‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصول النحو والصرف وعللهما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصول النحو والصرف وعللهما. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 يناير 2020

علة رفض الاحتجاج بكبار الشعراء والكتاب الذين جاءوا بعد زمن الفصاحة

نُشر في فسبك وتويتر في 26/ 5/ 1441هـ.
في السماع
لمَ لا يجوز الاحتجاج في اللغة بكبار الشعراء والكتّاب الذين جاءوا بعد زمن الفصاحة كأبي تمام والمتنبي والجاحظ وأمثالهم؟ 
الجواب عن هذا أن الواحد من هألاء إمّا أن يكون قد أتى باللفظ أو الأسلوب الذي يُراد الاحتجاج به من طريق النظر والمقايسة، وإما أن يكون قد جاء به من طريق السليقة غير الواعية. فإن كان الأول لم يجز الاحتجاج به لأنه يُعدّ رأيًا منه واجتهادًا مع ما يحتوشه من احتمال الاضطرار الشعري. وليس رأي العالم بحجة إلا بما معه من البرهان الصحيح والدليل المقنِع، فكيف بالشاعر أو الكاتب! وإن كان الثاني فإن المحدَثين إنما لقِنوا العربية بالدرس والتعلُّم لا بالتنشئة والسماع والمحاكاة للفصحاء، فقد يجوز أن يدركوا بطول الدُّربة والمراس وبمداومة الاشتغال بالكلام الفصيح ودرسِه بعضَ السليقة لا كلَّها، لأن السليقة لا تستوي للمتكلِّم ولا تتمّ تمامَها ولا تؤتي أكلَها إلا إذا لبث المتكلِّم مُلاوة من صدر صباه يتقلّب بين الفصحاء ويسمع كلامهم المرة بعد المرة في جميع شئون حياتهم ومختلِف أغراضهم ثم يُجريه على لسانه المرّة بعد المرة أيضًا من غير أن يدخل على سليقته ما يخلّ بها من الكلام الملحون. فأما الكبير الذي شبّ عن الطوق وانقادت له سليقة أخرى من كلام العامة الملحون فإنه لا يستطيع أن يدرك بمجرَّد القراءة للكلام الفصيح والحفظِ له سليقةً قويّة تامّة في اللغة التي يرومها، وإنما غاية أمره أن يدرك سليقة في بعض أنظمة اللغة وقوانينها، فتجده مثلًا لا يخطئ في باب الفاعل ولا المجرور بحرف أو بإضافة وإن أغفل الحذر والتحفّظ. وربما استطاع بالسليقة أيضًا أن يصيب في جمع بعض الألفاظ أو تصغيرها. ولقد سمعت بعض الصبية يقول في جمع (جبَل): (جُبول) وسمعتُ آخر يقول في جمع (كنَب): (أكناب). وسمعت ثالثًا يسمي الكلمة: (القَرية) أي المقروءة، على صيغة اسم المرّة. فأصابوا إنفاذ القياس من غير سماع سالف. ولكن من يجيد أمثال هذا بالسليقة قد لا يكون محكِمًا باب النسب وباب التصغير وباب الاستثناء ونصب المضارع وجزمه مثلًا بجميع تفاصيلها ومسائلها لأنه لم ينل من طول المراس والتجريب ولا من كثرة الاستماع ما يناله من خالط الفصحاء في أول صباه، فإذا استهدى بسليقته في هذه الأبواب خانته وأسلمته إلى الخطأ المحض. ونحن إذا سوغنا الاحتجاج بكلام المحدَث فقد أجزنا لأنفسنا أن نحتجّ بكل كلمة وردت في شعره أو نثره مع أنا لا ندري ما مقدار قوة سليقته ومضائها في هذه الكلمة التي قالها ولا مبلغَ إجادته للحكم المتعلِّق بها، فقد يجوز أن يكون ارتكب ذلك عن إجادة منه واقتدار، وقد يجوز أن يكون ذلك عن وهَن فيه واختلالٍ دخل عليه من قلّة ممارسته لبابها. 
على أنه ليست بنا حاجة أصلًا إلى أن نحتجّ بكلامِ المحدَثين البتةَ لأن المحدَث لا يسعه أن يستعمل في كلامه لفظًا أو أسلوبًا مرتجَلًا لا يُدرك بالقياس، وإنما غايته أن يُولِّد بعض الألفاظ أو الأساليب بما عندَه من إدراكٍ سليقيّ بالأقيسة حازه من خلال استقرائه لكلام العرب القديم وطول نظره فيه. وجميع ما استقراه من كلامهم حاضرٌ عندنا ومطروح بين أيدينا ومدوَّن في الكتب التي وصلت إلينا لم يُحتجَن منه شيء ولم يفت منه فائت، فنحن قادرون على أن ندرك بالاستقراء الفعلي الواعي له ما أدركه هو بالسليقة غير الواعية مع أمننا من عوارض الضرورة والوهم ومغامز الضعف والوهن.

