يسمونها المذاهب. وقد استفدتّ هذا النقل الأخير من صاحبي أبي تراب الحزمي.
- ذكر الجاحظ أن أهل البصرة إذا أرادو
ا تصغير إنسان صيّروه على (فعلويه) كما قالوا في (محمد): (حمدويه) وفي (عَمْر): (عمرويه). وقرأت في بعض الكتب ما يدلّ على أن من صِيَغ التصغير في عامية ذلك العصر (فَعلونة). وذلك كقولهم في (عائشة): (عيشونة).
- كان الرجل قديمًا إذا اشتدّ عليه البرد فربما أدخل يديه ورجليه في الكرش ليدفأ، قال الشاعر:
وليلةٍ يصطلي بالفرثِ جازرُها ** يختصّ بالنقرى المثرين داعيها
- أشدّ الهجاء عند العرب ما كان فيه حطّ للمرء عن أقرانه وأنداده. ولهذا فضّلوا بيت جرير:
فغضّ الطرف، إنك من نمير ** فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
- السّفَر يغيّر أخلاق الرجال. ولهذا قال الشاعر:
* مِن أين ألقَى صاحبًا مثل عُمَرْ؟ *
* يزداد طيبًا كلما زاد السّفَرْ *
- في وقت الغيوم والأمطار يلَذّ اللهو كما قال المنخل اليشكري:
ولقد دخلت على الفتا ** ة الخدرَ في اليوم المطير
ومنه قول امرئ القيس:
وبيتِ عذارى يومَ دجن ولجته ** يطفن بجمّاء المرافق مكسالِ
وقول طرفة:
وتقصير يوم الدجن، والدجن معجِبٌ ** ببهكنةٍ تحت الخِباء المعمَّدِ
- قد تمدح العربُ الرجلَ وإن كان مسِنًّا بوصفه بـ(الفتى). وهو مستفيض ذائع في شعرهم، ولكنهم لا يستحبون الوصف بـ(الغلام) إلا لمن كان حدثَ السنِّ.
- قال الشاعر يمدح قومه:
جُفاة المحزّ لا يصيبون مفصِلًا ** ولا يأكلون اللحم إلا تخذُّما
فمدحهم بأنهم ملوك لا يحسنون تقطيع اللحم لأن لهم كُفاة.
- تشبّه العرب عضلات الرجل البارزة بالأرانب والجِرذان، قال الراجز:
* كأنّ تحت جلده إذا احتفَزْ *
* في كلّ عضوٍ جُرَذين أو خُززْ *
- كثرة الأكل مذمّة عند العرب بلا شك. وشواهد ذلك كثيرة، منها قول أعشى باهلة:
طاوي المصير على العزاء منصلت ** بالقوم ليلة لا ماء ولا شجرُ
وقول دُريد بن الصِّمّة:
تراه خميص البطن والزاد حاضر ** عتيد ويغدو في القميص المقدَّدِ
- لا يُمدح الرجل بدوام جِدّه، ولكن يمدح بجده في موضع الجد وهزْله في موضع الهزل، يؤيّد هذا قول العُجير السلولي:
أخو الجد إن جد الرجال وشمروا ** وذو باطل إن شئتَ ألهاك باطلُه

