‏إظهار الرسائل ذات التسميات من خواطري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من خواطري. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 25 يوليو 2019

من آداب الاستفتاء

نُشر في فسبك وتويتر في 24/ 11/ 1437هـ.
إذا استفتيتَ أحدًا فأبطأ عن جوابك ساعة أو ساعتينِ أو يومًا أو يومينِ فلا تستعجِلْه، فإنَّ ذلك ضربٌ من النزَق والخفّة وسوءِ الأدبِ إلا أن تطولَ المُدَّةُ طولًا يغلبُ على ظنِّك معه أنّه لم يبلغْه سؤالُك أو بلغَه ولكن نسيَ الجوابَ عنه. 
ومتى رأيتَ شيئًا من الأماراتِ التي تشي بقراءتِه لسؤالِك واطّلاعِه عليه كتغريدِه في تويتر أو فسبك إن كان السؤال في أحدهما أو دخولِه الوتسَ إن كان في الوتسِ فلا ينبغي لك أن تفعلَ معَه فِعلَ الشّرطيّ صادف لِصًّا هاربًا فتريَه أنك قد قبضتَ عليه بتهَمة الفِرار من جوابِك وتجعل برهانَك على ذلك الظفرَ به متلبّسًا بالدخولِ أو التغريدِ بعد إرسالك السؤالَ، فإنّه ليس وراءَ هذا من القِحة وصلابة الوجهِ معدًى ولا مطّلَعٌ. 
واعلم أن السائل طالبُ علمٍ ومن الحقِّ على طالبِ العلمِ لطفُ التوصُّلِ وخفضُ الجناحِ ودماثة الجانب، والمجيبَ متفضّلٌ محسنٌ، وما على المحسنين من سبيلٍ. 
على أني لو شئتُ أن أذكرَ لك الأعذارَ التي ربما منعتْه من جوابك في الحالِ لذكرت لك أكثر من سبعين عذرًا كلُّها موجبٌ للإمهالِ وإحسان الظنِّ، فمن ذلك أن يكون الخاصُّ عنده في تويتر أو فسبك متعطِّلًا أو عرضَ له العطَبُ، أو يكون دخلَ على عجلٍ وتخطَّى الخاصَّ ولم يتصفّحه، أو يكون تصفَّحه فقرأ أسئلة غيرك وعميَ عن سؤالك، أو يكون قرأ سؤالكَ ولكنّ في الخاصِّ من مثلِه مئةَ سؤالٍ سابقٍ كلُّها ينتظر الجواب فهو يجيبُ عنها الأولَ فالأولَ، أو يكون قرأه وهو في حالٍ لا تُمكن فيها الكتابةُ كحالِ قيادة السيارة، أو يكون قرأه فلما همَّ بالجواب عنه انقطع به النّتّ أو نابَه أمرٌ جسيمٌ شغلَه عن كلّ شيءٍ، أو يكون قرأه وهو محمومٌ وقيذٌ لا يقوَى على النظر والكتابة، أو وافاه سؤالُك وهو مهمومٌ تالفُ النفسِ ضيقُ الصّدر ممزّقُ القلب لنازلةٍ ألمّت به، أو زاحمتْه الشغولُ وتراكمت عليه الأعباءُ فاستأثرت بوقتِه وحالت بينه وبين وَشْك الجواب، أو لعلّه قرأ سؤالك فجعلَ يديرُه في ذهنِه أو يستوثقُ له بمراجعةِ كتبه ليكون جوابُه لك عن فكرةٍ وبحثٍ ورويّةٍ. 
قال تعالى: ((ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم)). 
ثم قال بشار بن برد: 
* وليس للملحِفِ مثلُ الردِّ *