الأربعاء، 15 يناير 2020

نبذة في نشأة علم أصول النحو

نُشر في تويتر وفسبك في 20/ 5/ 1441هـ.
أوّلُ من رام أن يصنّف في علم (أصول النحو) هو ابن جني (ت392هـ) في «الخصائص»، فقد ذكر أن من ما حمله على تأليفه أنه لم ير (أحدًا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه)، ولكنه لم يخلّصه للأصول ولم يستقص مسائله ولم يجوّد ترتيبه.
ثم جاء من بعده أبو البركات الأنباري (ت577هـ) فألّف كتابَيه «لُمَع الأدلة في أصول النحو» و«الإعراب [أو الإغراب] في جدل الإعراب» في جدل النحو، وزعم أنه هو واضع العلمين: علمِ أصول النحو، وعلمِ الجدل في النحو. وقد جعل أدلّة النحو ثلاثة: نقل (سماع)، وقياس، واستصحاب حال. ولم يَعرِض في النقل للكلام على القراءات ولا الحديث، ولم يشر إلى «خصائص» ابن جني ولا نقل عنه. ونصّ على أنه ألّفه على حدّ أصول الفقه. وهو كذلك حتى إنه لا يكاد يكون له في الكتاب من فضلٍ إلا تغيير الأمثلة. 
ثم خلَفَه السيوطي (ت911هـ) فألّف كتابه «الاقتراح» وذكر أنه لم يُسبق إلى ترتيبه وتهذيبه، ونصّ أيضًا على أنه رتّبه على ترتيب أصول الفقه، وزعم أنه لم يرَ كتابَي الأنباري إلا بعد فراغه من كتابه، وأنه أخذ لبابهما بعدُ وأدخله في خلل كتابه. وقد جعل أدلة النحو أربعة، وهي الثلاثة التي ذكرها الأنباري، والرابع الإجماع، تعويلًا على ما نقله عن ابن جنّي في «الخصائص» من أنها ثلاثة: السماع، والإجماع، والقياس. وليس ذلك في المطبوع من كتاب ابن جني. ولعلّه أخذه منه استنباطًا. وأكثر كتابِ السيوطيّ منقولٌ عن كتاب ابن جني وكتابَي الأنباري.

الخميس، 10 أغسطس 2017

هل يجوز للمحدَث القياس على جميع لغات العرب؟

في القياس
نُشر أصله في ملتقى أهل اللغة في 30/ 7/ 1432هـ.
س: هل يجوز للمحدَث القياس على جميع لغات العرب؟
ج: في هذا قولان للعلماء:
الأول: أنه يجوز القياس عليها. ومن من قال بذلك ابن جني في "خصائصه"، قال: (اللغات على اختلافِها كلّها حُجة). وتابعه عليه كثير من العلماء كابن هشامٍ اللخميِّ في "المدخل إلى تقويمِ اللِّسان" وأبي حيانَ في مواضعَ من "التذييل والتكميل" وغيرهما.
الثاني: أنه لا يقاس إلا على اللغات المعروفة دون اللغات القليلة. وهو مذهب الفراء، نقلَه عنه الجواليقي.
والأول هو الراجح لأن كثيرًا من اللغات المعروفة والنادرة قد جاءت بها قراءات القرآن متواترها وشاذّها، فالقول بحظر استعمالها على المحدَث تسوئة عليها وتخطئة لها إذ الصحيح أن الأصل في أحكام التركيب المحاكاة والقياس، فالشاهد الواحد منها كافٍ في تسويغ القياس عليه.