الجمعة، 2 يونيو 2017

مسائل في رواية الشعر والأدب

نُشرت في تويتر وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- نسبة الشعر إلى غير قائله، وتداخل أبيات الشعراء، واضطراب ترتيب أبيات القصيدة من معضلات الشعر القديم. ولا بد من النظر فيها وإصلاحها ما أمكن.
- في
 كثير من قصائد القدماء اضطراب مُبين في ترتيب الأبيات يجذّ حبلَ تسلسلها ويُخلّ بمعانيها ويُلوي بحُسنها.
- صعوبة حفظ أبيات القصيدة متسلسلةً والربطِ بين آخر البيت والذي يليه قد يدلّ على وقوع الاضطراب في ترتيبها من قِبَل الرواة. وما أكثر هذا!
- لعلّ من أقدم من وصلت إلينا روايته لخبر داحس والغبراء المفضّل الضبيّ (ت١٧٨) في كتابه "أمثال العرب".
- من تحلّى بغير ما هو فيه ** فضحتْه شواهد الإمتحانِ
أقدم من وجدته ذكر هذا البيت في كتاب هو المفضل بن سلمة (ت٢٩٠) في "الملاهي". ولم ينسبه.
- شعر الحطيئة آية في إحكام النظم وقلة الحشو، قال عنه أبو عبيدة: (ما تشاء أن تطعُن في شعر شاعر إلا وجدت فيه مطعنًا. وما أقل ما تجد ذلك في شعره)! وديوانه جدير أن يُحفظ كلُّه لتناهيه في الصحة والجودة وتمام التنقيح والصناعة. وعِدّة أبياته في ما ذكر محققه 833 بيتٍ.
- كثير من الاختلاف في رواية الشعر تصحيف لا سماع. ولعل منه مثلًا:
قوم إذا لبسو الحديـ ** ـد تنمروا حَلَقًا وقِدّا
إذ يُروى (خُلُقًا وقَدّا).
وفي هذه القصيدة رُوي (يفحصن بالمعزاء) و(يمحصن بالمعزاء)، و(ولا يردّ بكاي زندا) و(ولا يردّ بكاي زيدا). وظاهر أن إحداهما تصحيف. وأمثال هذا كثير جدًّا، ولكنّ الحكم في ذلك يحتاج إلى قدر وافر من التثبّت والحذر.
- كثرة الاختلاف في روايات ألفاظ القصائد القديمة قرينة على صحة القصيدة وبراءتها من الوضع والنّحْل.
- يقرأ كثير من طلبة العلم البيتَ المنسوبَ خطَئًا إلى الزمخشريّ:
وصرير أقلامي على أوراقها ** أحلى من الدَّوكاء والعُشّاق
هكذا، ويفسّرون (الدَّوكاء) بالجماع. وهذا خطأ، فإن هذا اللفظ لا يُعرف في العربية. ثم ما العلاقة بين صرير الأقلام والجماع؟ وكيف يكون صرير الأقلام أحلى من (العُشّاق)؟
وصواب الكلمة (الدُّوكاه). و(الدُّوكاه) و(العُشّاق) نوعان من المقامات الصوتية، يريد الشاعرُ أن صوت صرير الأقلام أحلى في أذنه من نغمة هذين المقامين الجميلين.
- إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما ** جُعِل اللسان على الفؤاد دليلا
هذا البيتُ رواه أبو عثمان الجاحظ في "البيان والتبيين 1/ 218"، ولكنّه لم ينسُبه. وقد كنتُ أراه في كثيرٍ من كتبِ النحو وأرى اختلافَهم فيه وتنازعَهم في صحَّة الاحتجاجِ به على الكلام النفسي، فمنهم من يطعُن في روايته ويزعم أنها (إنّ البيان لفي الفؤادِ)، ومنهم من يقول: هو غير ثابت في ديوان الأخطل، فلا حجّة فيه. وأعجَبُ من هذا مَن يأبى الاحتجاج به لأن الأخطلَ نصرانيّ!
علَى أنّي وجدتّ أبا الطيّب الوشّاء (ت325) في كتابه "الموشّى 16" ينسُبه إلى الأخطل. ولعلّه من أقدَم من ذكرَ هذه النّسبة. وفيها مجالٌ للبحث.