الجمعة، 20 أبريل 2018

كلمة في العتاب


نُشر في فسبك في 4/ 8/ 1439هـ.
لم أزل أسمع من الناس مَن يصوّب العتاب ويحسّنه ويزعم أنه من ما يحفظ المودّة ويرُمّها ويستلّ الأضغان ويطيِّب النفوس. وكنت أومن بذلك وأنتحله، حتى إذا تراخت بي الأيام وجرّبت الناس وبلوتهم وسبَرت أخلاقهم وأحوالهم نكِرته وسؤتُ به ظنًّا وعرفت أنه من ما يُحدث البِغضة ويورث الوحشةَ ويُلوي بالمودّة، وذلك أن العتاب إنما يجري بين الأصدقاء. وقد كان ينبغي حين اجتبيتَه صديقًا أن تكون قد رضيت إخاءه وأمِنتَ غيبَه واطمأننت إلى صحة ودّه، فمتى أنكرتَ منه خصلة أو وقفت له على ريبة فولِّدْ له في نفسك من الأعذار الجائزة والعلل المحتمَلة ما لا تحتاج بعده إلى مساءلته وإلى سماع عذرِه لأنّ من كان مثلَه في صدق الإخاء ومتانة الودّ خليق أن يكون معذرًا. ولو أنك عاتبته فربما وجّه عتابك له على سوء الظنّ به وعلى الوَلوع بحفظ زلّاته وتتبّع عثراته، وذلك أن العتاب نوع من المحاسبة ودليل على التقصّي وبرهانٌ على قلّة الإغضاء وتركِ التغافل. وهذه خصلة منفّرة وخلق مكروه ولا سيما بين الأصدقاء. وعسى أن يَهيج هذا العتاب نقمته ويحرّك ضِغنه فلا يزال يتربص بك مثلَها حتى يصيبَه، فإذا أصابه سُرّ به وعدّه ظفرًا له وتبرئة لساحته وجازاك حين إذٍ عتابًا بعتاب وأدّى إليك الكيل صاعًا بصاع. 
على أنّ العتاب من ما يضطرّ الصديق المعاتَب إلى المعاملة بالتكلّف والتصنّع. وفي هذا تركُ التبسّط والتبذّلِ ولزومُ التحفّظ والحذر. ومتى صارت الصداقة إلى مثل هذا فقد صارت إلى الوهن والاضمحلال وآذنت بالصّرم والانفساخ. 
هذا مع أنك إن عجِلتَ إلى صاحبك باللوم والعتاب فأظهر لك منه عذرًا بيّنًا وحجةً بالغة رجع ذلك عليك بالحرج والخجل وصرتَ عنده بمنزلة الطائش العقل، القليل التثبّت، الفرِح بزلات الأصحاب. 
وأمر آخر، وهو أن العتاب في حقيقته نوع من الذِّلّة وعلامة على الاستكانة لما فيه من الإقرار بالحاجة والاعتراف بالألم، ومن طبيعة النفوس أن تستضعف من تؤنس منه ذلك، وربما تاهت عليه واستهانت به. 
فإذا رابك من صاحبك شيء فاجعل ما تعرفه من مودته لك حجيجًا عنه وكفيلًا له بتسويغ فعلِه والاعتذار له إن كان معذرًا، واحتمالِ خطئه إن لم يكن كذلك. واعلم أنك متى أسرعت إلى سوء الظنّ به ونفي العذر عنه فقد دللتَ على شكّك في ولائه وتجويزك لخيانته. ومثلُ هذا حرًى أن لا تتخذه صديقًا وأن لا تستنيم إلى إخائه أو تركن إلى صحبته. 
ولا يغرنك قولهم: (ويبقى الودّ ما بقي العتاب)، فقد يُحتمل هذا المرة والمرتين وبعد الجنايات الكثيرة وبعد أن يضيق عليك واسع العذر حتى لا تجد منفذًا. وفي هذا يقول الشاعر: 
معاتبة الإلفين تحسن مرةً ** فإن أكثرا إدمانها أفسدا الحبّا 
وقد يجوز ذلك إذا كان تركه مفضيًا إلى إسرار الحقد أو حصولِ الهجر فيكون من باب (آخر الدواء الكيّ). وعلى هذا قولُهم: (ظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد) وقولهم: (معاتبة الأخ خير من فقده). فأما أن يكون ذلك عادة متبعة وسنة مسلوكة ويجري على الصغيرة والكبيرة والشاذة والفاذة وعلى الوهم والريبة فأمره كما وصفتُ. 
وكما قالوا في مدح العتاب فقد قالوا في ذمِّه أيضًا: 
فدع العتاب، فربّ شرْ ** رٍ هاج أولَه العتابُ 
وقال عبد الله بن جعفر لابنته: (إياكِ والمعاتبة، فإنها تورث البِغضة). وقال الجاحظ: (واعلم أن كثرة العتاب سبب للقطيعة، واطّراحه كله دليل على قلة الاكتراث لأمر الصديق). 
وأحسنَ من قال: 
إن بعض العتاب يدعو إلى البغـ ** ـضِ ويؤذي به الحبيبُ الحبيبا 
وإذا ما القلوب لم تضمر الودْ ** دَ فلن يَعطف العتاب القلوبا 
ومن قال: 
أقللْ عتاب من استربتَ بودّه ** ليست تُنال مودةٌ بعتابِ