الثلاثاء، 27 يونيو 2017

حكم استعمال القياس مع ورود السماع المغني عنه

في القياس
كُتب في 1/ 2/ 1433هـ ونشر في تويتر في 26/ 2/ 1436هـ.
س: هل يجوزُ استعمالُ القياس مع ورودِ السَّماع المغنِي عنه في بابِه؟
ج: الذي أَراه أنّ ذلك على ضربينِ:
الأوَّل: أن يردَ في البابِ صُورةٌ كثيرةُ الأفرادِ بحيثُ تكونُ هي الأكثرَ، ولكنَّ كثرتَها لم تهيمِن على البابِ حتى تشامَّ التَّمامَ. وذلكَ أن توجَد صُورٌ غيرُها تشرَكها في حظِّها من القِسمةِ وإن كانت هي الأكثرَ كأن تكون نسبتُها إلى جميع المسموعِ 60%، وهناكَ غيرُها 20% و10% و5% و5%، فهذا يجِبُ أن يُكتفَى باستِعمال السَّماع فيه ولا ينبغي تخطِّيه إلى القياسِ لأنَّه لم يستحكِم في البابِ الاستحكامَ كلَّه، بل ضعُف بما زاحمَه من غيرِه وتفرَّقت مظِنَّة قياسيَّتِه شَعاعًا في غيرِه من الصُّوَرِ. ومثالُ هذا مصدرُ الثلاثيِّ المتعدِّي لـ(فعَلَ) و(فعِلَ)، فإنَّ الأكثرَ فيه أن يجيءَ على (فَعْل)، ولكن هذه الكثرةَ ليست قريبًا من استيفاءِ السَّماعِ إذْ جاءَ مصدرُه على أبنيةٍ أخرَى كثيرةٍ كـ(فُعال) و(فِعْل) و(فَعول) وغيرِها، فلو قلتَ: (عَلِمه عَلْمًا) في (عِلْمًا)، و(سألَه سَأْلًا) في (سُؤالًا)، و(قَبِلَه قَبْلًا) في (قَبولًا) كنتَ مخطئًا، وذلكَ أنَّ السَّماعَ هو المقطوعُ بهِ من كلامِ العربِ، والقياس إنما هو آلةٌ ظنِّيّة لمعرِفةِ كلامِهم. ولا يصِحُّ الظنُّ بأنَّ ضربًا من السَّماعِ قد غلبَ على عقولِ العربِ الباطنةِ حتى اعتقدوه قياسًا مطَّردًا، وأخلدوا إليه إلا إذا كانَ هو المهيمِنَ على البابِ. ولا يكفِي أن يكونَ هو الأكثرَ نِسبةً. وفي هذا أخطأ عباس حسن حينَ أجاز قياسَ مصدر (فعَلَ)، و(فعِلَ) المتعدِّيين على (فَعْل) مع وجودِ السَّماع، فأجاز أن يقالَ: (علِمه عَلْمًا) [النحو الوافي 3/ 189].
الثاني: أن ترِدَ في البابِ صورةٌ غالبةٌ جدًّا على الباب بحيثُ تكادُ تستغرِقُه، فتكونُ نسبتها إلى مجموع السَّماع أزيدَ من 90% ويكونُ ما خالفَها نوادرَ تُعدُّ عَدًّا، فيجوز لك أن تستعمِلَ القياسَ وإن وردَ السَّماع بخلافِه. ومثالُه اسم المكان، فإن قياسَه في (فعَل يفعُل) هو (مفعَل)، ولكن قالتِ العربُ: (المشرِق) و(المسقِط)، وغيرَها. وقد قال في ذلك الفرّاءُ (ت207): (والفتح في هذا كلِّه جائزٌ وإن لم نسمعْه) [إصلاح المنطق لابن السكيت تح قباوة ص189. وانظر أيضًا شرح القصائد السبع الطوال للأنباري تح هارون ص241]. وقال أبو عليّ الفارسي (ت377): (وقد يجوز الشيءُ في القياسِ وإن لم يأتِ به سماعٌ كما جاز في القياس تعليلُ العين من (استحوذ) وإن لم يأتِ به سماعٌ) [الإغفال له 2/ 7]. وإنما صحَّ استعمال القياس مع ثبوتِ السَّماع المغني عنه والنائبِ مَنابَه من قِبَلِ قُوَّة قياسِه واستمرارِ اطِّرادِه حتَّى نفَى ذلك عنه الشركاءَ والأندادَ. وفي هذا دلالةٌ على أنَّه قد جرَى في نفوسِ العربِ مَجرى القوانينِ المطَّردة التي لا تنكسِر وحلَّ منها مَحلَّ العادةِ والإلفِ، فهم وإن شَذّوا في القليلِ النادرِ عنه لعِلَّة استهوتهم فعسَى أن يكونَ عدمُ علمنا باستعمالهم للسَّماع الموافقِ للقياسِ محمولًا على أنَّ العلماء لم يستوعبوا كلَّ ما قالتْه العربُ. على أنه لو ثبتَ أنَّهم لم يستعمِلوا القياس قطعًا حين جمع العلماءُ اللغةَ فإنَّ من الممكن أن يستعمِلوه من بعدُ أو يستعمِلَه بعضُهم لقوَّتِه وتمكّنه حتّى كأنَّ ألسنتَهم لا بدَّ أن تنازِعَهم إليه. وحتى لو لم يفعَلوا هذا فإنَّهم لو سمِعوه من غيرِهم لم يستوحشُوا منه ولم يرَوه متجافيًا عن قوانينِهم. وهذا كافٍ في جعلِه من كلامِهم.
وعلى هذا يجوز لك أن تقولَ: (وذرَ) في الماضي من (يذَرُ) وإن لم يُسمَع خلافًا لجمهور النّحاةِ لأنَّ استعمالَ الماضي من مَّا يُعرَف له مضارعٌ قد كثُر كثرةً غالبةً جدَّا حتَّى لم يشِذَّ عنه إلا هذه الكلِمة [وقد أجاز هذا ابن درستويه. انظر تصحيح الفصيح ص260، 467].