الخميس، 1 يونيو 2017

في كتب الشعر والأدب

نُشرت في تويتر وفسبك وآسك وملتقى أهل اللغة في أوقات مختلفة.
- من كتب الأدب التي يستلذّها المبتدئ ولا يجفو عنها المنتهي وفيها بيان عالٍ وأدب جمّ "سرح العيون" لابن نباتة و"كليلة دمنة" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" ثلاثتها لابن المقفع و"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري و"الأمثال" لأبي عبيد و"البخلاء" للجاحظ و"زهر الآداب" للحُصْري و"عيون الأخبار" لابن قتيبة و"أخلاق الوزيرين" لأبي حيان، وكتب المنفلوطي والطنطاوي.
- في "رسائل ابن أبي الدنيا" كثيرٌ من الأدب والشِّعر المسنَد يغفُل عنه الباحثون والمحققون. وهو مهمّ لأنه توفي عام 281هـ، فهو في طبقة المبرّد.
وفي كتاب "المجالسة وجواهر العلم" لأبي بكر الدينوري (ت 333هـ) شيءٌ من ذلك أيضًا. وهو من تلاميذ ابن قتيبة والمبرّد.
س: ما رأيك في تسمية كتاب ابن سلام بـ"طبقات فحول الشعراء
ج: الكتاب لا يُعرف عند العلماء المتقدمين إلا باسم "طبقات الشعراء" من أبي الطيب اللغوي وأبي بكر الزبيدي وأبي الفرج النديم إلى أبي حيان الأندلسي فمن بعدَه. ولم أجد لمحمود شاكر حجة مقنعة في تغيير عنوانه.
- كتاب "على السفود" من الكتب التي أستحبّها. وقد قرأته مرارًا لأن فيه ثلاث خلال مجتمعة: الأسلوب الأدبي الرفيع، والجدل المنطقي المستقصي المفحم، والنقد الساخر المضحك، فهو من الكتب التي تجمع بين تعليم الأدب والعقل.
- رحم الله ابن المقفع! فقلّما يُشكل عليّ شيء من أمور دنياي إلا وأجد في كتابيه "الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" مشورةً صائبة فيه وقولًا سديدًا.
- كتب ابن المقفّع تحتاج إلى إعادة تحقيق علميّ دقيق بعد الفحص عن أقدم نسخها المطبوعة وأصحّها.
- كتب ابن المقفع المطبوعة هي «كليلة ودمنة» تح عبد الوهاب عزام، و«الأدب الكبير والصغير» تح أحمد زكي باشا، وبقية رسائله ضِمن «رسائل البلغاء» لمحمد كرد علي، و«جمهرة رسائل العرب» لأحمد زكي صفوت.
- كتابا "جمهرة رسائل العرب" و"جمهرة خطب العرب" لأحمد زكي صفوت من أجمع الكتب لمادّة البيان. وهما كافيان لمن أراد الاختصار.
- كتاب "مختارات من الشعر الجاهلي" لأحمد راتب النفاخ يشتمل على قدر كافٍ من أجود قصائد الشعر الجاهلي مع شرحها، تصلح للحفظ بعد حفظ المعلقات.
- كتاب "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي ليس بالمرضيّ سندًا ولا متنًا، فمؤلفه أبو زيد مجهول، وشيوخه كذلك. وقد تفرّد عن جميع العلماء المتقدمين الثقات الذين شافهوا العرب بما لا يقبل تفرده به. والأبيات التي تفرّد بها ركيكة غثّة، فليحذَرِ الذين يريدون حفظ الشِّعر الصحيح من الاعتماد على روايته. فأما ما اختاره من القصائد فهو في الجملة جيّد، فيمكن أن يطَّلَع عليها ثم تُحفظ من كتب موثوقٍ بها.
س: ما رأيك في كتاب "التيجان في ملوك حمير" لابن هشام؟
ج: هذا الكتاب مشحون بالأخبار المكذوبة والأشعار المصنوعة، فلا يُوثق به. على أن أصل الكتاب لوهب بن منبّه، وإنما ابن هشام راويه. وله تعاليقُ عليه.
- أصحّ طبَعات "حماسة أبي تمام" رِواية وضبطًا حتى الآن هي النسخة التي استلّها كريم محمدي من «شرح المرزوقي» وراجعها أيوب الجهني وعائشة بنت علي. وقد نشرتُها على الشبكة. ورواية المرزوقي أقدم رواية تامّة مطبوعة للحماسة.
وهذا رابط احتمالها:
- لا تزال "حماسة أبي تمام" مفتقرة إلى شرح شافٍ يُبدي ما وُوري من زينتها ويكشف عن مليح أسرارها وبديع معانيها.
- ما أعياك فهمه من "حماسة أبي تمام" ولم تجد بيانه في شرحي المرزوقي والتبريزي فالتمسه في شرح الشنتمري، فإن فيه فوائد زائدة ونكتًا لطيفة.
وما أعياك فهمه من "المعلقات" فلم تجد بيانه في شرحَي الأنباري والنحاس ولا في شرح الزوزني فالتمسه في شرح أبي سعيد الضرير أقدمِ الشروح (وسيُطبع إن شاء الله)، فإن فيه ما ليس في غيره.
- شرح المرزوقي على "حماسة أبي تمام" أصلح للمبتدئين لإسهابه وجزالة لفظه. وشرح التبريزي أنفع للمتقدمين لأنه لخّص عامة شرح المرزوقي (وإن لم ينسبه إليه) وزاد عليه النقل عن شروح بعضها مفقود كشرح أبي رياش أقدمِ الشرح وشرح شيخه أبي العلاء المعرّي.
- كادت "مقامات الحريري" تكون إعجازًا.
- "الحماسة البصرية" قد تفضُل حماسة أبي تمام. ولولا تأخرها لكانت أحقَّ بالتقديم. وتحقيق عادل جمال لها في غاية الحسن والإتقان.
- من قصّر عن قراءة "الأغاني" لأبي الفرج فليقرأ "تجريد الأغاني" لابن واصل الحموي. وهو كتاب مُنفِس فائق. وقد حذف فيه من "الأغاني" الأصواتَ والأسانيد والمكررات. وربما زاد فيه أشياء ليست في "الأغاني".