الأربعاء، 31 مايو 2017

خواطر متفرقة

نُشرت في تويتر وفسبك في أوقات مختلفة.
- الكِبْر قبيح مذموم إلّا في مواطن، منها أن يتورّدك متورّد بسفهٍ فيَحملك الكِبر على ترك مجاوبته، كأنك تكره أن تجعله ندًّا لك.
- أحبّ الفتى يطرب للنادرة حين يسمعها ويُسرّ بها ويوفّيها حقّها من التعجّب، فأَنخله النصيحة من نفسي وأخلِصه بخالصة منّي. وتنقبض نفسي عن من يتلقَّى النادرة بالجفاء، فلا تَعرف بهجتَها في وجهه ولا تجد صداها في نفسه ولا تسمع شكرها على لسانه، فأطوي دونه رغائبي وأقطع عنه حبائل آمالي.
- إن لي وردًا دائمًا لا أنفكّ أراجع به ما بقي في ذاكرتي من لوازم كلامك وخواصّ هيئتك وإشاراتك مخافةَ أن يأتي عليها النسيانُ، إذ كانت هي الذخيرة الباقية لي منك، وهي الزاد الذي أتقوَّى به على نوائب الدهر ما امتدَّت بي الحياةُ.
- اصنع المعروف إلى الناس وإن لم يكافئوك يقيِّضِ الله تعالى لك من يكافئك وإن لم تصنع له معروفًا.
- يسعى الحاسد بكل سبيلٍ إلى أن يَكيد محسوده ويحطّ منه ويَشين ذكره، ويأبى الله إلا أن يجعل سعيه رفعة لمحسوده وتنبيهًا على فضائله ودلالة على إحسانه ليزيده بذلك غمًّا إلى غمّه وغيظًا فوق غيظه. ولولا خبث نية الحاسد في ما يفعله لكان مستوجبًا للشكر من محسوده.
- لا تكذّب صوت حدسك في اللقاء الأول، فما أكثر ما تعرّفك التجارب الكثيرة والتكشيف الطويل أنه كان صوابًا وأنه لم يكن من الخير لك تكذيبه.
- خير الأصوات ما لامس من صدرك أحاسيس غامضة لا تستطيع ملامستها، وخير الروائح ما سافر بك إلى دنيا غير دنياك، وخير المناظر ما أذكَرَك نعيم الجنة.- ما توجّع الكرام من شيء توجّعَهم من جحود المعروف ومن خذلان الصديق.
- الفراغ يجلبُ الفراغ. والعمل يأتي بالعمل.
- أكثرُ مصائب الإنسان راجعة إلى أمرين: قلّةِ التفكير، وقلّةِ الصبر. وتأمَّلْ تجد صدق ذلك.
- لا تمازحْ ما لم تكن قادرًا على احتمال المزاح.
- إذا اصطنعتَ إلى أحدٍ معروفًا فجازاك بالإساءة فأعرض عنه ولا تجازِه بمثلها لأن مجازاتك له بالإساءة تجعله بمَنجاة من عذاب الضمير ولو بعد حين.
- ما شيء من الدنيا ألذ عندي ولا أطيب من مجالسة رجلٍ نابه العقل رحيب الأفق سهل الخلق يذاكرني مسائل العربية وأذاكره ويباحثني في دقائقها وأباحثه.
- لا بدّ للفاضل أن يتخذ له بعضًا من الأعداء ليذيعوا فضائله وينبهوا الناس على إحسانه لأن الأصدقاء لا يستطيعون وحدَهم أن ينهضوا بهذا العمل الشاق.
- من حقك أن تبغض من شئت ولو لغير علة، ولكن ليس من حقك أن تعلّل بغضك له بالفرية عليه فتنسب إليه القبائح وتعرّيه من الفضائل وتردّ الحق إن جاء منه.
- إذا أحببت أحدًا فلا تكثر عتابه على قطيعته، فإنه إن كان يكِنّ لك الودّ فسيهديه الشوق إليك حتى وإن جفوتَه، وإن لّا فما أغناك عن ودّ يتكلفه لك!