الجمعة، 16 يونيو 2017

شواهد اتساع الرواة الأوائل في التقصي والسماع

في أحوال الرواة
نُشر أصله في تويتر في 1/ 1/ 1436هـ ثم زيدت عليه شواهد لم تُنشر من قبل.
من الشواهد التي تدلّك على اتساع الرواة الأوائل من اللغويين في السماع وشدّة تقصّيهم لألفاظ اللغة من أفواه العرب:
1- قال الكسائي عن (ينمو): (لم أسمعها إلا من أخوين من بني سُليم).
2- قال الكسائي أيضًا عن (الفِكاك) بالكسر: (لم أسمعها إلا من رجلين).
وهذان الشاهدان يدلّان على أنهم يعدّون ما سمعوه من واحد أو اثنين شيئًا شاذًّا لا يُحفَل به.
3- قال أبو زيد الأنصاري عن حركة عين الفعل الثلاثي: (طُفت في عليا قيس وتميم مدة طويلة أسأل عن هذا الباب صغيرهم وكبيرهم لأعرف ما كان منه بالضم أولى وما كان بالكسر أولى فلم أعرف لذلك قياسًا).
4- قال أبو حاتم السجستاني: (حدثني أبو زيد أنه سمع من الأعراب مَن إذا قيل: أين فلانة؟ وهي حاضرة، قال: ها هو ذِه. فأنكرته وتعجبت فرددته عليه مستفهمًا فقال: "سمعته من أكثر من مئة نفس". وكان صدوقًا).
5- قال الجرمي: (خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحدًا يقول: "لأضربنّ أيُّهم" بالضم).
6- روى الأصمعي عن العرب قولهم: (يا عاقد اذكر حلًّا) فخالفه ابن الأعرابي ورواه (يا حامل..) وقال: (سمعته من أكثر من ألف أعرابي فما رواه أحد "يا عاقد" )!
على أن في هذا الخبر مبالغة لا تُقبل ولا تُصدَّق، وذلك أن ابن الأعرابي كان شديد الخلاف على الأصمعي والتغيظ منه. وما أظنه قال هذا إلا في ساعة غضب.