في بيان الجاحظ وكتبه

في كتب الشعر والأدب
نُشر في تويتر وفسبك وآسك في أوقات مختلفة. وبعضٌ منه لم يُنشر من قبل.
إذا أردت أن تكون من الإبانة بحيث لا يستعصي عليك معنى وإن غمض ولا فكرة وإن دقّت فلا بد أن يكون لك ورد أسبوعي أو شهري من كتب الجاحظ خاصةً. ومن قرأ للجاحظ استغنى به عن غيره. ومن قرأ لغيره لم يستغن عنه. إنّ كتب الجاحظ تعلّم العقل والأدب كما قال ابن العميد!
- إني لأونس في روحي فدامة وفي قلمي عُقْلةً كلما أبطأت عن القراءة في كتب الجاحظ.
- أحصيت عدد صفحات جميع كتب الجاحظ المطبوعة الصحيحة النسبة إليه فوجدتها تبلغ أكثر من سبعة آلاف صفحة.
وهذه هي مع بيان أفضل طبعاتها:
1- الحيوان. تح عبد السلام هارون.
2- البيان والتبيين. تح عبد السلام هارون.
3- الرسائل. تح عبد السلام هارون.
4- البخلاء. تح طاها الحاجري.
5- العثمانية. تح عبد السلام هارون.
6- البرصان والعرجان والعميان والحولان. تح عبد السلام هارون.
7- الفصول المختارة من كتب أبي عثمان الجاحظ لحمزة الأصفهاني. وأكثر فصوله موجود في المطبوع من كتبه إلا فصولًا قليلة. وله طبعة واحدة سيأتي نقدها.
أما الآمل والمأمول والتاج في أخلاق الملوك والمحاسن والأضداد فلا تصحّ نسبتها إليه.
- حين علمتُ أن لأبي عثمان الجاحظ كتابًا اسمه "العثمانية" ألّفه في الردّ على الروافض ونقض حججهم قلت في نفسي: وماذا عسى الجاحظ أن يتحدّث في هذه المسألة العويصة المتراحبة وإنما صناعته الأدب، فلما قرأت كتابه علمت أن النساء لا يلدن مثلَ أبي عثمان!

- س: هل من ترتيب لقراءة كتب الجاحظ؟
ج: ابدأ بالبخلاء أو ببعض رسائله واختم بالحيوان. وأنت في ما بينهما بالخيار.
- هذه النشرة لكتاب "الفصول المختارة" جناية على كتب التراث وعلى أبي عثمان الجاحظ! وذلك أن الكتاب زيدٌ على ثلاث مئة صفحة، في كل صفحة ما لا يقِلّ عن ثلاثة أخطاء، بل ربما تزيد، فهذه ألف خطأ في رسالة ماجستير مناقَشةٍ! وأكثرها ليست من جنس الأخطاء الطباعية، وإنما هي أخطاء تدل على جهل بأصول التحقيق وقراءة النص وقواعد النحو. وفي علامات الترقيم والتعليقات في الحواشي ما يصدّق ما ذكرتُ.
وهذه أمثلة على ذلك:






الاثنين، 29 مايو 2017

حبّ ما يتصل بالمحبوب

في معاني الشعر
نُشر في ملتقى أهل اللغة في 24/ 1/ 1431هـ.
من معاني الشِّعر ما أقِف عنده أردِّد النظرَ فيه وأتأمَّل وجوهَ الحسنِ في مطاويه. ومنها معنًى رأيتُه شائعًا عندَ الشعراء كثيرَ الدروان في شعرِهم، وهو حبُّ المرءِ الشيءَ لعَلاقةٍ تربطه بالمحبوبِ.