- البصر بطبائع الناس وأخلاقهم ودوافعهم هو من العلم الذي ضَرّه أقربُ من نفعه.
- ينبغي للعاقل أن يحرص على تحصين نفسه من أن تغترّ بمدح المادح له أشدَّ من حرصه على تحصينها من أن تهن وتنكسر لقدح القادح.
- لا يستهين العاقل بزرع الأحقاد في صدور الرجال لأنه لا بد أن يجنيها شوكًا ولو بعد حين.
- لا يمنعنّك شغفُك بالكمال من إنجاز الأعمال.
- إن الكلمة لتقع إلى سمع الرجل مرارًا لا تحرّكه، فإذا حرّكته مرّة فكأنه لم يسمعها من قبل.
- الحاسد معجَب يكتم إعجابه.
- تكلّفَ جدًّا لتبدو صورته عفويّة جدًّا.
- لو أخذتَّ بجميع وصايا الأطباء لهلكتَ جوعًا أو لشغلتَ عامّة يومك بامتحان الأطعمة الصالحة والتفتيش عنها وشِراها، ولكن صدّقْ وكذّب، وخذْ ودَعْ.
- ما تكلّف امرؤ خلُقًا أشقَّ من الإنصاف.
- من سرّه المدح فلا بدّ أن يسوءه الذمّ. وعلى قدر الأول يكون الثاني.
- اتصال الخلطة يغطّي العيوب، ولكنه قد يغطّي المحاسن أيضًا.
- علّمتني الحياة أن الإنسان قد يستطيع أن ينال بالصّمت في أحايين كثيرة أضعافَ ما يمكن أن يناله بالكلام البليغ.
- ما من سفيهٍ يتعرَّض لك إلا لظنِّه أنك مِثلُه في السَّفَه، فلا تصدِّق ظنَّه فيك بمجاراته والردِّ عليه.
- ساعة تقضيها في الجلوس إلى من تحبّ تناقلُه فيها الحديثَ وتبثُّه وساوسَ صدرك وخطراتِ نفسك أرجو أن تكفّر هموم شهرين شهرٍ ماضٍ وشهرٍ آتٍ.
- يدعوك إلى الإبداع وهو خَليّ منه، ويحثّك على قبول الرأي الآخر وهو يحاربُه!
- لا تزال أشرف من شاتمك وأرفع قدرًا حتى تجيبه، فإذا أجبتَه فإمّا ساويتَه وإمّا كنت دونه.
- خيرُ الجلساء من تنسى حسابَ الزمن معه وتطّرح كُلفة التحفّظ منه ثم تفارقه حين تفارقه عن غير ملالٍ ولا ضجَرٍ.
- الأستاذ القليل العلم يضيق ذرعًا بالطالب الذكيّ لأنه لسوء ظنه بنفسه يظن أن الطالب قد عرف جهله فيحمل كل تصرف منه على أنه هزء به وتعريض بجهله!
- أخذتّ عهدًا على نفسي مذ زمن أن لا أجادل سفيهًا ولا أمازحه ولا أجلس في مجلس هو فيه إلا ما كان اضطرارًا أو نسيانًا فوجدت ثمرة ذلك ولذّته.
- يخرج الرأي من صعلوكٍ فيُطّرح ويُستسخف ولا يؤبه له، فإذا خرج الرأي نفسُه من ذي منصب وجاه احتفي به كل الاحتفاء وعُدّ إبداعًا وعبقريّة!
- أردتُّ أن أتخذه صديقًا فأقللتُ من مخالطته.
- أشقّ الأعمال وأنصبها أن تسومَ قلبك مودّة من يُبغض وبِغضة من يوَدّ! الحبّ والبغض لا يُفسّران ولا يُقسَران، فخلّ قلبك وسَربَه.
- من دلائل كرم الناقة اجتنابها للمزاحمة، ففي المعاجم: (الرَّقوب من الإبل التي لا تدنو إلى الحوض من الزحام. وذلك لكرمها)، فيا عجبَى لبعض الناس!
- لكل إنسان أسلوب في الكتابة لا يشبه غيره حتى إنك لتؤنس فيه حرارة أنفاسه وتسمع منه جرس صوته. ومتى كنتَ خبيرًا بالأساليب عرفته وإن أخفى اسمه.
- من أصدق الشِّعر وأحكمِه قولُ الشاعر - وربما ألفيتني أردِّدُه -:
يُقضَى على المرء في أيّام محنتِه ** حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسنِ
- ستّة لا يحاوَرون: الجاهل، والأحمق، والمقلّد، والمتعصّب، والحاسد، والحاقد.
- لو كان الحَسُودُ رجلًا لقتلتُه.
- من الدليل على هوان العلم على طالب العلم أن لا يبالي أين باتت كتبه ولا في أي مكتبة وقعت ولا إلى أي يد خرجت. وبيوتهن خير لهن لو كانوا يعلمون! وكم من مستعير لكتاب لم يردّه. وربما ردّه بعد مِطال ولَيّان أو ردّه وقد مزّقه وكتب عليه واتخذه سفرة لطعامه وكرة بين أيدي صبيانه!
- ربما غبرتُ الليالي ذوات العدد خاليًا إلى نفسي لا أحادث فيها أحدًا قطّ فأجد عجبًا من صفاء النفس ويقظة العقل! فإذا عاودت الخلطةَ فسد كثير من ذلك!
- معاذ الله أن تمحو حبَّك يدُ الحدثان لأنه الحب الأول يوم أن لم يكن طمع ولا مصانعة! هو الحب الذي لا تفسير له إلا تآلف القلوب وتشاكل الأرواح!
- طول ممارسة عويص المسائل وغامضها واشتغال الفكر بها ربما عكّر المزاج وأورثَ الحدّة وسرعة الضجر. وقد سمعت رجلًا من أهل العلم من من طالت معاشرته للعلماء على اختلافهم يقول: خالطتُ نحو مئتين من أهل العلم (كلُّهم نفوسهم شينة) أي كلهم صعب الخلُق حادّ الطبع.
- ليكن تقديرك لنفسك مستمَدًّا من معرفتك بها لا من تقدير الناس لها لأنه متى كان كذلك لم يزل متذبذبًا مضطربًا وزائدًا ناقصًا.
- ألف ابن مالك لابنه الأسد الألفية وغيرها فلم ينبغ، وهجر ابنهَ البدر فكان هو الذي شرح ألفيته ولاميته وتسهيله! ((لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا)).
- وما أنا للشيءِ الذي ليس نافعي ** ويغضبَ منه صاحبي بقَئُولِ
هذا البيت أصلٌ عظيمٌ في حُسن مراعاةِ الصديق ومداراتِه.
- قال لي: (لحوم العلماء مسمومة) قلت: (وبعض أفكارهم أيضًا).
- من أكثر التلفُّت للخلف اصطدمَ بما أمامَه.
- من أكثر الأمثال التي انتفعت بها قولهم: (أن ترد الماء بماء أكيسُ). أي إذا وردت ماءًا فاحمل منه ولا تتكل على ماء آخر يصادفك لأنك قد لا تجده.
- من إهانة العلم والإزراء به أن تهدي الكتاب لمن لا ينتفع به ولا يعرف قدره!
- لا ينفكّ الإنسان من شيء يغُمُّه ويكدِّر عليه، فإن هو لم يجد ذلك افتعَلَه.
- من رحِم (الواسطات) تولد الحياة.
- لا أحبّ اللقاءَ لأني أكره الفراقَ.
- من أنبل حكم العامّة وأشرفها قولهم: (الحِقران يقطّع المِصران)، يريدون أن الإعراض عن السفيه وترك مجاوبته يجعل مُصرانه تتقطّع من الغيظ.
- يعجبني مثل بليغ من أمثال العامة، وذلك قولهم: (الملزَّق يطيح) أي أن ما يرام تثبيته بمجرّد الإلصاق لا يلبث أن يسقط. يضرب مثلًا للمودّة المصطنعة والإخاء المتكلَّف.
- مدحُ مَن لا يستحقّ ذمٌّ لمَن يستحقّ.
- الظَّرف قطعة من الذَّكاء. ولا تكاد تجد ذكيًّا إلا وفيه شعبةٌ من الظَّرف.