الاثنين، 5 يونيو 2017

علّة الاستخفاف

نُشر في المجلة الثقافية في 9/ 4/ 1431هـ.
ذكرَ سيبويهِ في كتابه أنَّ العربَ تحذِفُ من بعضِ الألفاظِ كحذفِها النونَ من (لم يكُ) والألفَ من (لم أُبَلْ) والياءَ من (لا أدرِ) . وهذه المسألة تحتاجُ إلى شيءٍ من البيانِ يوضّحها ويجلِّيها. وذلكَ أنَّ العِلَّة الصحيحةَ لهذا الحذفِ إنما هي الاستخفافُ لكثرةِ الاستعمالِ. فالاستِخفافُ هو العِلَّة الثانية، أو هي العِلَّة القياسية كما يسمِّيها الزجَّاجيُّ، أو عِلَّة العِلَّة كما يسمِّيها ابنُ السرَّاج، أو تتميم العِلَّة وشرحها كما يسمِّيها ابنُ جني. وكثرةُ الاستِعمالِ هي العِلَّة الثالثةُ. ألا تَرى أنَّك لو سألتَ العربيَّ: لِمَ حذفتَ؟ كانَ جوابُه: (الاستخفافَ) أي طلبَ الخِفَّة. فإذا قلتَ له: (ولِمَ طلبتَ الخِفَّة في هذه الأفعالِ ولَمْ تطلبها في غيرِها؟) قالَ: (لكثرةِ استعمالِها في الكلامِ). فقد رأيتَ أنَّ كثرةَ الاستِعمال لا تكونُ علَّةً ثانيةً للحكْمِ ولا جزءًا من عِلَّةٍ مركَّبةٍ. ولا يجوز ذلكَ لأنَّ جميعَ عِلَل النَّحو عِللٌ غائيةٌ ترجِعُ إلى بواعثَ نفسيَّةٍ كالاستِثقالِ وكراهيةِ اللبسِ. فأمَّا علةُ الفَرقِ والتوكيدِ ونحوُهما فإنَّما يُرادُ بها طلبُ الفَرقِ والتوكيدِ. والطلبُ باعثٌ نفسيٌّ يصِحُّ أن يكونَ عِلَّةً غائيةً. فكلُّ ما وردَ عليكَ من هذا الضربِ فهذا سبيلُه. وعِلَّةُ الاستِخفافِ لكثرةِ الاستِعمالِ ظاهرةٌ طبيعيَّةٌ لا تكادُ تعرَى منها لغةٌ من اللِّغاتِ. وهي لا تَزالُ في لسانِ النَّاسِ إلى اليومِ، ففي بعضِ الأقطارِ يقولونَ مثلاً: (أبَمشي). وأصلُها (أبغي أمشي) ثمَّ كثرت في كلامِهم فحذفوا الغينَ فقالوا: (أبي أمشي) ثم حذفُوا الياءَ. وفي بعضِ البلدانِ يقولون: (أشتِي). وأصلها (أشتهي). وقد تحذِفُ العربُ من الكلمةِ الحرفَ بعدَ الحرفِ إذا طالَ تعاورُها بينَهم، وذلكَ نحوُ قولِهم: (مُ اللهِ)، أصلُها (أيمُنُ اللهِ) ثم لم يزالوا يُسقِطونَ منها حتى بقِيت على حرفٍ واحدٍ. ونظيرُها السِّين الدالَّة على الاستِقبالِ، فإنَّ أصلَها (سوفَ) فحذفُوا منها الفاءَ فقالوا: (سَوْ). وهي لغةٌ لناسٍ من أهلِ الحِجازِ حكَاها الكسائيُّ عنهم ونقلَها عن الكسائيِّ أبو جعفرٍ النحَّاسُ في «إعراب القرآن». ثمَّ حذفُوا الواوَ فبقِيتِ السِّينُ وحدَها. ولمَّا كانت (سوفَ) أصلاً للسِّينِ، كانَ معناهما واحدًا. وقد استَدلَّ ابنُ مالكٍ في «شرح التسهيل» على هذا