فمن ذلكَ:
حبُّ الأرضِ التي يسكنها المحبوب كما قال مجنون بني عامر:
أمرُّ على الدِّيار ديارِ ليلَى ** أقبِّل ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الدِّيار شغفنَ قلبي ** ولكن حبُّ مَن سكنَ الدِّيارا 
وقالَ سَوَّارُ بن المضرَّب السَّعدي:
أحبُّ عُمان من حبِّي سُليمى ** وما طِيِّي بحبِّ قُرَى عُمانِ
وقالَ نُصيب:
لقد زادني للجفْرِ حبًّا وأهلِه ** ليالٍ أقامتهنَّ ليلى على الجَفْرِ
وقالَ الآخَر:
أُحِبُّ الأرضَ تسكنُها سُليمَى ** وإن كانت توارثُها الجُدوبُ
وما دهري بحُبِّ ترابِ أرضٍ ** ولكنْ مَن يحُلّ بها حبيبُ
وقال الآخر:
وأنتِ التي حبَّبتِ شغبًا إلى بدا ** إليَّ وأوطاني بلادٌ سِواهما
ومنه حبُّ ممَن يجتمِع والمحبوبَ في نسبٍ كما قالَ جميلٌ أيضًا:
وقالوا: يا جميل، أتَى أخوها ** فقلتُ: أتى الحبيبُ أخو الحبيبِ
أحبُّك أن نزلتَ جبالَ حِسمَى ** وأن ناسبتَ بثنةَ من قريبِ
وكما قالَ الحسينُ بنُ مطيرٍ الأسديُّ:
ومِن بيِّناتِ الحُبِّ أن كانَ أهلُها ** أحبَّ إلى قلبي وعينيَّ من أهلي
وكما قال الآخر:
أحِبُّ بني العوَّام من أجل حبِّها ** ومن أجلها أحببتُ أخوالَها كلبا
ومنه حبُّ مَن يجتمعُ والمحبوبَ في صفةٍ كما قالَ مسلمُ بنُ الوليدِ:
وأحببتُ من حبِّها الباخليـ ** ـنَ حتى ومِقتُ ابنَ سلمٍ سعيدا
على سبيلِ الذمِّ لابنِ سلمٍ. وهو بيتٌ طريفٌ.
وكما قالَ الآخَر:
أحبُّ لحُبِّها السودانَ حتى ** أحبُّ لحبِّها سودَ الكلابِ
وكما قالَ جميلٌ:
أحبُّ الأيامَى إذْ بثينةُ أيِّمٌ ** وأحببتُ لما أن غنِيتِ الغوانيا
وقالَ الحماسيُّ:
فأقسمُ لو أني أرَى شبَهًا بها ** ذئِابَ الفلا حبَّت إليَّ ذئابُها
وفي رواية المرزوقي والتبريزي: (أرَى نسَبًا لها).
وقد شطَّ الهوَى أبعدَ الشططِ بأبي الشيصِ الخُزاعيِّ حين قالَ:
أشبهتِ أعدائي فصِرتُ أحبُّهم ** إذْ صارَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ
وهو في الحقِّ بيتٌ طريفٌ جارٍ على مذهبِ الشُّعراء في حبِّ المبالغة وتطلُّبِ الإغرابِ!
ومنه حبُّ مَن يُحِبُّ المحبوبَ كما قال دِعبِل الخزاعي:
أحبُّ قَصيَّ الدارِ من أجلِ حبِّهم ** وأهجُرُ فيهم زوجتي وبناتي
ومنه حبُّ اسمِ المحبوبِ كما قالَ جميلُ بنُ معمرٍ:
أحبُّ من الأسماء ما وافقَ اسمَها ** أو اشبهَه أو كان منه مدانيا
ومنه حبُّ تابعِ المحُبِّ لتابعِ المحبوبِ كما قالَ المنخَّل اليشكريُّ:
وأحبُّها وتحبُّني ** ويحبُّ ناقتَها بعيري
وما هذه إلا أمثلة لهذا المعنى. ولو تتبع أحدٌ شواهده لوجدها أكثر من ذلك.