السبت، 4 فبراير 2017

الذين يُغبطون

نُشرت في الفسبك وتويتر في 7/ 5/ 1438هـ.
ما أغبِط أحدًا كما أغبِط ثلاثة نفرٍ:
أما أحدهم فعثمان طاها في خطِّه للمصحف الذي شرَّق وغرَّب وأغار في البلاد وأنجدَ، وانتفعَ به من لا يحصيهم العَدّ من الناس قراءةً وحفظًا وتدبّرًا وعمَلًا.
وأما ثانيهم فمحمد صدّيق المنشاوي في تلاواتِه التي لا تزال تُتلى بكرةً وأصيلًا فتلينُ بها جلودٌ وقلوبٌ إلى ذكر الله وتَفيض بها أعينٌ من الدمع وتسارع بها نفوسٌ إلى الخيرات وتُثمر أعمالًا صوالحَ.
وأما ثالثُهم فأبو العتاهية في قولِه:
فواعجبَى كيف يُعصى الإلـ ** ـه أم كيف يَجحدُه الجاحدُ
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ** تدلّ على أنه الواحدُ؟!
فإنّي أحسب أن المُلحِد لو اقتصر على التأمُّل في هذين البيتين ثم انطلق منهما إلى التفكّر في نظام هذا الكون المحَكمِ وما فيه من البدائع العجيبة والآيات الباهرة لنكلَ عن كفره وإلحادِه ولردَّاه وحدَهما بعد هُدى الله تعالى إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ولاستصغرَ ما كان يتعلَّق به من حُجج واعتراضات ينسُبُها إلى العقل والعقلُ منها براءٌ.
وإني لأرجو أن يكون الله تعالى قد غفر لأبي العتاهية بهما.
ولا شكّ أن الذين يُغبَطون كثيرٌ، ولكني ذكرتُ ما يقع في نفسي غير متكلّف لاستقراء أو مفاضلة.

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

أثر تويتر في إماتة الخواطر

نُشر في فسبك وتويتر في 5/ 4/ 1437هـ.
رأيت تويترَ وقد بلوتُه زمنًا يُميت الخواطر ويحبس تدفّق الفِكَر ولا يزال يتخوّن الذهن حتى يغادره قريب الغَور قصير النظر يستثقل الإطالة والتفصيل ويرغب عن التفسير والتعليل. وربما يعجِز عن ذلك لو التمسه.
وكثير من المسائل لا يتناهى المرء إلى غايتها ولا يشفي النفسَ منها إلا بتشقيقها وبسط القول فيها، بل إن الكتابة فيها من ما يستدعَى به عازب الرأي ونافره ويذلّل به عصيّ الفكرة وشَموسُها. ولهذا ما أوصت الحكماء بتعهّدها واعتيادها.
وإن المرء ليشرع في المقالة وليس في ذهنه إلا معانٍ نَزرة غامضة بدا حاجب منها وضنّت بحاجب (كما يقول ابن الخطيم) أو كأنها بنات النقا تخفى مرارًا وتظهرُ (كما يقول ذو الرمّة)، فما هي إلا جولةٌ حتى تنثال عليه المعاني انثيالًا وينكشف له ما وُوري عنه منها. ومثل هذا لا يتأتّى إلا بالتطويل والإطناب، وهو ما يَعدَمه تويتر ويحظى به الفسبك.