بقوله تعالَى: ((وسوفَ يؤتِ الله المؤمنين أجرًا عظيمًا)) وقولِه: ((ألئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا)) وقولِه: ((كلا سيعلَمون)) وقولِه: ((كلا سوفَ تعلمون)) والمعنَى واحدٌ. وقلَّما يتجاوزُ الحذفُ الحرفينِ والثلاثةَ. وفي هذا ردٌّ على مَن زعمَ أن قولَ العامَّة: (سَمْ) أصلُه (سَمعًا وطاعةً). والصوابُ أنَّ هذه الكلمةَ باقيةٌ على أصلِها لم يمسَسْها شيءٌ من الحذفِ. وهي فعلُ أمرٍ من (التسمية) أي سَمِّ ما تريدُ. والدليلُ على ذلك أمورٌ ثلاثةٌ، أحدُها الاحتجاجُ بالغالبِ المطَّرِد في الحذفِ، وهو أنَّه لا يكادُ يُجاوِز الحرفينِ والثلاثةَ. ومقتضَى هذا الاحتجاجُ بعدمِ النظيرِ لقولِهم. وإنما احتججتُ بالحذفِ في كلامِ العربِ على كلامِ العامَّة لأنَّ الحذفَ من الظواهرِ اللُّغويَّة الطبيعيَّة لا الوضعيَّة الاصطلاحيَّة. والثاني الاحتجاجُ بالنظيرِ المعنويِّ، وذلكَ أنَّ بعضَهم يقول مكانَ هذه الكلمة: (اومُرْ). وهي قريبةٌ من معنَى (سَمْ) ولفظِها أيضًا. والثالث الاحتجاجُ بالبقاء على الأصلِ، وذلكَ أنَّ القولَ بالحذفِ خروجٌ عن الأصلِ في الكلمةِ، وهو عدمُ الحذفِ. 
وقد يكونُ الاستِخفافُ عِلَّةً للإبدالِ كما أبدلُوا واوَ (وَناة) همزةً فقالوا: (أناة) ولم يبدلوا واوَ (وَصاة) ولا (وَباء) ولا ما أشبهَهما. والعِلَّة الثالثةُ في هذا الموضعِ ليست كثرةَ الاستعمالِ لأنَّ (وناةً) ليست أكثرَ من (وصاة) و(وباءٍ) وغيرهما، وإنما هي عِلَّة التفنُّنِ في الأوضاعِ . وعِلَّة التفنُّنِ وعلَّة الاستِخفافِ أيضًا عِلَّتانِ شبيهتانِ بالعِلَّةِ الاعتباطيَّة من قِبَلِ أنَّه ليسَ شيءٌ من الكلامِ أحقَّ بهما من الآخَر لأنَّ كلَّ موضعٍ من المواضعِ تُستحَبُّ فيه الخِفَّة ويجوز أن يصرفَ عن أصلِه تفنُّنًا واقتدارًا، وليس لذلكَ حدٌّ يُنتهَى إليه. وقد يخلطُ بعضُ النّحاةِ بينَ الاستخفافِ والاستثقالِ. وبينَهما تباينٌ إذِ الاستِثقالُ عِلَّتُه متمكِّنةٌ، فهوَ من مَّا يحتاجُ إليه بعضُ المواضعِ دونَ بعضٍ. ومثالُ ذلكَ إبدالُهم الواوَ المضمومةَ ضمًّا لازمًا همزةً كما قالوا في (وُجوه): (أُجوه) إذْ كانت الواوُ حرفًا ثقيلاً، فإذا اجتمع إلى ثِقَلِه ثِقَلُ الضَمِّ ازدادَ ثِقَلاً. وهذا كما تَرَى داعيةُ الإبدالِ. وذلكَ على خلافِ الاستخفافِ، فإنه لا يوجِبه ثِقَلٌ صوتيٌّ، وإنما هو استزادةٌ من الخِفَّة. ولذلكَ كانَ جائزًا أن يقعَ في كلِّ موضعٍ من الكلامِ.