السبت، 27 مايو 2017

تغطية النساء وجوهَهنّ في الجاهلية

في عادات القدماء
نُشر في تويتر في 10/ 11/ 1433هـ.
من الأبيات التي تدل على أن النساء في الجاهلية كن يغطين وجوههن عن الرجال قول الحماسي:
ونسوتكم في الروع باد وجوهها ** يُخلن إماءًا والإماء حرائرُ
يريد أنه سقط الحجاب عن وجوههن من هول الخطب حتى يحسبهنّ من يراهنّ إماءًا. وقيل: إنهن فعلن ذلك تشبهًا بالإماء لأن لّا يُسبين.
وقول الحماسي الآخر:
قد كن يخبأن الوجوه تستّرًا ** فاليوم حين بدون للنظّارِ
يريد أنهن ذهَلن عن ستر وجوههن من شدة الفاجعة بمقتل المرثيّ. 
وقول أبو دُوَاد الإيادي: 
ويصنّ الوجوه في الميسنانيْـ ** ـيِ كما صانَ قرنَ شمسٍ غمامُ
وقول عنترة:
إن تغدفي دوني القناع فإنني ** طبّ بأخذ الفارس المستلئِمِ
وقول خُفاف بن ندبة:
وأبدى شهور الحج منها محاسنًا ** ووجهًا متى يحلل له الطيبُ يُشرقِ

الثلاثاء، 23 مايو 2017

رأي في ضبط بيت أبي تمام (فلينظرن المرء من غلمانه)

في رواية الشعر والأدب
أصله تعليق على رأي الأستاذ صالح العمري أن يُقرأ بيت أبي تمام هكذا:
فليُنظَرنّ المرءُ مِن غلمانِه ** فهم خلائفه على أخلاقه
وتخطئتِه أن يُقرأ: (فليَنظَرنّ المرءُ مَن غلمانُه). وقد نُشر في ملتقى أهل اللغة في 8، 9، 10/ 4/ 1432هـ.