المسارعة إلى الإنكار

نُشر في فسبك وتويتر في 6/ 4/ 1437هـ.
سمعني مرةً ابني قصيّ، وكان عمره ثلاثة أعوام، أقرأ قوله تعالى: ((قل هو الذي أنشأكم)) فقال لي: خطأ! الصحيح ((قل هو الله أحد)). وكان قد حفظها وبعضَ قصار السور، ثم طار إلى حاسبه الصغير الذي كان يتحفّظ منه وجعل القارئ يقرأ ((قل هو الله أحد))، وقال لي: اسمع! 
فشبّهته بحال الضَّحل العلم الغريرِ التجربة يسمع بالخبر لم يحط به علمه، والرأيِ لا يبلغه عقله، فيسارع إلى ردّه وإنكاره وكأن علمه هذا القليلَ هو معيار العلم، وعقلَه هذا القاصرَ هو ميزان العقول!

تواطؤ الناس على ركوب الأقوال الفاسدة

نُشر في الفسبك في 28/ 7/ 1437هـ.
كنت ماضيًا في طريق سفَر فاعترضني حاجز تفتيش، ورأيت ثَمّ مسارينِ أحدُهما فيه خمس سيّارات مترادِفة، والآخر خالٍ لا سيارةَ فيه، فسلكتُه لأعرفَ ألعلّةٍ رغِب عنه هألاء جميعًا واستخفّوا ثقلَ الازدحامِ ومشقّة الانتظار أم لغيرِ علَّةٍ. فلما سلكتُه لم أجد به بأسًا! فعلِمت أنّ الناس كما تحاشوا هذا المسارَ مع سلامته وإفضائه قد يركبون القول الفاسد أو الضعيف ويتحاشون القول الصحيحَ أو الأصحَّ لا لعلّةٍ إلا إيثارَ التقليد والأنَسةَ بالكثرةِ والجبنَ عن مخالفة الشائع.

في الاطمئنان إلى مودة المغالي قبل التجربة

نُشر في فسبك وتويتر في 8/ 3/ 1438هـ.
إيّاك أن تطمئِنّ إلى من يقبل عليك بجميع ودِّه ويُصفيْكَ خالصَ إخائِه قبل أن تطول مخالطتُه لك ومعرفتُه بك وقبل أن يعاشرَك من كثبٍ ويبلوَ خلائقك دهرًا، فما أسرعَ ما يقلبُ لك ظهر المِجنّ عند أدنى هفوة منك ويرجعُ عدوًّا مكاشحًا لك ناقمًا عليك ناثًّا في الناس معايبَك وإن لم يسمع عذرَك.
واهرب الهربَ كلّه من من تراه يغلو في مدحِك وتبجيلِك، فما هو إلا أن يعاين بعض أخطائك ويقف على بعض مساوئك حتّى يغلو في ذمّك كما غلا من قبل في مدحِك وحتّى تستحيلَ حسناتُك اللائي كان يثني عليك بسببهن سيئاتٍ يذمّك عليهنّ، كأنّه يجعلُ مبالغته في ذمّك تكفيرًا عن خطئِه في الغلوّ في مدحِك، فيصلِح خطئًا بخطأ!
وعليك بالاستمساكِ بصحبة العاقل المنصف الذي يحكِّم في الأمور عقلَه لا عاطفتَه ويتّبِع فيها الحقّ لا الهوى ويصدرُ في آرائِه عن تأنٍّ وتؤدةٍ لا طيشٍ أو عجلةٍ ويتحلّى بأخلاق الكرام من الصبر والاحتمال وحسن الإعذار وسلامة الصّدر ولُطف المراعاة. واعتبرْه بأن تنظر كيف حديثُه عن عدوِّه، فإن رأيتَه لا يذكرُه إلا بما فيه ولا يدعوه بغضُه له إلى طمس محاسنِه والافتراء عليه والبَهتِ له فذاك. وإن لا فاحذرْه، واعلمْ أنك قد تكون موضع عدوِّه هذا يومًا فيفتري عليكَ كما افترَى عليه. ولهذا قال المتوكّل الليثيّ: 
احذر وصالَ اللئيم، إنّ له ** عضْهًا إذا حبلُ ودِّه انقطعا