يَظهر لي أنَّ الصوابَ في رِواية هذا البيت هو:
فَلْيَنْظُرَنَّ المرءُ مَن غِلْمانُه ** فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ
يقولُ أبو تمَّامٍ: ليفتِّشِ المرءُ في حالِ غلمانِه، وليتفقَّدْ أخلاقَهم، فإنَّ صلاحَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى صلاحِ خُلُقِه وفسادَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى فسادِ خلُقِه. ونظيرُ هذا ما نقلَه أخونا صالحٌ عن الجاحظِ. ومن الأبيات المعروفة في ذلك قولُ الشاعرِ:
سهلُ الفِناء إذا حللتَ ببابِهِ ** طَلْقُ اليدَينِ مؤدَّب الخُدَّامِ
و(مَن) في البيت استفهاميَّةٌ، وهي وما بعدَها في محلِّ نصبٍ مفعولٌ بهِ لـ(ينظُر). ونظيرُه قولُ الله تعالَى: ((فلينظرِ الإنسانُ من مَّ خُلِقَ))، وقولُ النبي عليه السلام: (المرءُ علَى دينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم مَن يُخالل). فقايس بيتَ أبي تمامٍ بهذين الشاهدينِ ينجلِ لكَ معناه.
وبصددٍ من هذا المعنَى مدحُهم الرجلَ إذا كانَ كلبُه ذا أنسٍ بالضَّيفِ واستِدلالُهم بهذا علَى كرَمِ ربِّه وحسنِ قِراهُ، قالَ نُصيبٌ:
وكلبُك آنَسُ بالمعتفينَ ** من الأمِّ بابنتِها الزائرَهْ
وهو بيتٌ مستطرَف التشبيه وإن كان معناه معروفًا مطروقًا. 
وأمَّا ضبطُ بيتِ أبي تمام هكذا: 
فَلْيُنْظَرَنَّ المرءُ مِن غِلْمانِهِ ** فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ 
فبعيدٌ في رأيي. وذلكَ أنَّ (يُنظَر) هنا متعدِّيةٌ بنفسِها. ولذلكَ أُسنِد مفعولُها إلى الفعلِ لما بُنِي للمجهولِ فارتفعَ. والمعروفُ في (نظَر) تعدِّيه بحرف جرٍّ. وبذلكَ نزلَ القرآنُ ونطقَت الفصحاءُ، قالَ تعالَى: ((فليَنظُر الإنسانُ إلى طعامِه)) ثمَّ قالَ امرؤ القيس: 
نظرتُ إليها والنجومُ كأنَّها ** مصابيحُ رهبانٍ تُشَبُّ لقُفَّالِ 
وقلّما عدّوا (نظر) بنفسه وإن كان ذلك قد ورد في أبيات قليلة من الشعر. 
وعلَى أنَّ في البيت إذا قرأناه بهذه الرِّوايةِ شيئًا من الركاكةِ متى تأمَّلتَ في معنَى (يُنظَر) وموضع (مِن) ودلالتها ووازنتَها بقولِك مثلاً: (يُنظَر الإنسانُ مِن منطقِه) تريدُ أنَّ الإنسان يعرَف معدِنه بمنطقِه أي: كلامِه. وهذا كما ترَى غايةٌ في العِيِّ والرَّداءة. 
فقد انتهينا إذن إلى بيانِ فسادِ هذا الضبطِ: 
فَلْيُنْظَرَنَّ المرءُ مِن غِلْمانِهِ ** فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ 
ووقفَ الأستاذ الكريم صالح عند هذا الضبطِ: 
فَلْيَنْظُرَنَّ المرءُ مَن غِلْمانُه ** فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ 
منكِرًا له وطاعنًا عليه بأنَّه ضعيفُ الارتباطِ بما قبلَه غيرُ متعلِّقٍ به في المعنَى. وإذْ كانَ صوابُ الرِّوايةِ دائرًا على هذينِ الاحتمالينِ فلا بُدَّ لأخينا الكريمِ أن يختارَ أحدَهما أو يأتيَنا باحتمالٍ آخَرَ غيرِهما بريءٍ من المطاعنِ التي ذكرَها. فأمّا أن نرضَى بالتفويضِ والتوقُّفِ وأن يكونَ حظُّنا من العلمِ الإنكارَ وحسبُ فأمرٌ لا يَشفي سائلاً ولا يكشِف حقًّا ولا باطلاً. 
علَى أني أعجَبُ من إنكارِ أخينا صالحٍ لارتباطِ هذا البيتِ بما قبلَه في المعنَى وهو البصيرُ بالشِّعر المطَّلِع على تصرُّفاتِ الشعراءِ ومذاهبِهم. والحقُّ أني لم أغفُل عن النظرِ إلى البيتِ السابقِ لهذا البيت، ولكنِّي تركتُ الإشارةَ إليهِ والكلامَ عليه لاعتقادِي أنَّه بيِّنُ التعلُّق بما بعده والاستدعاءِ له. وذرنِي أشرحْ لك ذلك. 
لا بُدَّ أن نعرِف أولُ أنَّ هذين البيتين من أبياتٍ يعاتِب بها أبو تمَّامٍ بعضَ أصحابِه وكأنَّه آنَسَ من لقائه له جفوةً وفُتورًا ووجدَ مثلَ ذلكَ من استقبالِ خدمِه له، فقولُه: 
حشَم الصديقِ عيونُهم بحَّاثةٌ ** لصديقِه عن صدقِه ونِفاقِه 
تنبيه علَى أنَّ للعيونِ لسانًا ناطقًا ولغةً مُبِينةً. وهذا كما قالَ الشاعرُ: 
والعينُ تعرِف في عينَي محدِّثِها ** إنْ كان من حزبِها أو من أعاديها 
وقالَ الآخَر: 
أشارت بطرفِ العين خيفةَ أهلِها ** إشارةَ مذعورٍ ولم تتكلَّمِ 
فأيقنت أن الطرفَ قد قال: مرحبًا ** وأهلاً وسَهلاً بالحبيب المتيّمِ 
وقد أكثرتِ الشّعراء في ذلك. 
والمتمرِّس بالشِّعرِ يعلمُ أنَّه لم يرِد قصرَ ذلكَ على العيونِ، وإنما ذكرَ العيونَ مِثالاً وأرادَ جملةَ الأخلاقِ. وذلكَ أنَّ دلالةَ العيونِ دلالةٌ خفيَّةٌ غامِضةٌ. وإذا عرَف المرءُ ما في سريرةِ صديقِه بعيونِ خدمِه فأجدَرُ أن لا يخطئَ معرِفةَ سريرته بأوضحَ من ذلكَ من الأخلاق الظاهرةِ لنفسِه. وقد رأيتَ كيفَ أحسنَ أبو تمام الإبانةَ عن هذا المعنَى بأن جعلَ معرفةَ ما في نفسِ الصديقِ قِبَلَ صديقِه ومبلغَ إخلاصِه الودَّ له معقودًا بأمرينِ بعيدَينِ، أوَّلهما خدمُه. ثمَّ لم يكتفِ بذلكَ حتَّى ناطَ ذلكَ بعيونِهم. وهو الأمر الثاني. وقد علمتَ أنَّ دلالةَ العيونِ وإن كانَت مفهومةً أحيانًا، فإنَّها أدقُّ وأغمض من دلالةِ غيرِها من الكلامِ أو الفعلِ. 
وهذا البيتُ يتضمَّنُ معانيَ عِدَّةً، منها أنَّ للعيونِ لغةً وإبانةً، ومنها أنَّ الصديقَ وإنْ جهَدَ أن يستُر ما في نفسِه تُجاهَ صديقِه فإنَّه لا يلبَثُ أن ينمَّ عليه ما لم يجرِ منه علَى بالٍ، ومنها أنَّ الخدمَ صورةٌ صادقةٌ لسيِّدِهم يَظهرُ عليهم ما يُكِنُّ في نفسِه. وكأنَّ أبا تمامٍ أعجِبَ بهذا المعنَى الأخيرِ واستحسنَه، فانسلَّ منه إلى ما بعدَه وآثَرَ أن يُعقِبَه بحكمةٍ عامَّةٍ منسرِبةٍ من هذا المعنَى ينبِذُها إلى مخاطَبِه وتكونُ خِتامًا لأبياته هذه فقالَ: 
فَلْيَنْظُرَنَّ المرءُ مَن غِلْمانُه ** فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ 
يقولُ: إذا كانَ الغِلمانُ صورةً تخبِرُك عن غيبِ سيِّدِهم إذا كانَ صديقًا لكَ فاعلَمْ أنَّ الغِلمانَ أيضًا تبَعٌ لسيِّدِهم في سائرِ أخلاقِه، فلينُهم دَليلٌ علَى لينِه وشِدَّتُهم دليلٌ علَى شِدَّتِه وكرَمُهم دليلٌ علَى كرمِه وبخلُهم دَليلٌ علَى بخلِه. ولهذا الأمرِ مدحَ الشاعرُ ممدوحَه بأنه: (مؤدَّبُ الخُدَّام). 
وإذن فليتفقَّدِ المرءُ غِلمانَه، وليحرصْ علَى أن تكونَ أخلاقُهم حميدةً، فإنَّهم وَجهُه، وبِهِم يُستدَلُّ على خُلُقِه ويُعرَف معدِنه! وهذا معنًى معروفٌ، فإنَّك إذا رأيتَ أبناءَ الرجلِ وأهلَه يحتفُونَ بكَ ويكرِمونَك علِمتَ أنَّهم علِموا محبةَ أبيهم لكَ فعاملوكَ بذلك. والضدُّ بالضدِّ. 
فقد رأيتَ علاقةَ هذا البيتِ بما قبلَه عَلاقةً واضحةً لا لبسَ فيها وأنَّ أبا تمَّامٍ لم يُفسدِ المعنَى ولم يخطئ فيه وأنَّه لا ينبغي أن يقرأ بيتُه بحروفِه إلا هكذا ما لم يكن محرَّفًا. وهو ما لم نتبيَّنه حتى الآنَ. 
ولست أرَى حاجةً لطولِ التشكُّك في هذا البيت وقد ظهرَ أنه إن لا يكن ارتباطه بما قبلَه واضحًا كلَّ الوضوحِ فإنه ليس بمستنكَرٍ ولا مدفوعٍ. وفي كتابِ الله تعالَى من الآياتِ ما لا يَظهر ارتباطُها بما قبلَها إلا لبعضِ الراسخينَ في العِلْم. وكثيرٌ من الشِّعر علَى هذا النحو. معَ أني أزعُم أنَّ الارتباطَ بين البيتينِ واضِحٌ كلَّ الوضوحِ. 
ولعلَّ ما ذكرتُه يكشِف لكَ عن المعنَى الجامع لهذا البيتِ بالأبياتِ التي أوردها أبو عثمانَ وكيفَ ترجِع إلى بابٍ واحدٍ ومقدارِ ما بينَها من التآخي والائتلافِ.